حوارمنصّات

كرماس: الحلوى المغربية تندثر وسط فوضى الإبداع والتكوين يحتاج للدعم والتطوير (حوار)

حوار

حاورها: عبدالرحيم نفتاح

يشتهر المغرب بالعديد من الحلويات التقليدية انضافت إلى أطباق شهيرة منحته مكانة عالمية في مجالي المأكولات والسياحة، حيث يصنف اليوم في مراكز متقدمة دوليا.

في هذا السياق أجرت المنصة حوار مع الشيف لمياء كرماس واحدة من أشهر الأسماء في مجال التكوين وصناعة الحلويات بشمال المغرب.

في هذا الحوار تقربنا كرماس من واقع هذا القطاع، والتحديات التي تواجهه لتطوير هذه الصناعة، خاصة للمزج بين ماهو تقليدي وحداثي.

نتعرف بداية على مسارك التكويني وسبب اختيارك هذا المجال؟

لمياء كرماس خريجة معهد الفندقة و السياحة بالمضيق على رأس دفعة سنة 2008، عملت بؤسسات فندقية مصنفة و غير مصنفة كطباخة و كرئيسة طهاة، توجهت بعد ذلك للتكوين منذ سنة 2013، أعمل الآن مسؤولة شعب المطعمة بمركز معتمد خاص بمدينة تطوان.
اختياري لفن الطبخ كان صدفة أول الأمر و كان من محاسن الصدف، إذ شَغُفْتُ به أكثر بعد انطلاق التكوين و الدراسة، علاوة على ذلك فإن الطبخ ممارسة تشربتها رفقة الوالدة رحمها الله حيث كانت طباخة كذلك في أفراح و مناسبات العائلة والجيران.

هل يمكنك أن تتحدثي لنا عن تطور هذا المجال في المغرب؟

بالنظر لتاريخ الأطعمة والأشربة نجد أنه استقطب اهتمام الباحثين في الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية رغم شح المادة التاريخية في هذا الشأن، و هذا الشح ترك فجوات معينة في تحديد تطور بعض الوصفات.. لكن التطور الأخير الحاصل في صناعة الحلويات بالمغرب تم على مراحل قبل انفجار الموجة العصرية الأخيرة، وارتبط بعوامل متعددة نذكر على رأسها:
-الأدوات: إذ لم تكن وافرة وكان الصناع وكانت النساء بالبيوت يتدبرون أمورهم و يجتهدون بذكاء للابتكار والتفنن، وأنتج ذلك لائحة غنية من الحلويات التراثية المهمة. وبتطور الأدوات وظهور قوالب و معدات و أجهزة حديثة وتداخلت المكننة بالطبخ أثر بشكل كبير و مباشر على تطور الحلوى المغربية و الحلويات بصفة عامة.

المواد: لا يخفى أن المغرب زاخر غني بمواد محلية وجهوية ووطنية ميزت الحلويات المغربية، لكن حصل تزاوج ملحوظ بين مواد أخرى مستوردة بل وكثرت في السوق المغربية حلويات أجنبية أكثر من المغربية نتيجة توفر المواد اللازمة لذلك.

الإعلام: كان للإعلام و المسابقات ووسائل التواصل الإجتماعي دورا أكبر في تحقيق هذا التطور، إذ تكون هي أول ناشر لكل جديد جدَّ في مجال الحلويات وعرض آخر ابتكارات الشيفات الكبار وبالتالي يسعى كل حرفي وصانع لإعادة تحضير هذه الإبتكارات للتمكن من تقنياتها وتطوير كفاءاته التطبيقية و المهنية.

المنافسة: كثرت محلات بيع الحلويات واشتدت المنافسة بين ممولي الحفلات، حيث تغيرت الحياة الإجتماعية وماتت عادة التجهيز للمناسبات بالبيوت مع الجيران والأهالي، وصارت الأسر تعتمد على ممولي الحفلات للتكفل بكل تفاصيل الحفل أو القرح. وهذا عامل ساهم ايضا في تطور صناعة الحلويات لما يفرضه الزبون من رغبة في التميز وتقديم آخر صيحات الحلوى تركيبة وشكلا مما يضع الصناع في منافسة مستمرة.

ماذا عن الجانب التكويني ؟

الشيف لمياء كرماس

الجانب التكويني في المغرب لا يزال يحتاج إلى الكثير من الدعم وبعض التطوير، ليوازي التحولات المستمرة الحاصلة في سوق الشغل وبالتالي ضمان وثيرة تطور سليم لا عشوائية فيه. ما يميز التكوين في مهن الطبخ في القطاع العمومي أنه يرتكز على أسس مهمة ضمن برامج ذات وحدات، إلا أن هذه البرامج وحدها لم تعد كافية وتحتاج بشدة للتحيين ويجب أن يشمل التحيين إدراج الطبخ المغربي كوحدة أساسية وطرحها بمقاربات مختلفة: تاريخية وجغرافية وتقنية وذوقية.

الجمود الحاصل في البرامج يزيد من حجم الهوة بين الخريج و سوق الشغل، الجيد في الأمر أنه ظهرت أساليب تكوين حديث وهي الدورات التكوينية المكثفة في مواضيع معينة حسب التخصص، عملت هذه الدورات أيضا على تطوير صناعة الحلويات واستدركت النقص الحاصل في البرامج العمومية. رغم ان هذه الدورات بقيت حصرا على مؤسسات خاصة بتكلفة مرتفعة نسبيا ولا يكون التأطير فيها دائما من ذوي التخصص مما يسهم في انتشار بعض المعلومات التقنية الخاطئة و هذا يضر حتما المنتوج و المستهلك و الحرفة بصفة عامة.

على غرار الأطباق يشتهر المغرب بعدة حلويات مثل كعب لغزال وغريبة والشباكية.. أين محله عالميا في هذه الصناعة؟

الحلوى المغربية مميزة عالميا بشكل واضح، وتمركز الطبخ المغربي و حلوياته في المراكز الأولى عالميا خير دليل. خلال مطالعتي و بحثي في التراث الذوقي المغربي، في عصر الموحدين نموذجا، أخلُص إلى أن المغاربة تميزوا منذ القدم بذوق رفيع وقدرة كبيرة على الإبتكار وموازنة الأذواق ودمج النكهات والتفنن في الشكل و الحجم. لكن مع هذا التطور الحاصل على حساب مكانة الحلوى التقليدية والتقصير في تطويرها لتناسب الزمان والمكان هل نحن نحفظ محل الشباكية وكعب غزال والغريبة عالميا؟
لا ننكر مجهودات بعض الأصدقاء والحرفيين في حفظ الحلوى المغربية وتسويقها في أوروبا و دول أخرى، إلا أن مجهوداتهم تظل يتيمة في غياب أي مؤسسة فعلية ببرامج وخطة عمل واضحة الحلوى و الطبق المغربيين. إننا في حاجة ملحة إلى تدوين هذا التراث، فالمصادر شحيحة ومع مرور الزمن و الإهمال تُفْقَد ومع اجتهادات غريبة لبعض الإخوة والأخوات هداهم الله فالحلوى المغربية تندثر وسط فوضى الإبداع. أناشد الأكاديميين والسادة المعنيين إلى إنشاء أكاديمية تعنى بهذا الشأن، وقد كانت هناك محاولة من طرف بعض الأصدقاء الأكفاء إلا أنها توقفت لأسباب مختلفة ومن الضروري انخراط المؤسسات العمومية لتحقيق هذا المراد.

اليوم مع التطور الحاصل يبقى التحدي الذي يواجهه المتخصصون هو تطوير المنتوج التقليدي وإخراجه في قالب عصري.. هل هذا صحي، أم يجب الحفاظ على معالم الحلوة كما هي؟

التحدي الأكبر هو تصحيح مفهوم “صناعة منتوج تقليدي في قالب عصري”، إذ انتشرت في الأسواق منتوجات معصرنة تسيء للمنتوج التقليدي. فأول ما يجب عند تحديث وصفات تقليدية هو الحفاظ على الخصائص الذوقية واحترام جودة المادة الأولية وعدم الإفراط في تعديلها و معالجتها مع اعتماد تقنيات حديثة تبرز حرفية الصانع وتمكنه وتبرز مميزات المادة و أبعادها البصرية والذوقية والحسية.
فيما يخص الجانب الصحي، لا يخفى على أحد كمّ المواد الكيميائية والصناعية التي أصبحت أساسية في صناعة الكثير من الحلويات العصرية وهذا ما صار متجاوزا في الدول الرائدة في فن الطعام، حيث ان الإهتمام موجّهٌ إلى حلويات بأقل قدر من السكر أو دون سكر وبمواد طبيعية نباتية حتى الملونات منها، هذه الأخيرة التي تعتبر سمّاً خطيراً والذي لازال بسوقنا عنصر جذب و تسويق رغم أن البدائل حاضرة تحتاج فقط للبحث والإجتهاد.
الحفاظ على معالم الحلوى المغربية واجب، لتثمينها و ضمان استمرارها للأجيال القادمة، وبالمقابل يلزمنا تأطير تكوينات تحت إشراف متخصصين، فذلك هو صوى الطريق المناسب لعصرنة الحلوى المغربية لتجد مكانها هي أيضا على البوديوم الدولي.
ومغربنا غني بشيفات تقنيين مبدعين يعملون بشغف و يكنّون تقديرا خاصا للمنتوج المغربي و تراث الوطن.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى