وجهات نظر

الثابت والمتحول في السلوك الانتخابي للمغاربة (2)

في ظاهرة "التوريث الانتخابي"

وجهات نظر
عبد المجيد الجهاد

 

في ظاهرة “التوريث الانتخابي”

من بين التوصيفات الوافدة التي دخلت قاموسنا الانتخابي في السنوات الأخيرة، نعت يصطلح عليه في الأدبيات السياسية ب”التوريث الانتخابي”، والمراد به انتقال التركة السياسية أو الحزبية من شخص قريب إلى آخر. وهذا التوصيف رغم شيوعه يبدو أنه ما زال في حاجة إلى مزيد من الدقة والضبط. ولهذا نعتقد أن أقرب وصف لهذه الظاهرة هو: “الهبة الانتخابية” التي تحيل في معناها على التركة الموصى بها في حياة الموصي، وليس كما هو الشأن في حالة “التوريث “، حيث التركة يتحصلها الوارث بعد انقضاء أجل المورث. وما دام أن “لا مشاحة في الاصطلاح”- كما يقول فقهاؤنا- فإن ما يهمنا بالدرجة الأولى في تناول هذه الظاهرة، هو الانصراف إلى تحليلها في ذاتها، والكشف عن أعراضها، عوض الاكتفاء بالوقوف عند حدود تعريفها. ومن ثم، فسواء تواضعنا على اعتبارها توريثا أو هبة انتخابية، فالحاصل أن هذه الظاهرة هي شكل فاضح من أشكال الريع المكتسب من عائد الامتيازات والمنافع التي تذر على صاحبها مدخولا قارا، من دون أن يبذل في سبيل تحصيله أدنى جهد مطلوب.

ففي المجتمعات التي يسودها اقتصاد الريع، وتغيب عنها شروط المنافسة الشريفة، يكون هاجس الأفراد الأساس هو الحصول على نصيب أوفر من المصالح والامتيازات، والتهافت وراء تحقيق قدر أكبر من المكاسب والفوائد المادية. وهو ما يخلق طبقة طفيلية غير منتجة، همها احتكار الموارد والاستحواذ على الخيرات بطرق مشبوهة وغير مشروعة، وغايتها تحقيق الربح على حساب باقي الناس، من دون أن تسهم في تنمية المجتمع.

وكذلك الشأن فيما يخص اقتصاد الريع الانتخابي، حيث نشهد في المناسبات الانتخابية صراعا محموما على المواقع والمراتب من قبل بعض المترشحين بغاية الفوز بمقعد انتخابي، ليس بهدف خدمة الصالح العام أو الارتقاء بالمجتمع وتحسين معيش الناس، بل من أجل الترقية الاجتماعية والإثراء وخدمة مصالحهم الشخصية الضيقة، خلافا لما هو متعارف عليه ومعمول به في الديموقراطيات العريقة.

ولعل أحد أبرز مظاهر اقتصاد الريع الانتخابي في مجتمعنا المغربي، ما أصبح متعارفا عليه بالتوريث الانتخابي، وهو سلوك مذموم لكونه مناف لأبسط القواعد التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية، والتي يفترض أن تنهض على مبادئ الشفافية والنزاهة والجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص بين كافة المواطنين. وهي كلها مبادئ من شأنها تعزيز روح الانتماء إلى الوطن، وتقوية الشعور بأهمية “التضامن العضوي” بين أفراده، خلافا لواقع حال المجتمعات الريعية، حيث تغدو الانتخابات مجرد مناسبة دورية عارضة واستعراضية لإعادة إنتاج النخب التقليدية وتدويرها، وتمكين فئات انتهازية من الولوج إلى مواقع القرار، والاستمرار في إعادة رسم نفس السياسات التي تكرس الفساد والاستبداد.

في أن الريع الانتخابي يعوق التعددية السياسية

إن ظاهرة التوريث الانتخابي هي- في مبتدئها ومنتهاها- ممارسة شاذة تتناقض وروح الديمقراطية، التي تقتضي من ضمن ما تقتضيه وجود حياة سياسية مفتوحة للتنافس أساسها تقارع الأفكار والبرامج، ومجالها فضاء عمومي يمارس الناس داخله قناعاتهم المذهبية، ومقتضاها تعددية سياسية حقيقية تتيح لكافة الفرقاء السياسيين وصناع الرأي الدفاع عن اختياراتهم الفكرية والإيديولوجية والسياسية بكل حرية.

وهذه المبادئ تشكل في مجموعها بعضا من أهم الأسس التي تقوم عليها الديمقراطيات الحديثة، لكونها تسهم في تكريس مبدأ الإرادة الشعبية التي تتحقق من خلال إعمال آليات الحوار والنقد، ووفق قواعد متواضع عليها من طرف كافة أفراد المجتمع، وحيث لا شرعية ديمقراطية تكتسب خارج صناديق الاقتراع، ومن دون انتخابات نزيهة تضمن حرية المنافسة وتكافؤ الفرص بين كافة المترشحين على حد سواء.

أما في المجتمعات الريعية فيتسيد فيها الرأي الوحيد، وتحضر داخلها سلطة المال، ويغيب عنها النقاش والتداول العمومي. ولعل ما شهده المغرب أخيرا من تعديلات في القاسم الانتخابي لأكبر تعبير على حضور ثقافة الريع في ثقافتنا السياسية، واتخاذها طابعا مؤسساتيا. فهذا الإجراء القانوني، يبدو في ظاهره رحمة، وفي باطنه عذاب. رحمة لأنه – شكليا- يعبد الطريق للأحزاب الصغرى لولوج المؤسسات المنتخبة، بدعوى صيانة حقوق الأقليات وضمان تمثيليتها داخل المجالس النيابية، ولكنه في الواقع، سلوك – جوهره- عذاب، لكونه يكرس واقعا تهيمن فيه ثقافة الريع واللاستحقاق والاسترزاق الانتخابي، وتغيب عنه شروط الكفاءة والفعالية والنزاهة.

كما أن ما عرفته انتخابات مجلس المستشارين، بمنحها ثلاثة مقاعد غير مستحقة لحزب العدالة والتنمية، لأبلغ بيان على أن نظامنا الانتخابي ما زال يقوم على “الهبة” والعطاء وعلى توزيع “الإكراميات الانتخابية”، بكيفية تسهم في تكريس منطق الغنيمة، وينتج – في المحصلة- تعددية سياسية شكلية ومشوهة.

في أن الريع الانتخابي يكرس السلطوية ويطيل أمد الاستبداد

تتعدد أوجه السلطوية ومظاهرها في مجتمعاتنا العربية. ومن ثم، فهي قد تكتسي شكل احتكار تام للسلطة من قبل النظام السياسي القائم، أو تمارس بالوكالة من خلال بعض السماسرة والوسطاء ممن تسند إليهم مهمة صناعة القرار السياسي على المستويين المحلي أو الوطني. وهذا هو الدور الموكول للأحزاب السياسية التابعة للسلطة والمرتبطة بها عضويا، أو التي تدور في فلكها وتسبح بحمدها. كما قد تشير السلطوية أيضا إلى تركيز السلطة في يد حفنة صغيرة من سماسرة الانتخابات الذين يتخذون من الانتخابات مطية للاسترزاق وطلب الجاه. وهو ما يحول المحطة الانتخابية – في آخر المطاف- إلى مجرد واجهة صورية لتكريس الفساد والاستبداد، وإكساب النظام السياسي نوعا من الشرعية الانتخابية، التي تستمد مصدرها على أساس معيار الأكثرية العددية، وارتفاع نسبة المصوتين، وليس بالاعتماد على الإرادة الشعبية.

إن من نتائج الريع الانتخابي حكم الصوت السياسي الوحيد، حيث تعود السيادة فيه إلى “حزب الريعيين” الذي أصبح أشبه ب”حزب مواز”، يخترق معظم الأحزاب السياسية من داخلها، ويعمل على إفساد العملية السياسية وتمييعها. وهذا من شأنه أن يطيل في عمر السلطوية والتحكم في رقاب الناس، وبالنتيجة في انتشار الفساد، واحتكار الثروة في يد نخب فاسدة على حساب مصلحة عموم الشعب، فضلا عن تهديد اللحمة الوطنية التي ينبغي أن تسود بين أفراده.

لقد كان من بين أهم الخلاصات التي تضمنها مشروع “النموذج التنموي الجديد””ضرورة خلق تحول اقتصادي منتج ومتنوع قادر على خلق قيمة مضافة”، وهذا من الضرورة بمكان، باعتباره أحد الرهانات الممكنة “لتحسين جودة النمو الاقتصادي”، وبالتبعية خلق “تنمية دامجة ومستدامة”. غير أن واضعي التقرير، وإن كانوا يؤمنون بأهمية تحقيق هذا المطلب، فإنهم يسجلون في الآن نفسه أن تحقيقه يصطدم بعوائق بنيوية تنخر الاقتصاد المغربي.  ذلك أن هذا الأخير ما زال يعتمد في قسم كبير منه على منظومة الريع، وليس على الأنشطة المنتجة المحكومة بقواعد السوق، والمبنية على المنافسة وتكافؤ الفرص بين رجال الأعمال والمقاولين والمستثمرين، والمطبوعة بالشفافية والابتكار والإبداع. وهو ما يعمق “أزمة الثقة تجاه الفعل العمومي، ويضعف الحس الأخلاقي، وقيم النزاهة على العموم”. ويشمل هذا الشعور بفقدان الثقة أيضاً النخب السياسية والاقتصادية، والفئات الاجتماعية الميسورة، التي يرى المواطنون أنها استفادت من امتيازات غير مشروعة، وأنها غير حريصة على المصلحة العامة، مما “يجعل تدبير الزمن السياسي محاطاً بعدم اليقين، ويغذي ضعف الثقة لدى المواطنين إزاء المؤسسات”.

لقد قال المؤرخ ورجل السياسة البريطاني- اللورد أكتون- يوما إن “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، لكن الأدهى والأمر، أن تتحول السلطة إلى كبيرة كبرى وجريرة عظمى، عندما ترتبط بالمال العائد من ريع الأنشطة الطفيلية.

إن حضور هذه المتلازمة الدنيئة فيه خراب العمران – كما يقول ابن خلدون- وإضرار بالرعايا. وهذا يعني باختصار أن إقامة ديمقراطية حقيقية رهين بمحاربة مختلف مظاهر الريع الانتخابي، ومنه التوريث الانتخابي، باعتباره مقدمة ضرورية لضمان شروط تنمية دامجة ومستدامة ببلدنا، ولتحقيق المساواة والعدل وإحقاق الحق بين عموم المواطنين.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى