وجهات نظر

خواطر من زمن الفساد الانتخابي: من يعلق الجرس؟

وجهات نظر
عبد المجيد الجهاد

هناك من الحكايات ما يظل محفورا في الذاكرة، يستوطن أعماق أعماقنا، ويأخذ بصلب كياننا، حتى وإن بلغنا من الكبر عتيا.. من بين هذه المرويات التي تلقيناها ونحن صغارا، قصص كنا نرددها عن ظهر قلب، من دون أن تكون لدينا حينها القدرة على تفكيك معانيها أو الكفاية اللازمة لفهم مغازيها…ربما يكون مدرسنا المسكين أمعن فيها درسا وشرحا، وقضى في تبليغها وقتا وجهدا، ولكن عقولنا الصغيرة بدت أعجز من أن تستوعب دلالاتها الضمنية ومراميها الخفية، إما لحداثة سننا التي لم تكن تسمح لنا بإدراك جماع ما يحيط بنا، أو لأن المعلم ربما كان يحثنا على حفظها واستظهارها، دونما إطالة في الشرح والتوضيح، لأنه خبر أن توضيح الواضحات في تلك الفترة عد من المفضحات… ومن كف عن حشر أنفه في ما لا يعلم، كان سبيله إلى النجاة أسلم ومآله أرحم. وكم هي كثيرة القصص والمحكيات التي استجار فيها رواتها بالتلميح من دون تزيد في التصريح، وبالتخفية من دون إفاضة في التجلية، فأبعد عنهم مسلكهم هذا شر أمير متحكم، وجنبهم عبء مآل مدلهم.

وسجلنا الثقافي والأدبي زاخر بالحكايا والمرويات التي خاضت في نقد الشائن من الأوضاع، جاعلة من لسان الحيوان ناطقا باسم رواتها. ولنا في “كليلة ودمنة” أكبر شاهد على هذا المنحى في القول. فإنك لتجد الراوي يستهل في العادة قصته بتحلية من كلام مأثور، أو بحكمة سائرة من قول منثور، من قبيل: “إنّ الذي يعمل بالشبهة يعتقد أنّه صادقٌ ولا يشك به، فهو كالمرأةِ التي أعطتْ نفسها لعبدِها ففضحها”. فهذا قول في ظاهره حكي رقيق، وفي باطنه نقد للاجتماع عميق، نقله الفيلسوف الهندي “بيدبا” على لسان الحيوان والطير، جاعلا منه قناعا يتخفى من خلفه، ودرعا يحتمي به، “صيانة لغرضه فيه من العوام”، ودرءا لحفيظة الفاسدين من الحكام.

ومثال ذلك أيضا، تلكم المرويات العميقة التي طالعناها في تلاوة “إقرأ” للراحل أحمد بوكماخ، ونحن بعد صغارا نتهجى أحرفنا الأولى على أدراج مدرسة الحياة. وإن قيض لي أن أنسى فلن أنس كيف كنا نتناوب على قراءة نص بديع بعنوان: “فرفر يعلق الجرس”، وكيف كنا نتهجى كلماته بصعوبة بالغة، وآمالنا معلقة على تلك الصورة المرفقة، التي كنا نستنجد بها سرا، علها تفصح عما يحبل به المتن من دلالات دفينة ومعان كمينة.

تروي الحكاية قصة عشيرة من الفئران فرض عليها قدر ظالم أن تظل حبيسة جحورها لا تقوى على تركها، والسبب قط طائش عنيد مستبد ظل دوما يتحرش بها، ويحرمها نعمة مغادرة بيوتها، فكان والحالة هذه يقضي يومه كله يتصيدها ويطاردها أنى حلت بربع وارتحلت.

في ذات يوم، وبعد أن طفح الكيل بالفئران الوجلة، عقد كبيرها العزم على وضع حد لطغيان القط المفترس. استدعى على عجل مجلس حكمائه، عاقدا النية على إيجاد مخرج ينهي معاناة عمرت لسنين. بعد جذب وشد وتعقيب ورد، حسم المجتمعون أمرهم باتخاذ قرار يقضي بتعليق جرس على عنق القط، حتى إذا ما صدرت منه لفتة أو حركة، أحدث الجرس رنينا، فتنتبه إليه الفئران ويكون لها من الوقت ما يكفيها ويزيد للإفلات بجلدها، والخلود إلى أنفاقها. لاقت الفكرة استحسانا واسعا لدى جمهور الفئران. ولكن المشكلة كانت في طرق التنفيذ، بعد أن عجزت الفئران عن إيجاد مرشح يجازف بحياته للقيام بمهمة تعليق الجرس. وهنا سيخرج على الملأ البطل “فرفر” الذي سيتطوع نيابة عن الآخرين لتعليق الجرس على رقبة القط، وهو ما تم فعلا، لينتهي به الأمر صريعا بين مخالب القط، وليعثر بعدها على فروته مرمية بين سقط المتاع …
بيد أن هذا الفعل البطولي- رغم جرأة من أقدم عليه- لم يضع حدا نهائيا للمأساة. فقد مرت على هذه الحادثة أحوال، وتعاقبت من بعدها أجيال، من دون أن يتحسن وضع الفئران المسكينة المستكينة التي ظلت تمني نفسها باليوم الذي تستيقظ فيه فلا تجد للقط أثرا. لكن القط النهم ظل جاثما يترقب موعد خروج الفئران، ولسان حاله يقول: “من خرج من الجحر أكلناه، ومن قبع داخله قضى جوعا”. وهكذا ظلت جماهير الفئران على كثرتها على هذه الحال، تترجى حسن المآل، مهينة صاغرة، بل وزادت استئناسا بهذا الوضع حتى غدا لديها الأمر أقرب إلى الطبيعي منه إلى العارض. وفي الوقت الذي كثر فيه سواد أمة القطط المفترسة، لم يعد بمكنة الفئران أن تنجب فرافير قادرة على تعليق الجرس ثانية.

ولعل هذا حالنا اليوم مع بعض السلالات المتحورة من القطط السمان من الطفيليين ورموز الفساد والريع الانتخابي الذين ابتليت بهم بلادنا ابتلاء.. قطط تغولت واستأسدت لدرجة لم تعد تفلح معها أدوات المنع وطرق الردع.. إذ منهم من تورط في ملفات فساد حوكم فيها وجرم من طرف القضاء بجناية تبديد أو اختلاس المال العام، وهم كثر، ومنهم من أدين وصدرت ضده أحكام بالسجن النافذ أو بالغرامة، أو هما معا، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا…

وفي الوقت الذي كنا نمني فيه النفس بانكشاف الغمة عن حال هذه الأمة، ها هي فلول الأعيان من المتنفذين والمنتفعين تنبعث من رمادها وتعاود الظهور من جديد، بعد أن ساد الاعتقاد زمنا أن هذه الكائنات الانتخابية تبخرت، وانتفت إلى الأبد – من غير رجعة- وأصبحت مجرد أثر بعد عين.

ففي انتخابات 2016، وبعد النجاح الكاسح لحزب العدالة والتنمية، خصوصا في الحواضر، والتراجع البين للأحزاب التقليدية، بدأ الحديث يتواتر عن نهاية ظاهرة الأعيان، أو – على أقل تقدير- تقلص تأثيرها في تحديد الخرائط الانتخابية. بل إن هناك من ذهب في تحليله إلى مدى أبعد، حين اعتبر أن “نتائج هذه الانتخابات أبرزت أن المجتمع المغربي مستميت فعلاً في وضع تاريخ هؤلاء وراء ظهره إلى غير رجعة، وأن الذين راهنوا على الأعيان التقليديين في هذه الانتخابات فشلوا، لكونهم لم يقدروا على مسايرة السرعة المرتفعة الذي بدأت تتغير بها السياسة في المغرب”. لكن انتخابات 2021 فندت صحة هذه الأزعومة، حيث استجمعت فلول الأعيان قوتها، وعادت -هذه المرة، وبقوة- لتتبوأ صدارة المشهد الانتخابي، مسخرة لهذا الغرض مختلف أشكال الوجاهة الاجتماعية والوساطة وشبكات التأثير والنفوذ والإغراء. والأدهى أننا اليوم – وأمام استشراء العديد من مظاهر “الفساد المؤسساتي” المنظم- لم نعد إزاء حالات فساد فردية معدودة، بل أصبحنا أمام آفة تفشت وتمددت لتطول أوصال ومفاصل هيئات سياسية ومؤسسات حزبية وطنية، كنا – إلى أمد قريب- نعتقد أنها أقوى مناعة وأشد حصانة من أن تخضع لمحاولات الاختراق، بل وكنا نظنها الأجدر على مواجهة رموز الفساد الانتخابي، والأقدر على قطع دابر شرورهم.

 

ولعل ما شهدته انتخابات 8 شتنبر 2021، لأبرز بيان على ذلك. فقد استشرى الفساد الانتخابي داخل معظم الأحزاب الوطنية بالمغرب، التي لم تعد هي الأخرى بمنأى عن شبهات الانحراف السياسي. ولعل ما يزكي هذه الفرضية، تلكم الخروقات الفاضحة التي شابت عملية وضع قوائم الترشيحات، من دون أدنى احترام للقوانين والمساطر التنظيمية أو للأجهزة الحزبية التي تمتلك وحدها صلاحية التقرير للبث في مثل هذه الحالات. مما فتح الباب واسعا لاستفراد كبراء بعض هذه الأحزاب في منح التزكيات لفائدة مرشحين نافذين تحوم حولهم شبهات التورط في حالات انحراف انتخابي، من فساد واستغلال للنفوذ وتضارب للمصالح. وهذا الأمر- فضلا عن خطورته- يشكل نقضا صارخا لالتزامات هذه الأحزاب تجاه المجتمع، ولما قطعته على نفسها من وعود وتعهدات، ورفعته من شعارات، وتبنته من غايات. كما يشكل هذا الأمر تخليا واضحا لهذه الأحزاب عن الاضطلاع بأحد أدوارها الأساسية التي أناطها بها الدستور، والذي من أجله تأسست أصلا، ألا وهو المساهمة في ترشيد الحياة السياسية وتخليقها وترسيخ المساواة في الحقوق بين كافة المواطنين.

ولن نبالغ في شيء، إن قلنا إن مطلب تخليق الحياة العامة اليوم ينبغي أن يحظى بالأولوية ضمن مشاريع الإصلاح السياسي. وهذا الدور موكول بالأساس لأجهزة الدولة التي تمتلك آليات العنف المشروع، علاوة على مساهمة الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني وجموع المواطنين كافة في الاضطلاع بهذا الدور، باعتباره مدخلا ضروريا للحد من تمادي القطط السمان- التي تتغذى على عائدات الريع الانتخابي- والحد من سطوتهم وتغولهم…

فمن يا ترى يجرؤ على تعليق الجرس؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium iptv smart iptv iptv smarters pro abonnement iptv boitier iptv iptv smarters duplex iptv net iptv iptv box iptv boitier iptv prix Premium IPTV IPTV Abonnement Abonnement Smart Abonnement Smart Premium Abonnement Smartiptv application iptv code iptv Duplex Play Gse smart iptv IPTV Android IPTV Formuler IPTV m3u IPTV Mag IPTV Premium IPTV smart IPTV Windows Net iptv Revendeur IPTV