ثقافة وفنون

عبد الرحمان بنحمزة: العربي الشرقاوي.. روح الحرف

ثقافة وفن

عبد الرحمان بنحمزة

 

منذ عدة سنوات، يعمل العربي الشرقاوي على تحديد علاقات جديدة بالحرف العربي وأنماط جديدة لاستثماره في فضاء تصويري ذي سِمَة تجريدية. بالتأكيد، تبقى القيمة (الديداكتيكية قليلا) وطقوس الخط المغربي التقليدي حاضرة إلى حد ما في نَهْجِها الحالي، غير أنه لا يسعى بالضبط إلى إعادة ابتكارها حول إشكالية الأسلوب والهوية التي ستقع في اهتمامات إيديولوجية ذات طبيعة قومية، كما هو الحال بالنسبة لحركةالحُروفيةحيث تتصالح وتتشابك مفاهيم الحداثة والتقليد (أنظر الأعمال الأخيرة للتونسي نجا المهداوي على سبيل المثال). تظل حروفية الشرقاوي رصينة، تلميحية، خاضعة للمَحْو أحيانا، ونادرا ما يتم الاستشهاد بها، كما لا تزال حروفية غير زخرفية.

بينما الرغبة في التعرف على المواد المكتوبة عنده تبقى ممكِنَة من خلال المنعطف الأَبَجَدي؛ بحيث تُنْتِج بعض الكلمات القابلة للقراءة حتى محاكاة للمعنى… لكن ليس هذا هدف الشرقاوي الذي لا “يَكتب” حروفه، فلغته تشكيلية في المقام الأول، وينبغي تقييمها في وَفْرة وجمال حَرَكِيَّتها. في بعض الأحيان يصبح الحرف (أنظر العمل بعنوان “بداية” على سبيل المثال) علامة صافية لمظهر أثر مليء بالألغاز، يقوم الفنان بمَرْكَزَتِها في كتلة حِبْر سوداء ودائرية، مُحاطَة بركام برتقالي من الخطوط الجنينية المختلطة، مثل قصاصات القماش. ينتقل الشرقاوي من القِرائية الأوتوماتيكية للشَّبَكِية والحَرْفية إلى “حُروفية رمزية”، لاسترجاع مصطلح لعبد الكبير الخطيبي.

ففي تنشيط نمطها من دلالات المَصْفوفَة والكُليات التوليدية، فإنه لا يُخفي تماما نَسَب الخط إلى مَتْن غرافيكي مُعَيَّن ذي طبيعة ثقافية، لأنها لا تتخذ تماما المُخاطَرَة (السهلة) لجعل الحرف خَطِّية لاشَكْلية، كما في الأعمال الأخيرة للبنانية إتيل عدنان المتحولة إلى مُلَوِّنَة تجريدية غنائية. فإذا كان في العمل المذكور (وفي أعمال أخرى مماثلة) يُبْطِل أي طَيْف للقراءة، فإن ذلك يُبْعِد عنه أية نِيَّة في وِراثَة يُمكن أن تُشْرِك فنه المتعلق بالحَرف بأي ادعاء يخص تقليد الكاليغرافيا الإسلامية، وترك هذا الاهتمام للتقنيات الجديدة للكتابة التي تتطلب الحفاظ عليها ومعها هذه المسألة المستوطنة للهوية. يُواصل فنانو العالم العربي التقليديون في القلب الالتجاء إليها ويجدون لحروفهم مكانا جيدا على القماش بضربات من الحِبْر المُلَوَّن، والأصباغ اللّامِعَة، وقذائف الفرشاة المَسْكوكَة في الغالببأسلوب الغربيّين. يبدو هذا وكأنه انبثاق حديث غير أن التَّعَهد يتم بأثر رجعي، مدعوما بخطاب نظري يظل مرتبطا بالماضي. مع ذلك، فإن حداثة العربي الشرقاوي لا يمكن العثور عليها في هذه المفردات “البيولوجية” للحرف، حيث لا تتوقف الإنجازات والتجارب السابقة أبدا عن إنجاب الصغار بوَساطَة الخلق الذي يُعتبر قديما وبالتالي غير فعال، لأن تجريد الحروف في كثير الأحيان والزخرفة يَتَّحِدان فيها بشكل وثيق. إذا كان السَّنَد الذي اعتمده الفنان مرة أخرى هو الجِلْد على شاكِلَة مجموعة من الألواح المُلًصَقَة عل الخشب والمُتَجاورة بِبَعْضها البعض (نعلم أن الشرقاوي استعمل أيضا الورق والقماش والخشب)، فإن ذلك يُشير إلى الصناعة التقليدية، حيث الأصباغ مشتقة من الحناء، نبات مألوف في المغرب، تستمر فضائله التَّلوينِية في إثبات تأثيره الجمالي وقُوَّته اللّاصِقَة، وذلك عبر الاقتناع بأن هذه المواد باتت راسخة جيدا في الخيال الجَمْعي وأن استخدامها الوظيفي والاحتفالي والاجتماعي والثقافي مُدْرَج في برنامج الحياة اليومية، وكونها تستجيب لدوافع الفنان الفنية العميقة، ضمن حوار دائم مع بيئته التراثية.

ذكرنا أعلاه هذا الخليط من العلامات الصغيرة التي لا شكل لها نصف حمراء ونصف برتقالية، والتي تصاحب الحرف إن لم تَكُن الكلمة. يجعل الشرقاوي من ذلك صنفا من مجموعة مَيْزات (تحدثنا عن السقطات) التي يضعها على جانِبَي عناصره أو يُرَتِّبها على طرف واد فقط، فيما يُفَضِّل المفعول الجانبي والتوازن. هذا يُحيل على ارتباط سُرّي بالحرف، عملية تناسل شبه خلوية في نشاط مستمر، كما لو كان الحرف يُنتج التَّشْبيب بشكل طبيعي…

في هذا الموضوع، ينبغي التذكير بأن الشرقاوي يعمل بفَراشي مختلفة، من الصغيرة إلى الفَراشي- المِكْنسات الكبيرة التي تُبْرِز الدرجات اللونية بشكل أفضل أو التي تدعكها، بحيث تبقى سرعة حركِيَّته ضرورية في هذا النوع من العمل. ففيها يتم التعبير عن لغة العاطفة. إن الفنان الذي يركز في البداية فقط على الجانب المادي لموتيفاته، يتوَقَّع أن تراها تؤدي إلى قرارات تشكيلية بوجه آخر. وفي تحوله وانفصاله عن الماديات، يظل الحرف غير قابل للاختزال في الاستهلاك الثقافي فقط، إذ يعود إلى شكله الأساسي الذي ليس لفظيا، بحيث يتجرد من كل براغماتية ظرفية، ليكون أكثر من روح متحركة في الفضاء الموحَّد والأثيري الجدول/ العالم.

                                                                             

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق