وجهات نظر

حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومأزق المعارضة القسرية

وجهات نظر
عبد المجيد الجهاد

 

“كم هزئت من أولئك الضعفاء الذين يعتبرون أنفسهم صالحين لمجرد أن لا مخالب لهم”.

نيتشه.

 

…الآن وبعد أن “قضي الأمر الذي فيه تستفتيان”، وبعد أن تكشفت ملامح الهندسة الحكومية- التي تتشكل أساسا من الأحزاب الثلاثة التي تصدرت انتخابات 8 شتنبر 2021، وهي: التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال- وجدت أحزاب أخرى نفسها مرمية على قارعة طريق المعارضة، بعد أن لم تجد استنجاداتها وتوسلاتها في ضمان موقعها داخل غرفة قيادة الحكومة.

تأتي في مقدمة هذه الأحزاب، بعض الأحزاب المعروفة تاريخيا بارتباطها بالإدارة – نشأة وتوجها- والتي اعتادت أن تخطب ود أحزاب الأغلبيات الحكومية المتعاقبة. ولعل ما يحسب لها أن مواقفها جاءت متوافقة ومنسجمة مع توجهاتها واختياراتها. إذ لم يكن مفاجئا أن تعلن هذه الأحزاب دعمها الثابت للتشكيلة الحكومية المقبلة التي سيقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، سواء أوجدت هذه الأحزاب موطئ قدم لها داخلها، أو دفعت إلى المعارضة دفعا. في طليعة هذه الأحزاب يقف حزب “الاتحاد الدستوري” الذي عبر بوضوح عن موقفه المبدئي المساند للحكومة. إذ أعرب في هذا الصدد عن نيته “مواصلة التزامه مع حزب التجمع الوطني للأحرار، كيفما كان الموقع والمسؤوليات التي يراها تتناسب وهذه المرحلة، وسواء أكان ضمن الأغلبية أم المعارضة. ومن ثم، فإنه لن يعارض من أجل المعارضة فقط، بل سيكون مساندا للحكومة”. وهذا الموقف ليس بغريب عن حزب ما فتئ يؤكد – وفي أكثر من مناسبة- أن ما يجمعه بالحزب الحاكم، أكثر مما يمكن أن يفرق بينهما، بحكم العلاقات التاريخية التي تربطهما، وكذا تقاطعهما في المبادئ والتوجهات نفسها. وهو ما يعني عمليا أنه سيظل مخلصا لهذا الاختيار، ولو من موقع المعارضة. في الاتجاه نفسه، أعرب حزب “الحركة الشعبية” من جهته هو الآخر عن رغبته في المشاركة في الحكومة، لكونه يعتبر أن موقعه الطبيعي هو أن يكون داخلها لا خارجها، لكن موقعته في صفوف المعارضة لا يعني بالضرورة أنه سيعارض توجهات الحكومة، لكون هذا التوجه يتنافى مع توجهه واختياراته المبدئية التي يتقاطع فيها مع حزب التجمع.

إذن، نحن أمام حزبين يعلنان مبدئيا وعلى رؤوس الأشهاد دعمهما اللامشروط “للأخ الأكبر” من داخل المعارضة. وبالتالي فهما سيكونان طبيعيا مجرد لاعبين ثانويين في دكة الاحتياط، يتم اللجوء إلى خدماتهما في حالة ما إذا تمت عرقلة أي مشروع لا ينسجم وتوجهات الحكومة. وهذا الأمر يسري على باقي الأحزاب الأخرى ذات التمثيلية الصغرى، التي ينتمي أغلبها إلى نفس الفصيلة المتحورة من الأحزاب المتعارف عليها بالإدارية، ما دامت أنها خرجت من صلبها، وتجمعها بها وشائج قرابة لا تنفصم عراها، وترتبط بها عضويا وموضوعيا، وتتقاسم معها الاختيارات والتوجهات ذاتها، ونقصد هنا تحديدا حزب “الحركة الديمقراطية الاجتماعية”. أما باقي الأحزاب التي اختارت الاصطفاف في صف المعارضة، سواء منها المحسوبة على المرجعية اليسارية – وهي: حزب “التقدم والاشتراكية”، فضلا عن حزبي “الاشتراكي الموحد” و”تحالف فيدرالية اليسار” وإلى حد ما “جبهة القوى الديمقراطية”- أو تلك التي تنتمي إلى المرجعية اليمينية المحافظة، كحزب العدالة والتنمية، فقد وجدت نفسها هي الأخرى محشورة بشكل موضوعي في خندق المعارضة انسجاما مع مخرجات صناديق الاقتراع.

أما حزب الاتحاد الاشتراكي فعجيب شأنه، غريب أمره.. فقد سعى زعيمه “إدريس لشكر” جاهدا منذ بدء مشاورات تشكيل الحكومة، باستخدام مختلف أساليب الوعد والوعيد، عله يظفر “بحقه” من الكعكة الحكومية. وبعد طول انتظار أمام أبواب من يملك مفاتيح خزائن البيت الحكومي، خرج الحزب الاشتراكي خاوي الوفاض، ليجد نفسه محشورا ضمن زمرة المعارضين. فأصبح داخل هذا الوضع السيزيفي أشبه بقول الشاعر العربي “الأعشى بن قيس”:

كناطح صخرة يوما ليوهنها…. فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وهكذا، ولما وجد الحزب نفسه مطروحا على جنب الطريق، شرع زعيمه يرفع عقيرته بالصياح، فأرغى وأزبد، متوعدا “خصومه” بأوخم العواقب، جراء إخراجه إلى “خيار” المعارضة، وهي التي لم يخترها طوعا ولم يكن يرغب فيها، بل أجبر عليها كرها، وفرضت عليه قسرا.

والآن، وبعد أن نزعت من الحزب مخالبه، يطرح السؤال عن طبيعة هذه المعارضة التي سيمارسها حزب الاتحاد الاشتراكي مستقبلا، والحال أن قاعدته البرلمانية تتشكل في غالبيتها، من أعيان الانتخابات ومن بعض الوجوه المستعارة التي وفدت على الحزب، أو من حصيلة المقاعد التي جناها الحزب بفضل عائدات ريع القاسم الانتخابي.

أمام هذا الوضع، يبدو أنه لم يتبقى أمام الحزب سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما: يقوم الخيار الأول على ممارسة نوع من “المعارضة الناعمة” – أو ما بات يعرف في بعض الأدبيات السياسية “بالمعارضة الرسمية”- التي ينحصر دورها في لعب دور معارضة الواجهة لتزكية ما يصدر عن السلطة التنفيذية من قرارات، مع المحافظة على ولائها للمؤسسة الملكية في الآن ذاته. وهذا النوع من المعارضة يمكن أن نجد له شبيها بما يعرف في التجربة البرلمانية الإنجليزية ب”المعارضة الموالية”، التي تضطلع فيها أحزاب من خارج موقع السلطة الحكومية بدور الضابط الذي يتدخل في حالة ما إذا ما تنافت قرارات السلطة التنفيذية مع مصدر سلطة الحكومة، أي: الملك أو الدستور. وهذا الخيار ينسجم مع ما فاه به “إدريس لشكر” في لقاء تلفزي جمعه بنبيل بنعبد الله منذ سبع سنوات خلت، عندما واجهه زعيم حزب التقدم والاشتراكية، بالقول: “هذه حكومة صاحب الجلالة، كما الحكومات السابقة التي كانت حكومات صاحب الجلالة، وكما الحكومات المقبلة ستكون حكومات صاحب الجلالة”، فرد عليه لشكر بلغة لا تخلو من تكلف زائد: وحتى نحن أيضا نشكل “معارضة صاحب الجلالة”.

أما الخيار الثاني، فأن يلعب الحزب دور “المساندة النقدية”. وهذا الخيار يبدو – في نظري- الأسلم والأقرب إلى الواقعية، انسجاما مع ما سبق أن صرح به زعيم الحزب “إدريس لشكر” أثناء مشاورات تشكيل الحكومة، من أن الحزب يجد نفسه في برامج الأحزاب الحكومية التي تتقاطع مع تصورات حزبه، من حيث الدفاع عن ما يسميه “الديمقراطية الاجتماعية”. وهو الموقف الذي دعمه البيان السياسي للحزب، بالقول: “إن المواطنات والمواطنين أعطوا أصواتهم لهذا الخيار الديمقراطي الاجتماعي. وهذا يعني أن موقع الاتحاد الاشتراكي بحسب أصواته ومرجعيته وبرنامجه وقوته السياسية وعلاقاته وتحالفاته ماضيا وحاضرا، هو أن يكون جزءا من السلطة التنفيذية في هذه المرحلة”.

هذا المطلب لحزب الاتحاد الاشتراكي يستمد مشروعيته – في نظر زعيمه- من إرادتين: “الإرادة الشعبية” التي منحته الأصوات التي تخول له المطالبة بأن يكون ضمن الفريق الحكومي، بعد أن بوأته صناديق الاقتراع الصف الرابع، و”بالنظر إلى الأصوات التي حصل عليها الحزب ووزنه السياسي وبرامجه وتحالفاته في المرحلة السابقة.. كل هذا يقود إلى أنه يجب أن يكون في الأغلبية”. ومن ثم، يعتبر أن موقعه هذا يقتضي أن يكون حزبه جزءا من الفريق الحكومي لمرافقة المرحلة الجديدة لتنزيل مقتضيات النموذج التنموي الجديد”. ثم هناك، “الإرادة الملكية” التي أكدت على مراعاة “التعددية المتوازنة” في إبرام التحالفات، وما يتطلبه من إدراك جيد من قبل رئيس الحكومة المكلف لمغازي الرسائل الملكية لبناء الثقة على أساس ما أسماه الحزب “القراءة الواثقة للتصويت، ثم الثقة في الحكم الذي أصدرته صناديق الاقتراع”. ومن ثم، “الحرص على أن تجتمع في هذا الاختيار، مضامين التوجه الملكي ومغازي التصويت الشعبي”.

إن هذه المسوغات الواهية التي يسعى من ورائها الحزب إلى تبرير أحقيته في المشاركة في الحكومة، من خلال التخفي وراء عبارة “إرادة الملك” يكشف عن قصور واضح في ممارسة الحزب لدوره في تعزيز الممارسة الديمقراطية وتطويرها، في استقلال تام عن السياسات الرسمية. وهو ما سبق أن عبر عنه القيادي الاتحادي محمد اليازغي في مناسبة سابقة، حين اعتبر “أن الدستور الحالي منح كل مؤسسة مسؤوليات واختصاصات، ولا يجوز لأي منها أن تختبئ وراء الأخرى”. هذا فضلا عن أن هذا النوع من الالتفاف يشكل في الواقع انحرافا واضحا عن أحكام الدستور الحالي، وتراجعا بينا عن المكتسبات التي وسعت من اختصاصات المعارضة، وأعطتها صلاحيات أكبر في مجال نقد الحكومة ومساءلتها، علاوة على تنافيها مع مبدأ الفصل الواضح بين السلطتين التنفيذية التشريعية الذي كرسته الوثيقة الدستورية في العديد من مقتضياتها. وبعبارة، إن ترديد مثل هذه العبارات المسكوكة التي لم يعد لها من مسوغ في إطار دستور 2011 الذي حدد صلاحيات كل من الحكومة والمعارضة، على حد سواء، يدلل على عجز الحزب عن بلورة مشروع مجتمعي بديل مستقل عن مشروع الدولة. والخاسر الأكبر من هذا الصنيع في نهاية المطاف، هو الممارسة الديمقراطية التي ينبغي أن تكون الهدف والغاية من العملية الانتخابية، وليس تقاسم الفيء والغنيمة.

على سبيل الختم

سئل فرعون ذات يوم: “يا فرعون لماذا فرعنت؟. أجاب: لأنني لم أجد من يصدني”. من هذا المنطلق، نعتقد أن أخطر ما يتهدد “ديمقراطيتنا” اليوم على تواضعها، يكمن في غياب معارضة قوية ومنسجمة ومنظمة بشكل جيد. فالمعارضـة ليست فضلة، وليست مجرد واجهة لتأثيث مشهدنا السياسي، بل هـي عنصـر ضابط وصمام أمان لا غنى عنه فـي تحقيق التوازن بين الفرقاء السياسيين، وفي استقرار الدولة، وفي تطوير النظام الديمقراطي.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى