وجهات نظر

الثابت والمتحول في السلوك الانتخابي للمغاربة (1)

عن ظاهرة الترشح الأسري

وجهات نظر

عبد المجيد جهاد

تعتبر الاستحقاقات الانتخابية في البلدان الديمقراطية مؤشرا هاما في قياس نوعية السلوك الانتخابي للأفراد، ومحطة دورية حاسمة تسمح بتعقب المسار الديمقراطي لهذه البلدان، فضلا عن كونه يشكل فرصة سانحة لتقييم حصيلة ما راكمته مجتمعاتها خلال تجربتها من نجاحات ومكتسبات، وما اعترضها من تراجعات وإخفاقات. وفضلا عن ذلك كله، تشكل المواعيد الانتخابية إحدى أهم الآليات التي توفر إمكانية التداول السلمي على السلطة، عوض احتكارها من طرف جهة معينة، علاوة على كونها محطة أساسية تسمح للمواطنين بالتعبير الحر عن إرادتهم في اختيار ممثّليهم بالمؤسسات المنتخبة بكل استقلالية ومسؤولية، بعيدا عن أي شكل من أشكال الضغط أو الإكراه.

وبالجملة، يمكن القول إن نجاح تجربة انتخابية ما يظل مرهونا بما تدره من عائد ديمقراطي وما ترسخه من مكتسبات، وفي مقدمتها أن يظل الحقل الانتخابي مجالاً مفتوحا للتنافس الإيجـابي بين القوى والمصالح والأفكار المتعارضة.
أما في بلد كالمغرب فيبدو أنه – عدا التقدم الحاصل في بعض العمليات التقنية المؤطرة والمصاحبة للعملية الانتخابية من ضمانات قانونية وإجراءات تنظيمية، ما عدا هذه الإجراءات الشكلية، ما زال بلدنا يعاني من العديد من العوائق القانونية والثقافية التي تحول دون تطوير مساره الديمقراطي. تأتي في مقدمة هذه العوائق، عدم تشبع عموم أفراد الشعب بثقافة سياسية ديمقراطية مطابقة تواكب مختلف التحولات التي عرفها الحقل الانتخابي. إذ ما زلنا غداة كل مناسبة انتخابية، نصطدم بجملة من الممارسات والسلوكات التي تتنافى وأبسط المعايير والقيم التي تتأسس عليها الثقافة الديمقراطية الحديثة. فما زالت بعض الظواهر السلبية من قبيل شراء الذمم، وفشو بعض مظاهر الزبونية والمحسوبية، وهيمنة العلاقات القبلية والعشائرية، هذا فضلا عن غلبة البعد المعياري المحكوم ببادي الرأي من غير تفكر وروية، يرهن عملية انتخاب المرشحين وانتدابهم لتولي المسؤوليات التمثيلية. والحال أن العملية الانتخابية هي ممارسة عقلانية، ينبني معيار الاختيار فيها بشكل أساس على مقوم الكفاءة والنجاعة والفعالية والمردودية.

وللتدليل على بعض هذه الممارسات التي تبدو أبعد ما تكون عن السلوك الديمقراطي الحديث، نسوق واقعتين شهدتهما انتخابات الثامن من شهر شتنبر 2021. أولى هاتين الحالتين، تتعلق بحدث “ترشيح برلماني سابق لزوجته ضد أمه للتنافس حول مقعد انتخابي” بإحدى الجماعات التابعة ترابيا لإقليم تازة، والتي عرفت مواكبة واسعة من طرف وسائط الإعلام. فقد تناقلت العديد من المواقع الإخبارية بنوع من التندر والسخط أحيانا، واقعة اعتبرت “سابقة” في نظر البعض، و”فريدة من نوعها” في نظر آخرين. وقد أثارت هذه الحادثة موجة عارمة من الاستهجان والاستنكار لدى الرأي العام المحلي والوطني، عبرت عنه العديد من التعاليق الرافضة والمستاءة من هذا السلوك “المنحرف”، باعتباره في نظر أصحابها سلوكا مذموما وجحودا مستنكرا وشذوذا خطيرا عن المعايير الأخلاقية للمجتمع. بل إن بعض هذه المواقع، لم يتورع في نعت الإبن بأقبح النعوت ورميه بأقذع الصفات، من قبيل العقوق والجحود والعصيان، وغيرها من النعوت القدحية، فضلا عن تأليب الرأي العام عليه، بالتذكير بسوابقه العدلية. والواقع، أن كلتا المترشحتين، دخلتا الانتخابات باسم حزبين متنافسين.

أما ثاني الحالتين، فتتعلق بخبر إطاحة مستشار جماعي بشقيقه، والفوز مكانه برئاسة إحدى الجماعات بالدار البيضاء. هذا الخبر وإن لم يواجه بنفس رد الفعل العنيف من قبل المتتبعين، قياسا إلى الواقعة الأولى، فإنه أثار حفيظة العديد من الملاحظين والمعلقين.

الشاهد من سوق هاتين النازلتين، أن كلتيهما تخصان مرشحين من نفس الأسرة ارتأوا خوض غمار المنافسة الانتخابية – وهو حق يكفله لهم القانون- لكنهم ووجهوا بممانعة شرسة ومقاومة ضارية من قبل شريحة واسعة من الرأي العام، ممن رأوا في هذا السلوك مؤشرا على تفكك الأسرة المغربية وانحلالها، وعلى تراجع منظومة القيم وتفسخها، وتعديا خطيرا على القواعد المتواضع عليها اجتماعيا، وانحرافا فاضحا عن التقاليد المتعارف عليها أخلاقيا.

إن أمثال هذه الواقعة التي وصفها العديدون بالفريدة والخارجة عن المألوف، هي ممارسة تبدو سليمة وطبيعية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة، بل إن الديمقراطية الانتخابية تقرها وتجيزها، مادام أن هذه الأخيرة تمرين ديمقراطي يتأسس على مبدأ التعاقد مع الناخبين حول برنامج محدد، وليس على الولاء الأسري أو القبلي، وما دام أن ليس هناك مانع أو عارض قانوني يحول دونها.

إن الحقل الانتخابي مجال يحكمه منطق التنافس والتباري حول برامج واختيارات انتخابية متعارضة، ليس من الضروري أن يحصل حولها اتفاق بين الإبن وأبيه، أو بين الأخت وأخيها، بل يمكن لأفراد العائلة الواحدة أن يختلفوا حولها، مادام أن حرية الاختيار والاختلاف في التعبير عن الرأي، يعتبران إحدى الركائز الأساس التي تقوم عليها الممارسة الديمقراطية الحديثة، والتي تجعل من الحقل السياسي مجالا مفتوحا للصراع والتدافع وتعارض المصالح وتنافرها.

وبخصوص الواقعة الأولى، يمكن أن نتساءل: ما المانع مثلا من أن تترشح الكنة ضد حماتها، مادام أن القانون الانتخابي لا يعاقب على هذا الفعل، بل ويعطيها كامل الحق في الترشح مثلها في ذلك مثل سائر المواطنين؟ وما دام أن الأمر يتعلق بمنافسة انتخابية تدور رحاها بين مرشحتين تنتميان لحزبين متنافسين، فلماذا نحرم الزوجة من هذا الحق، أو نحملها وزر زوجها؟ فأن تترشح امرأة الزوج باسم حزب معين، وتترشح الأم باسم حزب آخر، فهذا إجراء تقتضيه القواعد الانتخابية الديمقراطية القائمة على حرية المنافسة، وتقره الأعراف الحديثة، باعتباره حقا أساسيا من حقوق المواطن، غير قابل للتصرف أو المصادرة، وما دام أنه يتم في احترام تام للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل؟

لقد أقرت مدونة الانتخابات في المغرب العديد من الأحكام والضوابط القانونية التي تكفل “مبدأ تساوي الحظوظ بين المرشحين والهيئات السياسية” بعيدا عن أي تأثير أو تهديد أو إكراه، كما تضمن مبدأ التنافس الشريف بين الأحزاب والمرشحين. وما دام أن “لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص” – كما تقول القاعدة القانونية- فإن هذا يتطلب من المشرع المغربي تعزيز الترسانة القانونية والانتخابية، بمجموعة من المقتضيات التي من شأنها، تكريس مبدأ حرية الاختيار، وإحاطته بمزيد من الأحكام الكفيلة بضمان حرية التنافس بين الأحزاب والمرشحين، وتهذيب وسائل الدعاية الانتخابية، ضمانا لسلامة العملية الانتخابية واحترامها. وهو ما يتوجب التنصيص في مدونة الانتخابات على أحكام صارمة وردعية للحد من المخالفات المرتكبة بمناسبة الانتخابات، وتحديد العقوبات المناسبة لها لسد الفراغ القانوني في هذا المجال، كما هو الشأن في العديد من الديمقراطيات الغربية، كفرنسا مثلا، التي تقيد قوانينها الانتخابية مسألة الترشح الأسري، وتضع لها مجموعة من الضوابط والتقييدات.

فالقانون الانتخابي الفرنسي يعطي الحق في الترشح لأفراد العائلة الواحدة، مهما كثر عددهم، ولكنه يقيد هذا الحق في حالة فوزهم بأكثر من مقعدين. إذ لا يسمح إلا للفائزين الأولين اللذين حصلا على أكبر عدد من الأصوات فقط باكتساب العضوية داخل المجلس البلدي. ومن ثم، فقانون الانتخابات الفرنسي لا يمنع أفراد العائلة الواحدة من الترشح في الانتخابات البلدية، سواء ضمن قائمة واحدة أو في قوائم مختلفة. غير أنه بالمقابل، يحصر عدد الأصول والفروع والإخوة والأخوات المرشحين لعضوية المجلس البلدي في عضوين اثنين في البلديات التي يزيد عدد سكانها عن 500 نسمة. ومن ثم، ففي حالة تواجد عضوين أو أكثر ينتمون كلهم إلى العائلة نفسها يُسمح لهم بالترشح مراعاة لمبدأ الأهلية الانتخابية للمترشح éligibilité (أحقية الترشح لمنصب معين). أما في حالة ما إذا تم انتخاب هؤلاء كلهم، فسيكونون أمام حالة عدم الملاءمة أو التنافي Incompatibilité (وجود وضعين قانونيين يحظر القانون تعايشهما). حينها يتم الاحتفاظ بالمرشحين اللذين تصدرا اللائحة، ويجبر المرشحون الآخرون على التنازل لفسح المجال للمرشحين اللذين حصلا على الصفين الأولين لشغل عضوية المجلس البلدي. وفي حالة رفض أي من الأعضاء الآخرين تقديم استقالته، تتم إزاحتهم ويفقدون بقوة القانون عضويتهم كمستشارين بلديين.

وبالعودة إلى الحالة المغربية، نسجل أن “مصادرة” حق أعضاء الأسرة الواحدة في الترشح للانتخابات ما زال يتم من خلال سلطة العرف، وليس بالاعتماد على إعمال الآليات القانونية التي ينبغي أن تضمن الأهلية الانتخابية لكافة المواطنين الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية، مع ضرورة مراعاة مبدأ الملاءمة، وهو ما يسكت عنه القانون الانتخابي المغربي. وفي هذه الحالة يصبح المشرع مطالبا بسد هذه الثغرة القانونية حفاظا على سلامة روح العملية الانتخابية التي ينبغي أن تقوم على مبدأ تجديد النخب والتداول المفتوح على السلطة، ضمانا لها من أن تظل محتكرة من طرف عائلة نافذة بحكم امتلاكها سلطة المال أو النسب أو القوة.

إن هاتين الواقعتين اللتين أشرنا إليهما في بداية المقال، وما رافقهما من لغط كبير، تؤكدان على حقيقة أساسية، وهي أن بنية المجتمع المغربي مازالت -على الرغم مما شهده البلد من مظاهر التحديث- بنية محافظة وتقليدية ترتهن في عمقها إلى الولاء للضمير الجمعي القائم على الاعتماد على الحس المشترك وعلى الحدس والبداهة في إدراك الأشياء، عوض إعمال العقل والقانون، وعلى الإعلاء من شأن الانتماء إلى العائلة أو العشيرة أو القبيلة، المحكوم بعلاقات القرابة والدم، عوض إعطاء الأولوية للانتماء إلى الوطن. وهذا يخالف الثقافة الديمقراطية الحديثة -روحا وجوهرا- من حيث هي ممارسة تتأسس على ضوابط فيصلها القانون، لا العرف، وقوامها علاقات اجتماعية أفقية مبنية على أساس مبادئ المواطنة والتعاقد والمساواة في الحقوق بين أفراد المجتمع، وديدنها ضمان الحرية الفردية وترسيخ روح التنافس الحر بين مختلف المواطنين والفرقاء السياسيين… وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premiumEssai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premiumEssai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premiumEssai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premiumEssai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premiumiptv smart iptv iptv smarters pro abonnement iptv boitier iptv iptv smarters duplex iptv net iptv iptv box iptv boitier iptv prix Premium IPTV IPTV Abonnement Abonnement Smart Abonnement Smart Premium Abonnement Smartiptv application iptv code iptv Duplex Play Gse smart iptv IPTV Android IPTV Formuler IPTV m3u IPTV Mag IPTV Premium IPTV smart IPTV Windows Net iptv Revendeur IPTV