تدوينات مختارةمنصّات

الشرقاوي: أزمة المغرب وألمانيا.. ماذا تقول برلين؟

تدوينات مختارة

محمد الشرقاوي: أستاذ وخبير دولي في النزاعات

بعد استدعاء السفيرة المغربية زهور العلوي إلى وزارة الخارجية الألمانية “للتباحث بشكل عاجل”، يقول الألمان إنهم لا يجدون سببا منطقيا لعرقلة العلاقات الجيدة بين بلدهم والمغرب بالطريقة التي دعا لها وزير الخارجية ناصر بوريطة في رسالته إلى رئيس الحكومة سعدالدين العثماني وبقية الوزراء. وثمة اعتقاد لديهم أنه تم تسريب نسخة الرسالة عنوة أوّلا عبر الواتساب، ثم وسائل التواصل، قبل تواتر نشرها في بعض الصحف والمواقع، وذلك بفعل انزعاج الرباط من “اعتبارات متراكمة” في الموقف الألماني من عدة قضايا تهمّ المغرب.

يقول أولريش ليخت رئيس اللجنة المكلفة بشؤون الأمم المتحدة في البرلمان الألماني إن على رأس القضايا المزعجة للرباط الانطباع أن ألمانيا تعمل ضد طموحات المغرب بشأن الصحراء، وأنه “ينبغي الآن توضيح الدافع الحقيقي لنشر الرسالة، أو ما كان يجري في الأروقة.”

وقد رحّبت حكومة برلين باتفاق أبراهام المبرم بين المغرب وإسرائيل بوساطة الرئيس ترمب في ديسمبر الماضي. وأعلنت وزارة الخارجية الألمانية وقتها أن “موقفها من النزاع بشأن الصحراء الغربية لم يتغير. ونحن نسعى لحل سياسي عادل ودائم بوساطة الأمم المتحدة ومقبول من جميع الأطراف.” ودعت لعقد جلسة في مجلس الأمن لبحث القضية بعد اعتراف الرئيس ترمب بسيادة المغرب على الصحراء. وقال مندوبها في الأمم المتحدة كريستوف هيوسجين: “نحن بحاجة إلى تنشيط العملية السياسية.”

ويوضح أولريش ليخت أن الاجتماع “لم يكن في مصلحة المغرب، وأن الرباط كانت تودّ لو اعترف الاتحاد الأوروبي و وألمانيا، باعتبارها واحدة من أقوى دوله، بإعلان ترامب. ولكن تمامًا كما فعلنا من قبل، نحن نعتمد على عملية للأمم المتحدة.”

تجسس أم توجس من منظمة دولية؟

ثقُلت حزمةُ القضايا التي تثير حفيظة الرباط من ألمانيا بما تردد حول قضية “تجسس”. ويتعلق الأمر بسفر باحث ألماني إلى الصحراء وصدور تقرير منظمة الشفافية الدولية التي يوجد مقرّها في برلين. وخلص التقرير الذي صدر في الثاني عشر من الشهر الماضي إلى أن المغرب يعاني “مستوى خطيرا ومنهجيا من الفساد”، وأنه “تفاقم خلال فترة انتشار كورونا.”

وتم تقييم وضع المغرب ب40 نقطة من أصل 100 وفق معايير منظمة الشفافية الدولية. وازداد معدل الفقر من نسبة 17.1٪؜ عام 2019 إلى 19.8٪؜ عام 2020. وخلص تقرير المنظمة إلى أنه “لسوء الحظ، باستثناء الكلمات الفارغة،لم تكن هناك إشارات إيجابية للإرادة السياسية لمحاربة الفساد بشكل فعال.”

هي ليست أزمةً دبلوماسيةً بسبب قضية واحدة، بل بما تعتبره الرباط تراكم تحفظات على مواقف ألمانية متلاحقة منذ أكثر من عام. وإذا كان سفر الباحث الألماني وتقرير منظمة الشفافية الدولية هي القشة التي كسرت ظهر البعير لتوازن العلاقات المغربية الألمانية في هذه المرحلة. فإن برلين تعتدّ بأنّ المنظمة ليست هيئة حكومية تابعة لها، وأنها لا تستطيع فرض رقابة أو تقييد حرية مثل هذه المنظمات وإن كان مقرّها في برلين.

وينتظر الرأي العام المغربي والدولي أن تقدم وزارة الخارجية في الرباط تفسيرا لدواعي قراراها تجميد كافة أوجه التعامل مع السفارة الألمانية في الرباط، وهو إجراء يعدّ، خارج السياق المغربي، بمثابة إعلان قطيعة مع الحكومة الألمانية، وقد يفهم منه الألمان وحتى الأوروبيون أن المغرب بصدد “قطع العلاقات الدبلوماسية” مع ألمانيا.

خطاب حماسي للتعبئة أم تعثّر في مخاطبة الرأي العام الدولي؟

بين نص رسالة السيد بوريطة وما يذهب إليه بعض “المحللين” الغيورين، يزداد التعظيم والحماسة العاطفية في مدح قرار المقاطعة للسفارة الألمانية واعتباره “معاملة الندّ الندّ”. وقد يجد المسؤولون في الرباط بعض النشوة اللحظية والاستثمار الوطني في ترويج خطاب أن ألمانيا ستكون هي “الخاسرة” في هذه الأزمة، وأن الرباط تمسك بورقات “قوية”، مثل الهجرة والتعاون الاستخباراتي، لممارسة “الضغط” على سياسات الاتحاد الأوروبي في بروكسيل. لكن من شأن هذا الخطاب الحماسي أن يزيد في معضلة الرومانسية السياسية وتسخير خطاب التعبئة مجدّدا للرأي العام المغربي، على غرار التلويح الاحتفالي بإعلان ترمب دون ملاحقته للوفاء بوعوده بشكل عملي قبل خروجه من البيت الأبيض.

اذا اعتمدنا ميزان السياسة الدولية حاليا بمنطق بارد غير منحاز، فإن واقع الحال يقول إن دور ألمانيا ريادي في رسم سياسات الاتحاد الأوروبي، الآن أكثر من أي وقت سابق، بعد خروج بريطانيا عبر بوابة البريكست. وتزداد أهمية برلين أيضا في أعين الرئيس بايدن وفريق سياسته الخارجية وسط اتسّاق وجهات النظر بين واشنطن وعواصم أوروبية أخرى حول تعزيز الشراكة الأطلسية بين أوروبا وأمريكا. ومن تجليات هذا الإتساق والتنسيق قرار حكومة بايدن مجاراة موقف الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بفرض عقوبات أمس على سبع شخصيات في محيط الرئيس الروسي بوتين.

تظل ألمانيا قوة أوروبية وقوة دولية بامتياز. ومن يدعو للقطيعة الدبلوماسية معها كمن يحث مسؤوليها ومشرّعيها في البرلمان وأقلامها المؤثرة في الرأي العام على تبني معادلة صفرية إزاء المغرب في منطقة استراتيجية جنوب البحر المتوسط بجوار التعاملات الموازية مع الجزائر وتونس.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى