وجهات نظر

العلاقات السورية-اللبنانية : المسار والمصير

وجهات نظر
أحمد بابا أهل عبيد الله

تمهـيــد:
تعود تاريخيا العلاقات السورية اللبنانية إلى ما قبل ما يعرف باتفاق الطائف فقد عاشت سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي بعد ترسيم حدود دول المنطقة في اتفاقية “سايكس بيكو”،كبلدين منفصلين بمؤسسات واحدة كبنك سورية ولبنان،والذي ظل يحمل هذا الاسم لفترة طويلة وحتى بعد استقلال البلدين نهائيا عن الانتداب الفرنسي،وقبيل الاستقلال اللبناني عام 1943 بأسابيع عقد أول اتفاق بين لبنان وسورية التي كانت ما تزال تحت الانتداب الفرنسي،وكان هذا الاتفاق هو إدارة (المصالح المشتركة) التي خلفها الانتداب للبلدين تمهيدا لاقتسامها بينهما،وبعد حصول لبنان على الاستقلال جاء ما سمي بإعلان الميثاق الوطني اللبناني عام 1943 والذي تعهدت بموجبه السلطات اللبنانية ألا تستخدم أراضيها مقرا أو ممرا لأعداء سوريا.

وظلت العلاقات السورية اللبنانية تسير وفق الميثاق الي ان انفجر الوضع الداخلي في لبنان على إثر محاولة الرئيس كميا شمعون الدخول في تحالف مع الغرب بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956،ولم تنته تلك الأزمة إلا عقب توصل الرئيس المصري جمال عبد الناصر لتفاهمات مع القادة اللبنانيين رحل على إثرها شمعون وحل محله الرئيس فؤاد شهاب،وقد توصل عبد الناصر مع شهاب إلى اتفاق نص على حرية لبنان الكاملة كدولة مستقلة فيما يتعلق بسياستها الداخلية،أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فلا يجوز للسلطات اللبنانية اتخاذ قرار إلا بعد التنسيق المسبق مع سلطات الجمهورية العربية المتحدة (التي كانت تضم وقتها سوريا ومصر).

واستقرت العلاقات بين البلدين (لبنان وسوريا) منذ هذا التاريخ وفق تلك التفاهمات (ومن عام 1943 حتى 1974 وقع البلدان 28 اتفاقية،لكن في غالبيتها اتفاقيات تنظيمية للأمور المشتركة بين البلدين اللذين لم يتبادلا السفراء أبدا،وتجمعهما حدود مشتركة لم ترسم بالكامل إلى اليوم.
انفجرت الحرب الأهلية عام 1975 الأمر الذي دفع بالرئيس سليمان فرنجية أن يطلب من سورية التدخل لوقف الحرب.وقد دخلت القوات السورية إبانها إلى لبنان بدعم ومساندة عربية من خلال مؤتمر القمة العربية الذي عقد عام 1976 وأصدر قرار بالإجماع يقضي بإرسال قوات ردع عربية إلى لبنان (بهدف إنهاء الحرب الأهلية)،تشكل القوات السورية العماد الرئيسي لها.

ثم شهدت لبنان بعد ذلك تطور أخر دفع في اتجاه بقاء القوات السورية وسط دعم عربي كامل،ففي عام 1978 اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان وقامت باحتلاله احتجاجا على ما وصفته (استغلال المقاومة الفلسطينية لهذه المنطقة في توجيه ضربات لشمال إسرائيل).

وقد ظل هذا الوضع قائما حتى قامت إسرائيل باجتياح كل من لبنان(من الناقورة جنوبا حتى العاصمة بيروت شمالا) عام 1982، ولم تخرج منها إلا بعد تفاهمات دولية خرج بمقتضاها ياسر عرفات ورجال المقاومة الفلسطينية من لبنان،ونتيجة لهذا الموقف عادت القوى الوطنية اللبنانية إلى التمسك ببقاء القوات السورية من أجل دحر العدوان الإسرائيلي.

وفي عام 1989 جاء اتفاق الطائف ليعيد إحياء العلاقات الرسمية بين لبنان وسورية، بعدما أقر الاتفاق مبدأ العلاقات المميزة بين البلدين بمباركة دولية وعربية،وترجم هذا الاتفاق عبر معاهدة (الأخوة والتعاون والتنسيق) التي وقعت بين البلدين علم 1991،والتي نصت على الروابط الأخوية المميزة التي تربط البلدين والتي تستمد قوتها من جذور القرب والتاريخ والانتماء الواحد والمصير المشترك والمصالح المشتركة .

واتفق البلدان في المعاهدة على ان يعملا على تحقيق أعلى درجات التعاون والتنسيق بينهما في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية وغيرها،بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في إطار سيادة واستقلال كل منهما،وبما يمكن البلدين من استخدام طاقتهما السياسية والاقتصادية والأمنية لتوفير الازدهار والاستقرار ولضمان أمنهما القومي والوطني وتوسيع وتعزيز مصالحهما المشتركة تأكيدا لعلاقات الأخوة وضمانا لمصيرهما المشترك.

نستطيع القول بأن العلاقات السورية اللبنانية مرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بمراحل مختلفة، من مرحلة إيقاف الحرب الأهلية اللبنانية إلى مرحلة ضبط القوى المتصارعة، والسيطرة عليها تمهيدا لتجريدها من سلاحها،والانتقال بها من مرحلة الصراع السياسي،وإعادة الهيكلية للنظام السياسي اللبناني،ومن ثم العمل على التحكم بها،وبين شد وجذب ظلت المعارضة اللبنانية للوجود السوري،تطالب على استحياء بخروج القوات السورية تحت سقف اتفاق الطائف حتى صدر القرار الدولي رقم 1559 في سبتمبر 2004.

ومن ذلك الحين استمر الضغط على سوريا من أجل الخروج من لبنان يتصاعد حتى جاءت حادثة مقتل الحريري لتزيد من هذه الضغوط بشكل أكثر وترفع الغطاء عن هذه العلاقة وقد ثم تدويلها والدفع بسوريا إلى احترام سيادة لبنان والتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الأممية.

فإلى أي حد تستطيع العلاقات الثنائية بين البلدين سواء في شقهاء التاريخي والسياسي والاقتصادي والثقافي والأمني ان تقلص من هوة الخلاف الذي نشأ بين البلدين بعد اغتيال رفيق الحريري؟وترفع سيف التحقيقات الدولية عن رقبة النظام السوري؟

وسنتناول هذا البحث في فصلين.
الـفصل الأول: تاريخ العلاقات اللبنانية السورية.
الفصل الثاني: تداعيات اغتيال رفيق الحريري على العلاقات السورية اللبنانية.

الفصل الأول: تــاريــخ العلاقــات اللبنانيــة السـوريـة.
مرت العلاقات اللبنانية-السورية مراحل متباينة من التعاون والسلام تارة والأزمات تارة أخرى،وبالرغم من ذلك فهي علاقات مميزة.لإنهاء بين بلدين يحكمها قدر التاريخ والجغرافيا وتداخل العائلات،وأيضا الاحتياجات الاقتصادية والسياسية والمصالح المشتركة.

المبحث الأول:العلاقات السياسية والأمنية
بدى الاهتمام السوري بالوضع اللبناني،منذ هزيمة 1967،إلا أنه تضاعف مع بداية الحرب الأهلية عام 1975،فبعد حرب الأيام الستة ،أصبح تكوين جبهة شرقية،أحد أهم السياسة السورية.
ولدى اشتداد القتال في لبنان،بين الفئات المتنازعة (الحرب الأهلية اللبنانية)،كانت سورية أسرع الأطراف العربية إلى الوساطة،بهدف إيقاف الاشتباكات،والتأثير في الموقف اللبناني،وترتيب الأوضاع اللبنانية.وانطلقت الوساطة السورية من قناعة دمشق بأنها الأكثر اهتماما بما يجري في لبنان، نظرا إلى روابطها التاريخية بها،فمنذ فوض الاستعمار البريطاني والفرنسي،الوحدة الجغرافية للولاية السورية (سورية ولبنان والأردن وفلسطين)، ظلت النظرة السورية إلى التطورات السياسية والاجتماعية،في لبنان،متأثرة بفكرة الوحدة السياسية للكيانات،الناجمة عن الأطماع الأجنبية،وأثناء الجولات العسكرية،التي كان يمر بها النزاع العربي-الإسرائيلي،كانت دمشق تستشعر أكثر من غيرها،الخطر المتمثل في الوضع اللبناني، وإمكانية استغلال إسرائيل له،في ضرب الأمن السوري .

أولا: العلاقات السياسية:
لاشك أن السياسة السورية،تؤثر تأثيرا واضحا في الشأن اللبناني،إذ إن الساحة اللبنانية هي مجال حيوي،بالنسبة إلى سورية.
وأيا كانت الآراء حول الوجود السوري في لبنان، إلا أنه أسهم في الحفاظ على الكيان اللبناني، من خلال الدور الذي اضطلعت به القوات السورية في صراعات القوى اللبنانية المختلفة،إبان الحرب الأهلية،لمنع تفوق أي منها على القوى الأخرى.
والأسباب في تميز العلاقات السورية- اللبنانية، لا ترتكز في أساسها إلى المعطيات الجغرافية البشرية والتاريخية فقط،بل إن الأهم في تميزها استنادا إلى الاحتياجات الاقتصادية والمصالح المشتركة للبلدين،واستنادا لمعطيات جيوستراتيجية وبخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي الذي مازالت سوريا ولبنان،تمثل قاعدة المواجهة السياسية فيه،بعد أن ذهبت كل من مصر والأردن،والفلسطينيين في اتجاه التسوية السياسية مع إسرائيل،وتوقيع اتفاقات سلام معها .

لقد ترتب على أهمية وتميز العلاقات السورية اللبنانية،أن تم وضع ملف العلاقات بين البلدين في مستوى اهتمام أول في السياسة السورية،وحصر ملف العلاقات بأيدي أصحاب أعلى المناصب السورية منذ ثلاثين عاما مضت.فكان الملف في يد الرئيس الراحل حافظ الأسد، كما كان موضع المتابعة الأولى من وزير خارجيته الأسبق ونائبه لاحقا عبد الحليم خدام،قبل أن ينتقل إلى يد نجل الرئيس وخليفته بشار الأسد.
ومنذ عام 1943 حتى 1974 وقع البلدان اتفاقيات، لكنها كانت في غالبيتها اتفاقيات تنظيمية للأمور المشتركة بين البلدين اللذين لم يتبادلا السفراء أبدا،وتجمعهما حدود مشتركة لم ترسم بالكامل حتى اليوم.

وفي عام 1989 وقع اتفاق الطائف ليعيد إحياء العلاقات الرسمية بين لبنان وسورية، بعدما أقر الاتفاق مبدأ “العلاقات المميزة”بين البلدين بمباركة دولية وعربية.
وترجم هذا الاتفاق عبر معاهدة “الأخوة والتعاون والتنسيق” التي وقعت بين البلدين عام 1991.
واتفق البلدان على مساندة كل منهما الأخر في قضاياه الوطنية، والعمل على تنسيق سياستهما العربية والدولية. وتنسيق مواقفهما تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
وقد شكلا لهذه الغاية مجموعة أجهزة، في مقدمها المجلس الأعلى اللبناني-السوري،الذي يتألف من رئيس الجمهورية والبرلمان والحكومة في البلدين.
وفي جميع الأحوال، لا يمكن تقييم الطرف الأكثر استفادة من هذه الاتفاقات، لأنها في غالبيتها لم تطبق بالكامل، أو لم تطبق أبدا.
غير أن جملة من التحولات طرأت فيما يتصل بالحضور السوري في لبنان،بسبب تطورات الداخل في لبنان وسوريا من جهة،والتطورات الإقليمية والدولية،وخاصة بعد اغتيال رفيق الحريري.
وقد مرت العلاقات اللبنانية السورية بعدة مراحل هامة.
مرحلة الحكم العثماني
خضعت بلاد الشام (الأردن سوريا فلسطين ولبنان) للحكم العثماني من 1918-1516 م.وكان استقلال هذه البلاد فعليا في عام 1920 م
التقسيم حسب معاهدة سايكس بيكو
بعد عزل السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1908، وبسبب الفساد والرشوة في الإدارة العثمانية،كانت الدوائر الأوربية ترسم الخطط السرية.فيما بينها،لاقتسام الدولة العثمانية،والتي كانت مظاهر تدهورها وانهيارها بادية للعيان.وهكذا،فقد توصلت كل من بريطانيا وفرنسا في 16 من أيار/مايو 1916،إلى عقد معاهدة سرية لاقتسام المشرق العربي فيما بينهما.وجاءت هذه المعاهدة التي عرفت باسم معاهدة سايكس بيكو،نتيجة محادثات دارت بين ممثل بريطانيا سير مارك سايكس،وممثل فرنسا مسيو جورج بيكو.

استلام حزب البعث السلطة في سوريا:
بعد استقلال سوريا ولبنان، وخروج فرنسا منهما، كانت العلاقات السورية اللبنانية على مستوى الاحترام المتبادل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا،لكن لم ترتق هذه العلاقة إلى إقامة تبادل العلاقات الدبلوماسية،اعتقادا من كلا الدولتين أنهما أقوى بكثير من مستوى التمثيل الدبلوماسي.اختلفت هذه العلاقة تماما بعدما استلم حزب البعث مقاليد الحكم في سوريا والعراق.دخول قوات الردع العربية إلى لبنان.
تواجد المنظمات الفلسطينية بعد حرب حزيران يونيو 1967 مما أجج فتيل حرب أهلية طائفية، وكانت الشرارة الأولى لها عندما انفجرت حافلة فلسطينيين في ساحة طيونة في لبنان،لتظهر خفايا صراع عربي عقائدي يمتد إلى جميع فئات لبنان،على أثرها وبناء على اجتماع في الجامعة العربية،تقرر دخول قوات ردع عربية لكبح جماح هذه الحرب في تاريخ 12 حزيران يونيو 1976.
اتــفـاق الطـائــف:
هو اتفاق تم التوصل اليه في 30سبتمبر 1989 في الطائف في المملكة العربية السعودية نتيجة اجتماع المؤتمر الوطني اللبناني وأنهى هذا الاتفاق الحرب الأهلية اللبنانية.
اتفاق العلاقات الأخوية التعاونية والتنسيقية بين سوريا ولبنان في مايو 1991،على أساسها ووفقا لمطلب الرئيس اللبناني تبقى القوات السورية في إحدى البقاع حتى تباشر حكومة لبنان حقوقها الوطنية في كل البلاد وتنسحب إسرائيل من جنوب لبنان.
اغتيال رفيق الحريري وقضية التحقيق الدولية:
في عام 2000 انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان،وارتفعت بعدها الأصوات المطالبة بانسحاب القوات السورية،وتطبيع العلاقات السورية اللبنانية،والحفاظ على علاقات الود والصداقة وكان الحريري داعما لهذه الأصوات إلى أن اغتيل في فبراير 2005-وباغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري تعرضت العلاقات السورية-اللبنانية إلى هزة عنيفة،ودخلت مرحلة من التعقيد والتأزم .وتم تشكيل لجنة تحقيق دولية بإشراف الأمم المتحدة،حيث أشارت هذه اللجنة وكما نوهت في تقاريرها الدولية،والتي رفعتها إلى الأمم المتحدة أصابع الاتهام إلى قوى خارجية دون تحديد أسماء،لكن مجمل التكهنات الإعلامية وأوساط التحليل السياسي تقول سوريا هي المتورطة في عملية الاغتيال.
انسحاب الجيش السوري من لبنان، وقرارات الأمم المتحدة:
بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري ثم انسحاب الجيش السوري كاملا من الأراضي اللبنانية وثم إصدار قرار1559 والمؤرخ 2 سبتمبر 2004،والذي ينص على انسحاب جميع القوات الأجنبية المتبقية في لبنان، ودعا إلى حل جميع الميلشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، أيد بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع أراضي لبنان، وأعلن تأييد عملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر إجراؤها، يلتزم فيها بقواعد الدستور اللبناني وبدون تدخل أو نفوذ أجنبي .

 

 

ثانيا:العلاقات الأمنية.
لقد أتاح الاهتمام السوري بالوضع اللبناني التعرف على الواقع اللبناني بكل معطياته،وبخاصة المعطيات التي قادت إلى الحرب الأهلية، كما أتاح للقيادة السورية التعرف عن قرب على كل رجال السياسة والشخصيات اللبنانية والجماعات السياسية المختلفة وممثلي الطوائف اللبنانية،وقد تعززت المعرفة السورية بالواقع اللبناني من خلال الحضور المباشر للقوات السورية في لبنان،وهي قوات ذات طابع أمني-عسكري مزدوج،دخلت لبنان في العام 1976،لتؤكد من جهة حضور سوريا في الشأن اللبناني،كما تؤكد الحضور السوري في مواجهة إسرائيل من جهة ثانية،وزادت سوريا في موضوع العلاقات مع لبنان، أن رتبت صيغة العلاقات بين البلدين وفي إطار مؤسسة سورية-لبنانية هي المجلس الأعلى السوري-اللبناني الذي يرأسه لبناني من أنصار سوريا.
وإثر توقيع اتفاق الطائف وانتهاء الحرب اللبنانية وعودة الدولة اللبنانية إلى ممارسة دورها في ظل رعاية أمنية وسياسية سورية،وقع البلدان معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق في 22أيار 1991 وقد أقرها مجلس النواب بموجب القانون رقم57 تاريخ 29 أيار 1991،وقد شكلت هذه المعاهدة الإطار العام للتعاون والتنسيق بين البلدين في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والعلمية وغيرها بما يحقق مصلحة البلدين ونصت المعاهدة على إنشاء المجلس الأعلى الذي يضم رئيس الجمهورية،رئيس مجلس النواب ونائب رئيس الحكومة في كلا البلدين على أن يجتمع مرة كل سنة .

 

كما نصت المعاهدة على إنشاء لجان للتنسيق والتعاون في المجالات المختلفة وعلى توقيع اتفاقيات خاصة بين البلدين في المجالات التي تشملها هذه المعاهدة الاقتصادية والأمنية والدفاعية والنقطة الأهم هو تعهد الدولتين العمل على إلغاء القوانين والأنظمة التي لا تتوافق مع هذه المعاهدة و بما لا يتعارض مع أحكام الدستور للدولتين.
ومنذ توقيع معاهدة الطائف وقعت لبنان وسورية نحو 39 اتفاقية و 80 بروتوكولا ومذكرة وبرنامجا في المجالات المختلفة،كان أخرها 31 يناير 2005 ،كانت باكورة الاتفاقات بينهما اتفاقية أمنية وقعت بعد نحو أربعة أشهر من الطائف حملت عنوان”اتفاقية الدفاع والأمن”وقد نصت على تأليف لجنة لشؤون الدفاع والأمن مهمتها التأكد من منع أي نشاط أو عمل أو تنظيم في كل المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية من شأنه إلحاق الأذى أو الإساءة للبلد الأخر .
ورغم هده العلاقات السياسية والأمنية المتميزة بين البلدين،ظلت المعارضة اللبنانية للوجود السوري تطالب على استحياء بخروج القوات السورية تحت سقف اتفاق الطائف حتى صدر القرار الدولي رقم 1559 في سبتمبر 2004 الذي ينص على انسحاب القوات الأجنبية من لبنان،وبسط الحكومة اللبنانية سيطرتها على كامل أراضيها،ومنذ ذلك الحين استمر الضغط الدولي على سوريا من أجل الخروج من لبنان يتصاعد حتى جاءت حادثة مقتل الحريري لتزيد من هذه الضغوط بشكل أكثر حدة.

 

المبحث الثاني:العلاقات الاقتصادية والاجتماعية
إن جذور العلاقات السورية اللبنانية مترسخة في أعماق التاريخ والواقع الاقتصادي والثقافي تجسد ذلك،وفي مناسبات مختلفة اعترف قادة البلدين ومختلف الفعاليات وعلى كافة الأصعدة بهذه الحقيقة،لأن لبنان نافذة سورية على البحر،وسورية هي السوق الكبيرة للتجارة اللبنانية،ولتعزيز هذا الترابط المتين في المجال الاقتصادي و الاجتماعية ،وقع البلدين عدة اتفاقيات في هذا المجال.
أولا :العلاقات الاقتصادية:
-وقعت لبنان وسورية في عهد الرئيس بشار الخوري والرئيس سعد الله الجابري،اتفاقية في عام 1944تم خلالها تحديد المصالح المشتركة بين البلدين،وإقامة مجلس أعلى لمتابعة كافة المسائل المتعلقة بالتعاون الاقتصادي والاجتماعي بين البلدين، ويدعى “المجلس الأعلى للمصالح المشتركة” ويتولى المجلس الإشراف على جميع المصالح المشتركة وإدارتها،وإعداد التشريعات اللازمة والاتفاقات التجارية والاقتصادية الدولية، وعرضها على الحكومتين لإقرارها.وأقرت الاتفاقية بوجود نوعين من المصالح المشتركة.
الأول-مصالح يجب أن تستمر إدارتها مشتركة لمدة غير معينة كمصالح الجمارك ومراقبة الشركات ذوات الامتياز.
الثاني-مصالح يجب أن تترك إدارتها لكل من الحكومتين،كمصلحة البارود ومصلحة حماية الملكية الصناعية والتجارية والفنية والأشغال العامة وإدارة البريد والبرق والدفاع والأمن العام.
ونصت الاتفاقية على أن سورية ولبنان تؤلفان منطقة جمركية واحدة ذات وحدة جمركية تنتقل البضائع ضمنها بحرية كاملة وبدون أية ضريبة أو رسم جمركي،وعلى هذا الأساس يكون للدولتين إدارة جمركية واحدة،كما حدد الاتفاق كيفية توزيع عائدات المصالح المشتركة ومدة سريان هذا الاتفاق .
وهكذا فإن التطورات الاقتصادية التي حدثت إبان مرحلة الانتداب الفرنسي أدت إلى ظهور تيار واسع في كل من سورية ولبنان يسعى تحت ضغط مصالحه المشتركة إلى تعميق الترابط الاقتصادي بين سائر الفعاليات الصناعية والتجارية والزراعية،وتوحيد برامجها الاقتصادية على طريق المطالبة بالاستقلال الاقتصادي كمقدمة أساسية لتحقيق الاستقلال الكامل.وهذا كان واضحا في مقررات المؤتمرات الاقتصادية السورية اللبنانية وأبرزها مؤتمرات 1928-1929-1933-1935-1938.
– مرحلة ما بعد الاستقلال
ثمة تطورات بدأت تطرأ على بنية الاقتصاد وهيكله في كل من سورية ولبنان وبخاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال.وبدت السياسة الاقتصادية في لبنان مختلفة عما هي في سورية.
ففي الوقت الذي بدأ الاقتصاد اللبناني يشهد نموا متزايدا في قطاع التجارة والخدمات والسياحة، كان الاقتصاد السوري يتجه نحو تعزيز الاقتصاد الموجه ويولي عناية خاصة بالقطاعات المنتجة،وبخاصة الزراعة والصناعة.هذه التوجهات المتباينة في السياسة الاقتصادية كانت تسير بالبلدين نحو الانفصال التدريجي للمصالح الاقتصادية المشتركة وازدهرت الحركة التجارية في مدينة بيروت،التي احتل مرفؤها مركز الصدارة في حجم المبادلات بين الخارج والداخل السوري والعربي.كما ازدهر قطاع السياحة الأمر الذي أدى إلى زيادة حجم الإيرادات الجمركية للدولة اللبنانية وتنشيط الحركة المالية داخل لبنان وتدفق الموقع التجاري والمالي الذي أخذ ينفرد به لبنان دون سورية،مما دفع البورجوازية اللبنانية بالمطالبة بفك شراكتها مع البورجوازية السورية التي تعززت واستمرت خلال فترة الانتداب الفرنسي،وبدأت الأصوات تنادي في مطلع عهد الاستقلال بفصل المصالح المشتركة مع سورية.
ومثل اتفاق شتوره في عام 1943 الخطوة الأولى نحو طريق الانفصال الاقتصادي بين سورية ولبنان حيث أصبحت الكونفدرالية الاقتصادية مقصورة فقط على الاتحاد الجمركي دون باقي المصالح المشتركة التي استمرت طيلة الفترة الانتدابية.
أما الخطوة الثانية نحو الانفصال الاقتصادي بين البلدين فقد تمثلت بانفصال مكتب القطع المشترك في عام 1948، هناك مكتب قطع خاص بلبنان خاص بسورية، وكانت هذه الخطوة من أبرز الخطوات التي مهدت إلى الانفصال الجمركي أو القطيعة الاقتصادية بين سورية ولبنان 1950
لقد ظل الميزان التجاري بين سورية ولبنان فائضا لصالح لبنان بسبب استيراد العديد من الصناعات اللبنانية إلى سورية،واستيراد بعض المواد الغذائية من لبنان مثل البيض والمعكرونة والخشب والمصنوعات الحديدية وغير ذلك.
وتصدر سورية إلى لبنان الماشية والخضروات والحبوب والمواد الأولية لصناعة الصوف والقطن والخيوط.وتستورد من لبنان الطيور والدواجن والفواكه والأعلاف والمواد للصناعة والأسمنت والأدوية والمواد الكيميائية وصلال الأغنام والخشب….
ثمة أوجه تكامل وتنافر بين الاقتصادين اللبناني والسوري،تستند إلى الميزات المقارنة لكل من البلدين.”إن الميزة الواضحة في سورية تكمن في قطاعي الزراعة والصناعة،في حين أن الميزة المقارنة الواضحة في لبنان تكمن في قطاعي الخدمات والصناعة،بما في ذلك الصناعات الزراعية.فإذا ازداد الانفتاح والتبادل التجاري بين البلدين،سوف يميل الاقتصاد السوري إلى التخصص في الزراعة والصناعة،في حين يميل الاقتصاد اللبناني إلى التخصص في الخدمات وفي خدمات التصدير بما في ذلك التجارة والتسويق والأعمال المصرفية والمالية،وغير ذلك من الخدمات” .
ثانيا :العلاقات الاجتماعية.
الروابط الاجتماعية والعائلية والروحية القائمة بين اللبنانيين والسوريين غير محصورة بفئات منهم بل هي موجودة لدى جميع الطوائف،ثمة عائلات واحدة موزعة بين لبنان وسوريا.ويذكر أن التداخل بين العائلات عمل على تعميق الوحدة في النسيج الاجتماعي والقومي.
من هذه الجغرافيا المتصلة، لا بد أن تكون هناك علاقات اجتماعية مميزة،على سبيل المثال، هناك أقارب وعوائل تتقاسمها البلدان،وصلات زواج،أي هناك تمازج اجتماعي واضح.
وفي إطار البعد الاجتماعي ومفاعليه،تمت الإشارة إلى التشابه البنيوي الاجتماعي التاريخي بين لبنان وسوريا في نمط المعيشة الأسرى والنمط الإنتاجي واللباس والنتاج الحرفي الذي عكس روحية وذهنية ثقافة واحدة مع وجود بعض التخصص كم تمت الإشارة إلى علاقات القربى بين العائلات اللبنانية والسورية والأصول المشتركة لبعضها وتاريخ هذه العلاقات،وعلاقة المجتمع الأهلي وأهمية انفتاح المجتمعين على بعضهما والتنسيق والتعاون بين مؤسساتها .

الفصل الثاني: تداعيات اغتيال رفيق الحريري على العلاقات السورية اللبنانية

عرفت العلاقات السورية اللبنانية تأزما حادا كان نتاجا طبيعيا للضغط الدولية المسلطة على دمشق من طرف الدول الغربية من جهة و من طرف المعارضة اللبنانية الرافضة للتدخل السوري في الشؤون اللبنانية من جهة أخرى، ولقد كان إقدام سوريا على تأمين ولاية ثانية لرئاسة الجمهورية للرئيس لحود أحد أهم الأسباب في بدء التباعد بين النظام السوري والتوجهات والتيارات السياسية اللبنانية المدافعة عن استقلالية القرار السيادي اللبناني.
ولقد كان اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت بالعلاقة بين دمشق وتيار المعارضة إلى نقطة الصراع.

المبحث الأول: تشنج العلاقات بعد الاغتيال
بعد أن اشتدت وطأة الضغوطات الأمريكية والأوربية على دمشق من أجل الانسحاب من الأراضي اللبنانية بتحديد جدول زمني محدد عرفت الساحة اللبنانية عملية اغتيال من أشد العمليات التي تعرفها المنطقة تعقيدا سواء من حيث التوقيت أو التخطيط إضافة إلى دقة التنفيذ، هذه الأمور كلها دفعت بالمنطقة إلى المزيد من الغموض وخلط جميع الأوراق سواء محليا أو إقليميا أو دوليا.
ففي يوم 14 فبراير 2005 هز بيروت انفجار ضخم أسفر عن اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري و 22 شخصا من مرافقيه، هذا الاغتيال الذي هز العالم بأسره تم توجيه أصابع الاتهام فيه إلى المخابرات السورية باعتبارها المسؤولة عن الأمن في لبنان وهي التي لها المصلحة في الاغتيال بسبب انسحابها العسكري من لبنان.

 

أولا: استصدار القرارين 1559 و 1663
أدى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري إلى زعزعة العلاقات السورية اللبنانية من جهة وزعزعة الاستقرار في لبنان من جهة ثانية.
فقد دوى انفجار ضخم سماء بيروت ظهر الاثنين 14 فبراير 2005 أدى إلى مقتل رفيق الحريري 22 من مرافقيه إضافة إلى جرح حوالي 100 شخص عن طريق تفجير سيارة مفخخة وضعت في الطريق الذي كان يمر منه موكب الرئيس الحريري بعد انتهاء جلسة برلمانية كان يحضرها قرب فندق سان جورج. وبعد الانفجار وقبل بداية التحقيق توالت ردود الأفعال داخليا وخارجيا لشجب هذا العمل الشنيع والإرهابي الذي قضى على شخصية سياسية بارزة وفاعلة في الساحة اللبنانية باعتباره أحد المساهمين في إعادة اعمار لبنان بعد ويلات الحرب الأهلية التي عاشتها ما بين 1975-1990 بسبب التطاحن الطائفي كما كان أحد الوجوه الفاعلة في التوصل إلى قانون الطائف الموقع في مدينة الطائف السعودية سنة 1989.
وقام أيضا بتنظيم الطائفة السنية وجعل منها كثلة فاعلة في المجتمع السياسي اللبناني. فمن هو المستفيد من اغتيال رفيق الحريري؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفس بإلحاح؟
فمباشرة بعد الاغتيال تم توجيه أصابع الاتهام إلى دمشق التي مازالت تعيش تحت ضغوطات المجتمع الدولي للانسحاب من لبنان وبصفتها أيضا المسؤولة عن الأمن والاستقرار في لبنان إلى جانب الحكومة اللبنانية. إضافة إلى التوترات الأخيرة التي عرفتها علاقة رفيق الحريري بالحكومة السورية.
هل أن سوريا هي المسؤولة عن اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق في 14 شباط/ فبراير 2005؟ إن قسما من الرأي العام اللبناني الذي صدمته عملية الاغتيال مقتنع بالتهمة. ولا يبدو أن الشك يساور غالبية وسائل الإعلام الدولية حول تورط النظام السوري وقد ذكر بعد الصحفيين بالدوافع المحتملة للجريمة. أولهما إرادة دمشق في فرض استمرار هيمنتها على بلاد الأرز في الوقت الذي ينتظر فيه إجراء الانتخابات التشريعية في أيار/مايو 2005.
كما أشاروا إلى مآخذ سوريا على رفيق الحريري المتهم بتمويل ومحاولة تنظيم نوع من الجبهة المعادية لسوريا. يضاف إلى ذلك مآخذ على جانب كبير من الأهمية، إذ تشتبه دمشق في أن رئيس الوزراء السابق قد حرك أصدقاء (ومنهم السيد جاك شيراك) للسعي في أيلول/ سبتمبر 2004، إلى صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن بدعم من واشنطن وباريس. وقد نص القرار على دعوة جميع القوات الأجنبية الباقية إلى الانسحاب من لبنان ,وحل ونزع سلاح جميع المليشيات اللبنانية و غير اللبنانية ودعم بسط سلطة الدولة اللبنانية .
يوفر هذا الاغتيال حجة إضافية لواشنطن كي تضاعف ضغوطها على دمشق فقد تم استدعاء السفيرة الأمريكية في سوريا من أجل مشاورات عاجلة، كما عبر وليم برنز مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط الذي شارك في جنازة الحريري عن موقف بلاده “إن موت رفيق الحريري يجب أن يعزز الدفاع من أجل لبنان حر، سيد ومستقل “.
وهكذا توترت العلاقات اللبنانية السورية إثر مقتل الحريري واتهام قيادات لبنانية متحالفة مع سوريا بأنها وراء عملية الاغتيال والاغتيالات الأخرى التي وقعت في لبنان ، إن هذه الاغتيالات التي عرفتها الساحة اللبنانية خاصة في هذه الظرفية الصعبة التي تمر منها الحكومة السورية ونعني بذلك تطبيق القرار الأممي رقم 1559 القاضي بانسحاب كامل القوات السورية وأجهزتها المخابراتية من لبنان زادت من الضغوط المفروضة عليها دوليا وهو ما نبه إليه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري الذي طالب في كلمته أما الاجتماع التأسيسي للبرلمان العربي الانتقالي بدعم عربي في مواجهة مؤامرة تضغط على لبنان وتحاول الضغط على سوريا ولبنان في إشارة إلى الضغوط الدولية على سورية منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وقال بري في كلمة وجهها للدول العربية أن المؤامرة التي تضغط على لبنان والتي تحاول الضغط على سورية عبر لبنان لا يمكن للبنان أن يواجهها وحده بوجود رياح إستراتيجية وأكد أن هذه الإستراتيجية تحاول زيادة التوترات السياسية والطائفية والمذهبية في لبنان ورفع الغطاء الدولي وشبكة الأمان العربية من فوق لبنان لتجعله مجددا حقلا لتجارب وحروب وعدوانية إسرائيل .
كما أكد أمين لحود رئيس الجمهورية أنه لن يهدأ له خاطر أو بال قبل معرفة كل الحقائق التي أحاطت بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مشددا على أنه لن يقبل بأي شكل من الأشكال بتمييع الحقيقة أو التستر عليها أو طمسها أو إخفائها واستخدام كل الوسائل واللجوء إلى كل الهيئات والمراجع والقدرات الدولية والعربية توصل إلى كشف الحقيقة وإنزال أشد العقوبات بكل الفاعلين والمحرضين والمشتركين والمتدخلين والمتواطئين والمقصرين داعيا اللبنانيين إلى أن يهبوا يدا واحدة لبلسمة جرح الوطن والحفاظ على الوفاق والاستقرار وإكمال مسيرة الإنماء والإعمار التي بدأها الرئيس الشهيد .
وبعد تشكيل لجنة التحقيق الدولية برئاسة المحقق الألماني ديتيلف ميليس بموجب قرار أممي (1559) بتاريخ 7 نيسان 2005 والتي اتخذت من لبنان مقر لها. أصدر ديتيلف ميليس تقريره الأول في 21 أكتوبر 2005 تم توجيه أصابع الاتهام فيه إلى أجهزة الاستخبارات السورية واللبنانية معا.
ومن تم وبناء إلى ما توصلت إليه اللجنة والتحقيق اللبناني حتى الآن وعلى أساس الأدلة المادية والوثائق المجموعة والقرائن التي أمكن الحصول عليها حتى الآن ثمة أدلة تتفق على أن ثمة تورط لبناني وسوري في هذا العمل الإرهابي .
وهكذا ومن خلال تقرير ميليس الأول الذي خلص فيه بتوجيه أصابع الاتهام إلى سورية باعتبارها المسؤولة عن اغتيال رفيق الحريري من جهة وعدم تعاونها وتقديم المساعدة للجنة التحقيق الدولية من جهة أخرى وهو ما دفع من جديد بكل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية إلى العمل جاهدة من أجل استصدار قرار أممي جديد للضغط على حكومة دمشق لمساعدة لجنة التحقيق الدولية وهو ما حصلت عليه بقرار مجلس الأمن رقم 1663 الذي يطالب سورية بالتعاون وبدون شروط مع التحقيق الذي تجريه الأمم المتحدة في حادث اغتيال الحريري يوم 14 شباط ويأمر دمشق باحتجاز الأشخاص الذين يشتبه بضلوعهم في الاغتيال وتسهيل استجواب محققي الأمم المتحدة لهم.
ودعا القرار أيضا على تجميد أموال وحضر سفر مشتبه بهم تحدد أسمائهم لجنة تابعة للأمم المتحدة يرأسها المحقق الألماني ديتليف ميليس أو الحكومة اللبنانية ولكن يمكن لأي عضو بمجلس الأمن الاعتراض على أي اسم على هذه القائمة كما لاحظ القرار بقلق بالغ إشارة التقرير إلى أن العديد من المسؤولين السوريين حاولوا تضليل اللجنة عبر تقديم معلومات مزيفة وغير دقيقة ودعا القرار جميع الدول إلى منع دخول أو مرور الأشخاص الذين تشتبه بهم لجنة التحقيق الدولية أو الحكومة اللبنانية وتجميد جميع أصول هؤلاء الأشخاص في دولهم وتبقى هذه الإجراءات مطبقة حتى إتمام جميع الإجراءات التحقيقية والقضائية المتعلقة بهذا الهجوم الإرهابي أو حتى يقرر المجلس عكس ذلك .
وانطلاقا من اتهام تقرير ميليس لسورية في جريمة اغتيال الحريري زادت التشنجات الثنائية بين كل من دمشق وتحالف 14 أذار.

ثانيا: اتساع الهوة في العلاقات السورية اللبنانية
لقد اتسعت دائرة الخلاف بين سورية ولبنان من جهة ولبنان و تيارات داخل من جهة أخرى ففريق الأكثرية الوزارية ومعه قوى 14 أدار يجد نفسه أمام معارضة الفريق الشيعي لتوجهاته السياسية وخصوصا فيما يتعلق بمسار التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري 17.
كل هذا يجعل الوضع اللبناني الداخلي مفتوحا على كل الاحتمالات، خصوصا في ظل الرفض الكامل لكل المبادرات الدولية من قبل الفريق الشيعي بحجة أنها تفرض “الوصاية الدولية” على لبنان وتجعله رهينة للمشاريع الأمريكية في المنطقة وفي الرفض الشديد للمبادرات العربية لحل الأزمة بين لبنان وسوريا لأنها في نظر فريق 14 أدار مدخل لإعادة النفوذ السوري إلى لبنان وباب لإجهاض الاستقلال والسيادة اللذين تحققا بخروج سوريا من لبنان.
لكن هذه التحالفات لن تكون بأي حال من الأحوال دون أبعاد إقليمية ودولية ولن يكون بمنأى عن تدخلات عربية وأجنبية ففريق 14 أدار مارس والذي شكل تحالفاته على أساس برنامج معاداة سوريا وتجريد حزب الله من أسلحته يرى نفسه ضعيفا في مواجهة خصومه (حزب الله، القوة اللبنانية الأخرى وسوريا وإيران) لذلك فإن هذا الفريق يرى نفسه مضطرا للدخول في تحالفات مع قوة دولية إقليمية أخرى (الولايات المتحدة، فرنسا، ودول عربية).
ونظرا لما وصلت إليه العلاقات السورية اللبنانية من تشنج تحركت مبادرة سعودية مصرية على الخط السوري اللبناني، حيث صرح مصدر دبلوماسي عربي في بيروت أن هذه المبادرة تهدف إلى معالجة التوتر بين البلدين والوصول إلى نقاط اتفاق لوقف التدهور في الأوضاع الأمنية ولحماية استقرار سوريا ولبنان مع الحرص على استكمال لجنة التحقيق الدولية عملها بدون عقبات. موضحا أن المسوؤلين السعوديين والمصريين كانوا يعملون لإقناع القيادة السورية بالتعاون مع لجنة التحقيق الدولية ودعم استقرار لبنان والوصول إلى معالجة بعض الملفات العالقة وخصوصا ترسيم الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية بين البلدين مقابل وقف الحملات الإعلامية على سوريا وحماية وضع انهيار نظامها ويضيف ذات المصدر أن الجهود العربية لم تكن تهدف لوقف عمل لجنة التحقيق الدولية أو عقد صفقة على حساب قضية اغتيال الرئيس الحريري أو إعادة الدور السوري إلى لبنان بل أكد أن الأطراف العربية المتدخلة حريصة على لبنان واستقراره وعلى استكمال التحقيق الدولي وإقامة أفضل العلاقات اللبنانية السورية .
يبدو جليا أن العلاقات السورية اللبنانية ليست بأفضل حالاتها خصوصا بعد رفض المبادرة العربية هذه العلاقات التي ستزداد تشنجا بعد التقرير الثاني للمحقق الألماني ديتليف ميليس.

المبحث الثاني: ردود الأفعال بعد الاغتيال
إن الدولة اللبنانية هي عبارة عن دولة تتكون من قوى سياسية وطوائف دينية، والتي تعتمد منذ تاريخ إنشائها على قوى خارجية لدعمها، وهذا التنوع الطائفي أعطى الفرصة للقوى الخارجية لكي تتدخل في الشأن اللبناني، مثل: التأثير الإيراني الواضح على حزب الله وحركة أمل، والسعودية على الطائف السنية، وكذلك التأثير الغربي، وخاصة الفرنسي، على الطائف المارونية، وتذبذب الولاءات الطائفية مع سوريا، قد أثر أيضا على مسار العلاقات السورية اللبنانية.
ومع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بدأت حقبة جديدة ذات عناوين مختلفة، كانت جذرية على مستوى علاقات سوريا مع لبنان، وعلى مستوى علاقات سوريا الإقليمية والدولية، وكذا المعارضة اللبنانية، التي أطلقت انتفاضة الاستقلال، فقد حان الوقت بالنسبة لها كي تصاغ هذه العلاقة السورية اللبنانية وفق منطق مختلف “المسار الواحد”، أو الشعار الشهير شعب واحد في دولتين.

أولا: ردود الأفعال داخليا
لقد شهدت مرحلة ما بعد مقتل الحريري الائتلاف الواسع بين مختلف أطراف المعارضة اللبنانية للوجود السوري، والتي ألقت باللوم على سوريا.
ولقد حمل بعض المعارضين للوجود السوري في لبنان – ابتداء من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى العميد ميشيل عون – مسؤولية اغتيال الحريري، وقال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، بعد تقديم التعازي لأسرة الحريري في بيروت: “هذا نظام مدعوم من السوريين، هذا نظام الإرهابيين، والإرهاب الذي استمر واستطاع أن ينجح البارحة في قتل رفيق الحريري”. وقد أكد العميد السابق بالجيش اللبناني ميشيل عوم” أن دمشق مسؤولة بصورة غير مباشرة – إن لم تكن بصورة مباشرة – عن مقتل الحريري. وقالت بطريركية المسحيين الموازنة ببيان لها : “إن اغتيال الشهيد رفيق الحريري، والذي جاء بعد الاغتيالات الكثيرة التي أودت بحياة الكثير من قادة الرأي في لبنان، يدل على خطة انتهجها النظام الدكتاتوري، الذي تعود على قطع رؤوس قادة الرأي، ليبقى الشعب دون قائد”. وقد طلبت أسرة الحريري من كبار مسؤولي الحكومة عدم المشاركة في جنازة رفيق الحريري .
ولكن بعد خروج القوات السورية، سرعان ما بدأت الخلافات تظهر بين المعارضة، وسرعان ما انشق تيار عون عن بقية المعارضين، بعد الفشل في التوصل إلى لوائح مشتركة لخوض الانتخابات، فكان أن تحالف عون مع عدد من رموز الموالاة لسوريا في انتخابات جبل لبنان والشمال مع القوتين الشعبيين في البلاد المواليتين لسوريا: حزب الله وأمل .
ونتيجة لذلك تم إبرام اتفاقية بين كل من عون وحزب الله، ونجح حزب الله في الحصول على دعم عون في مواقفه، فحصل على دعم عون لاستثناء سلاح الحزب من القرار (1559) الذي يقضي بنزع أسلحة الفصائل، وأعطى الحق لإقامة علاقات على أساس الاحترام المتبادل بين حزب الله وسوريا. وقد منح نصر الله مقابل ذلك عون بأن صرح الحزب بأن عون يعد من أفضل المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية في لبنان، ولاسيما بأن البديل لعون – كرئيس للبنان – هو سمير جعجع المتحالف مع قوى (14/ أدار) والذي يتخذ مواقف الحركة نفسها المطالبة بنزع سلاح حزب الله .
وحقيقة الأمر، أن لبنان مستقطبة بين مشروعين لكل منهما بنيته الاجتماعية والسياسية وارتباطاته الإقليمية والدولية، وهذان التياران يتلقيان مساعدات خارجية: بين تيار تابع لمحور غربي – عربي – سعودي بالأساس تنظم إليه مصر، وتيار شكل محورا مقابل مع إيران وسوريا .
ثانيا: ردود الأفعال خارجيا
باغتيال الحريري وتوجيه أصابع الاتهام إلى سوريا، بدت دمشق محاصرة من قبل المجتمع الدولي، وجرى توافق أمريكي – أوروبي فيما يتعلق بالملف السوري اللبناني، وبرز الموقف الفرنسي الذي طلب بفتح تحقيق دولي، واستنكر، بشدة ما يجري، وهو الأمر الذي يعني عدم ثقتها بالأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية.
فيما قامت أمريكا على الفور بالمطالبة بتنفيذ القرار رقم (1559، والذي ينص على انسحاب القوات السورية من لبنان .
أما موقف سوريا فقد أدانت جريمة مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ، ورفضت الاتهامات التي وجهت إليها بخصوص تورطها في مقتل رئيس الوزراء ، وقد استغلت إسرائيل هذه الحادثة واتهمت سوريا بارتكاب عملية الاغتيال .
كما دعت روسيا والصين القيادة السورية إلى التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وقد وضعت هذه القضية روسيا في موقف حساس لتوازن بين مصالحها وضرورة الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة، فقد اعترضت كل من روسيا والصين على مضمون القرار الفرنسي قرار مجلس الأمن 1663، إذ أفضت المشاورات إلى تسوية في مجلس الأمن انتهت إلى صيغة أنه لا يزال يتعين على الحكومة السورية التعاون مع اللجنة الدولية بدل من القول إنها لم توفر ذلك التعاون، وعلى كل حال فقد صوتت كل من روسيا والصين على جميع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بهذه القضية. أما القرارات التي لم يكونوا يريدون التصويت عليها فلم يستخدموا فيها حق “الفيتو” . وقد أعربت إيران عن تضامنها مع سوريا حليفها الأساسي، بعد التقرير الأول الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية، والذي يشير إلى ضلوع سوريا في الحادث. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية حميد رضا أصفى قوله : “لا يجب تسيس التقرير”، وأضاف: “لا يجوز إصدار الأحكام المتسرعة حول مسألة من هذا النوع، وإن بلاده، أيضا تريد معرفة الحقيقة “.

 

 

خـاتــمـــة:

إذا كانت العلاقات السورية اللبنانية خلال العقد الأخير قد عرفت نوعا من التشابك والتقارب وبقيت في إطار ثنائي وهو ما تكرس بعد نهاية الحرب الأهلية ومع اتفاق الطائف سنة 1989م فإن الأحداث التي توالت عجلت بتأزم الأوضاع بين البلدين وأسهمت في تدخل دولي واسع وهو ما يشكل تدخلا سافرا في شؤونها الداخلية وإذا كان الكثير من المحللين السياسيين يعزون الأزمات الحالية إلى خطط صهيونية عمدت من خلالها إسرائيل وأمريكا إلى التضييق على سوريا وجعلها تغير مواقفها التقليدية من القضايا الإقليمية الشائكة.
فذلك لا يبرئ سوريا ويشفع لها في عدة أخطاء أمنية وسياسية ارتكبتها في علاقاتها مع اللبنانيين. وما يحدث الآن من تطورات في الساحة الشرق أوسطية قد يعطي مهلة ليست بالقصيرة لسوريا كي تستطيع التأقلم مع الوضع الحالي والخروج من العزلة الدولية التي وضعتها فيها أخطاؤها .
فهل تستطيع سوريا ولبنان الوصول إلى حلول لمشاكلهما الثنائية دون الاعتماد على القوى العظمى؟ التي لا تتدخل في أية قضية دولية إن لم تكن لها مصالح خاصة.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium iptv smart iptv iptv smarters pro abonnement iptv boitier iptv iptv smarters duplex iptv net iptv iptv box iptv boitier iptv prix Premium IPTV IPTV Abonnement Abonnement Smart Abonnement Smart Premium Abonnement Smartiptv application iptv code iptv Duplex Play Gse smart iptv IPTV Android IPTV Formuler IPTV m3u IPTV Mag IPTV Premium IPTV smart IPTV Windows Net iptv Revendeur IPTV