وجهات نظر

محمد الشرقاوي: المكاسب الغائبة والخسائر الحاضرة للوحدة المغاربية

من خطاب المعيارية إلى خطاب البنائية

خص الدكتور محمد الشرقاوي الأستاذ المغربي بجامعة جورج ميسن والباحث المحلل بمركز الجزيرة للدراسات، (خص) صحيفة المنصة الإلكترونية بمقال رأي بحثي بمناسبة مشاركته في ملتقى أكاديمي بالمغرب تدارس واقع وتحديات الوحدة المغاربية، فيمايلي نص المقال:

 

تظلّ الوحدة المغاربية المنشودة بين الدول الخمس (التي تشكّل نسبة 42 في المائة من مساحة الوطن العربي وتحظى بنسبة 28 في المائة من سواحله) فكرة مؤجّلة تنمّ عن عدة مفارقات مثيرة سواء ضمن سياقها التاريخي أو مسارها المستقبلي. هي مفارقات تتأرجح بين فترات الأمل صعودا وأطوار التشاؤم نزولا منذ تنظيم أوّل مؤتمر للأحزاب المغاربية في طنجة 1958، أو عقب توقيع القادة الخمس اتفاقية مراكش 1989، أوخلال إبرام الاتفاقيات الثنائية أوالجماعية الست والثلاثين الأخرى التي وقعتها دول المنطقة تحت لواء فكرة الوحدة. وتتذبذب السرديات حاليا بين الخبراء والمواطنين العاديين على حد سواء بين أسباب الفشل وإلى أين سيستمر بعد ثلاثة عقود من قدر الاتحاد المغاربي أن “يظلّ حلماً يراوح مكانه (المخيلة) وزمانه (هدأة النوم)” ، أو أنّ “فكرة المغرب العربي “الواحد”، كما يقول محيي الدين عميمور، حلمٌ مستحيلُ التحقيق في المدى المنظور، لكنّ المغرب العربي “المتّحد” أمر في متناول اليد، إذا صدقت النوايا.” (2016).

تكمن المفارقة الثانية في أنّ الأهداف الخمسة الرئيسية التي نصّت عليه اتفاقية مراكش ومنها “تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتهم والدفاع عن حقوقها”، و”انتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين” كانت معيارية فضفاضة من قبيل الينبغيات وأقرب إلى مغازلة قيم وأهداف قومية تجريدية منها إلى تصميم منظومات عملية واضحة في منحاها التطبيقي. ولم تنص على مراحل زمنية أو خارطة طريق لتحقيق تلك الأهداف، ولم تضع في حسبانها “مرحلة الإنتقال والتدرّج من الأوضاع القائمة إلى الأوضاع الجديدة المتوخاة من الاتحاد.” (بازغ عبد الصمد، 2012)، على خلاف براغماتية التكتلات الإقليمية الحيوية في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية. وتعيش فكرة الوحدة المغاربية اليوم انفصام الشخصية أو “سكيزوفرينيا” سياسية ومجتمعية مستدامة، هي جامدة عموديا على مستوى الحكومات، لكنها حيّة متحرّكة أفقيا في مخيّلة النخب ومؤسسات المجتمع المدني ونبض الأفراد العاديين على امتداد جغرافيا هذا المغرب الكبير. ويتمسّك كثيرون بالتفاؤل والإستماتة من أجل حلم متغرّس في قلوب وعقول كافة الشعوب في المنطقة، وأن الحقيقة الواقعية تفرض نفسها وهي “الابتعاد عن مواطن الخلل في تحقيق مثل هذا الحلم” (أحمد الذيب، 2016).

تكمن المفارقة الثانية في أنّ الأهداف الخمسة الرئيسية التي نصّت عليه اتفاقية مراكش ومنها “تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتهم والدفاع عن حقوقها”، و”انتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين” كانت معيارية فضفاضة…

تركّز هذا الورقة على أمرين اثنين: أوّلهما، اعتماد أدوات التّحليل النقدي للخطاب في تفكيك الخطاب الرّسمي الذي يلوّح بفكرة الوحدة المغاربية كوعد هُلامي متآكل من ذاته ومدى استغلالها سياسيا حسب الحاجة من قبل الحكومات، وكيف انطوى نص اتفاقية مراكش ذاته على تصوّرات قد تكون طموحة ولكنّها دون بوصلة إلى الأمام.  إذ تتوخى القيام بتحليل متأن لنصّ معاهدة مراكش التي وقعها القادة الخمسة عام 1989، وتحديد السبل الكفيلة بتركيب أو هندسة خطاب بديل ينبني على تصوّرات دقيقة تبلورها النخبة الأكاديمية ومثقفو الشتات وهيئات المجتمع المدني بهدف إنزال الوحدة المغاربية من ضبابية المناورات السياسية لدى الحكومات والتعبد الرومانسي لدى الشعوب بفكرة الوحدة والتكامل إلى حتمية التنفيذ الواقعي. فهل حان زمن الديكارتية المغاربية في تحقيق حلم الشعوب الخمسة؟

ثانيهما، بحث سبل تركيب خطاب براغماتي بديل بناء على تصورات دقيقة تبلورها النخبة الأكاديمية ومثقفو الشتات والمجتمع المدني حول المكاسب الغائبة والخسائر الحاضرة باتجاه إنزال الوحدة المغاربية من ضبابية المناورات السياسية إلى حتمية التنفيذ الواقعي. وتستحضرالورقة مفهوم البنائية الاجتماعية (social constructionism)، وهي بنائية تقوم على جدلية الذات والبيئة أو الواقع الخارجي، وأنّ الأفراد يصنعون عوالمهم الاجتماعية والثقافية فيما يشكّلون هم صنيعة هذه العوالم في الوقت ذاته. وتنبني هذه الرؤية على تخيّل حركية جديدة عند منتصف الهرم الاجتماعي حيث تقدم النخبة المثقفة ومراكز الأبحاث المغاربية استراتيجية المرحلة وتركّب خطاب المرحلة عبر الإعلام وكلّ المجال العام المغاربي. هي حركية تتأتّى من عودة المثقف المغاربي إلى ممارسة دوره التنويري والمساهمة في هندسة السياسات العامة كمشروع اقتصادي واستراتيجي إقليمي شامل لم تَعِ قياداتُ العواصم الخمس جدواه بعد وسط ضيق أفقها السياسي وانحسارها النفسي في إنتاج “الآخر” والخشية من جواره.

تلتزم الدراسة بإنجاز عمليتين متوزايين من أجل سدّ الفجوة بين التصوّر المعياري الرومانسي القديم واستمالة تصوّر عملي وتدرج تراكمي لبناء الوحدة المغاربية: أوّلا، تفكيك الخطاب السياسي في نص اتفاقية مراكش وكيف حملت بوادر فشلها منذ توقيع الحسن الثاني معاوية ولد الطايع والشادلي بن جديد وزين العابدين بن علي ومعمر القذافي عليها كوثيقة رسمية. ثانيا، السعي لتركيب رؤية برغماتية وواقعية تتموقع كضرورة حتمية راهنة ضمن تفاعلات المجال العام المغاربي، وتتجاوز بالتالي فشل الأعوام الثلاثين الماضية.

تقدم الورقة المقترحة  في مبحثها الأول قراءة متأنّية للاعتبارات والدوافع السياسية المعلنة وغير المعلنة التي جمعت القادة الخمسة في قمة مراكش في تلك الظرفية من تحوّلات المنطقة وبقية العالم. وكيف بدا الحسن الثاني والشادلي بن جديد وكأنهما تجاوزا حساسيات نزاعهما حول الصحراء ومستقبل البوليساريو قبل واحد وثلاثين شهرا من نشر الأمم المتحدة قوات المينورسو  لمراقبة وقف إطلاق النار في المنطقة. ثم تتناول الورقة المنحى المعياري normative ليس في وثيقة مراكش فحسب، بل وأيضا في استدامتها في الخطاب العام بما قد يفوق التصوّرات الذهنية التي كانت لدى القادة الخمسة ووزرائهم ومستشاريهم عام 1989. مثال ذلك المادة الثانية من معاهدة مراكش التي نصت على أن الاتحاد يهدف إلى: 1) تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض، 2) تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها، 3) المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، 4) نهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين .، و5) العمل تدريجياً على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيمام بينها.

لا خلاف على المغزى من مثل هذه الأهداف بين خمس دول التي تنتشي على احتفالية اللغة والتاريخ والجغرافيا وحتى المصير المشترك. لكن التخطيط الفضفاض والتلويح بشعارات غير مصحوبة بتخطيط استراتيجي قد يفقدها زخمها مام لم تكن تستحضر تفاصيل دقيقة لمرحلة التنفيذ. ومن المفارقات أن يبدو ضعف المعاهدة في عدم استكمال ما حددته من رؤية قد تبدو برغماتية إذ جاء في مقدمتها أن “إقامة اتحاد المغرب العربي تتطلب تحقيق انجازات ملموسة ووضع قواعد مشتركة تجسم التضامن الفعلي بين أقطاره وتؤمن تمنيتها الاقتصادية والاجتماعية.” وعلى مر السنوات الثلاثين الماضية وقفنا عند ويل للمصلين وتغنينا بالتضامن ولم نعكف على أي تضامن فعلي.

قد تكون النوايا وقتها صادقة في رسم خارطة الطريق لتكتل إقليمي مغاربي طموح بغايات التكتل والبناء المشترك، لكن من مظاهر الثقة المفرطة أو المغالاة في أحلام القادة الخمس وقتها ما جاء في المادة السابعة عشرة التي نصت على أن “للدول الأخرى المنتمية إلى الأمة العربية أو المجموعة الأفريقية أن تنضم إلى هذه المعاهدة إذا قبلت الدول الأعضاء ذلك.” هذا مثال آخر على الفجوة العميقة بين التنظير على مستوى القمة دون الاستناد إلى دراسات ومراكز خبرة استراتيجية ومستشارين جادين في توعية القادة الخمس ووزرائهم بما يتعين توفيره واتباعه لتنفيذ بنود المعاهدة. غير فلسفة معاهدة مراكش ظلت عمودية في تصوراتها المبدئية ولم يتم ترجمتها إلى خطط أفقية قابلة للتطبيق بشكل واضح. هذه لعنة عمودية خنقت أنفاس مولود جديد عام 1989 لم ينفخ فيه أصحاب القرار والخبراء والقطاع الخاص ما يكفي من الأوكسيجن ليكبر الاتحاد ويقوى عوده رغم الإجماع على فوائده ومكاسبه للشعوب والحكومات الخمس كافة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق