وجهات نظر

حزب العدالة والتنمية وخطاب المكابرة

وجهات نظر

عبد المجيد الجهاد

ورد في “معجم التعريفات” لمحمد بن علي الجرجاني، أن المكابرة هي: المنازعة في المسألة العلمية (هنا بمعنى التي نعلمها)، لا لإظهار الصواب، بل لإلزام الخصم. وفي هذا المعنى قيل المكابرة، هي: مدافعة الحق بعد العلم به”. ومثل ذلك ما يقع لحزب العدالة والتنمية في يوم الناس هذا في شخص أمينه العام المستقيل، السيد سعد الدين العثماني، الذي ما زال يكابر ويعاند ويرفض بإصرار القبول بالهزيمة… مازال الرجل يقر بأن خسارة حزبه في انتخابات 8 شتنبر 2021، لم تكن عقابا جماعيا، بل كانت بفعل فاعل، ومؤامرة دبرت بليل. فقد اعتبر في خطابه خلال انعقاد الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني للحزب صباح يوم السبت 18 شتنبرالجاري،”أن النتائج التي تحصل عليها الحزب في استحقاقات 8 شتنبر نتائج غير منطقية وغير مفهومة وغير معقولة، ولا تعكس الخريطة السياسية، كما لا تعكس موقع الحزب وحصيلته في تدبير الشأن المحلي والحكومي”. وقد برر قوله هذا بسؤال استنكاري عريض:” كيف يُعاقب الحزب دون غيره من الأحزاب المُشكلة للأغلبية؟ وكيف تتساوى في ذلك الجماعات التي دبرها الحزب بالجماعات التي كان فيها في موقع المعارضة؟ وكيف يكون التصويت العقابي لصالح أحد مكونات الأغلبية؟”.

في الواقع، ومن موقعنا كمتتبعين للشأن الحزبي، ومن خلال قراءتنا لبعض ما رشح من اجتماع المجلس الوطني للحزب، كنا نأمل أن يقدم السيد العثماني احتراما لذكاء مناضليه، تقريرا مفصلا، مقرونا بمعطيات واقعية ومضبوطة، يوثق بدقة لعدد الأصوات التي حرم الحزب منها، وحالات التزوير التي وقعت، وغيرها من القرائن التي تعطي صورة حقيقية لما جرى. والحال، أن ما حمله تصريح السيد العثماني لم يخرج في شكله ومضمونه عن باقي التصريحات التي أطلقها بعض قياديي الحزب مباشرة غداة الإعلان عن نتائج الانتخابات، حيث أعاد ترديدها بنفس العبارات، دون أن يقدم دليلا على صحة ما يدعيه من أقوال.

قد يبدو الأمر مقبولا أن تصدر مثل هذه الردود العاطفية من بعض المناضلين، كنتيجة طبيعية لهول الصدمة التي انتابتهم، كما قد يلتمس المرء العذر لمطلقي هذه التصريحات من لدن بعض القيادات الحزبية، لكونها قيلت بغرض التنفيس والتخفيف على الذات الحزبية من حدة التوتر والضغط النفسي التي ألمت بها، أو باعتبارها صدرت من باب إبراء الذمة والتحلل من ثقل الخسارة ممن تسببوا فيها. غير أن ما لا يستساغ، أن يظل السيد العثماني يكرر على مسامعنا نفس الكلام الممجوج كل مرة، بعد أن مرت عشرة أيام بالكمال والتمام عن تاريخ الإعلان عن نتائج الاقتراع، في حين كان يفترض في الرجل أن يكون قد استوعب زلزال الهزيمة واهتزازاته، واستخلص الدروس والعبر من تداعياته. لكنه، وللأسف، عوض أن يسلك طريق العقل والحكمة، اختار أسهل الطرق في عملية تملص مكشوفة من المحاسبة، بالهروب إلى الأمام واعتماد منطق التبرير عوض التفسير، وتبني خطاب التشكي والمظلومية والتحكم والمؤامرة، معلقا هزيمته على الآخرين بصيغة الغائب من دون تحديد، مسترسلا في إطلاق الكلام على عواهنه، ومستخدما عبارات إنشائية فضفاضة، من قبيل “غير منطقية” و”غير معقولة” و”غير مفهومة”. وهذا لعمري دليل على بؤس الخطاب السياسي وتهافته لدى زعيم الحزب الإسلامي وبعض من قادته ومناضليه.

هذا على مستوى بعض الدفوعات الشكلية التي ميزت هذا الخطاب، أما في ما يتعلق بالجوهر، وردا على تساؤلات السيد العثماني والفرضيات التي ساقها، والتي كان تعوزها الحجة والمنطق، فنقول: لقد تساءل السيد العثماني بلغة استنكارية: كيف يُعاقب الحزب دون غيره من الأحزاب المُشكلة للأغلبية؟ وهنا نجيب أن تحميل حزبه حصيلة التجربة الحكومية دون غيره من أحزاب الائتلاف الأخرى، راجع بالأساس إلى أنه هو الذي كان يقود الحكومة وينظم أشغالها، ومن ثم، ينبغي أن يتحمل وزر وزرائه. فقائد الحكومة هو أشبه ما يكون بالمايسترو الذي يقوم بالتنسيق بين أعضاء الفرقة الموسيقية، حتى إذا شذ أحدهم عن الإيقاع، نسب إلى رئيس الفرقة بالدرجة الأولى، وليس إلى باقي أعضائها، وإن كنا لا نعفيهم هم الآخرين من المسؤولية. وكما هو الشأن أيضا في المعارك العسكرية، فعندما يمنى أحد الجيوش بخسارة معركة ما، لا يتم إنزال العقاب بالجيش كله، بل بقائد الجيش، لأنه يعتبر مسؤولا عما حاق بجنده من إخفاق -على الأقل- من الناحية المعنوية، حتى وإن لم يكن هو المسؤول المباشر عن الهزيمة، ولكنه يظل من موقعه كقائد، مسؤولا أكثر من غيره، باعتباره هو الذي خطط ودبر وسير. ومن هذا المنطلق، فحزب العدالة والتنمية يتحمل كامل المسؤولية في فشل التجربة الحكومية، وفي عدم قدرته على الوفاء بما التزم به من تعهدات تجاه قاعدته الانتخابية التي اختارته ومنحته أصواتها، وأمام جماهير الشعب التي قبلت بنتائج هذا الاختيار… ولهذا فلا غرابة أن تنفض من حوله بعد تبخر هذه الوعود التي تعهد بها، وتصوت ضده عقابا له على ما جنته يداه.

أما عن التساؤل الثاني: “كيف يتساوى ذلك في الجماعات التي دبرها الحزب بالجماعات التي كان فيها في موقع المعارضة”؟ وهي التي يفترض أن تكون نتائجها في صالحه، ما دام أن الحزب لم يكن مسؤولا عن تدبيرها، فهو استنكار مردود مرفوض. ذلك أننا في هذه النازلة أمام تصويت عقابي جماعي في حق الحزب، وليس ضد هذا الفرد أو ذاك. وهذا الأمر ينسحب أيضا على الانتخابات المهنية التي عوقبت فيها الأذرع النقابية للحزب، في مختلف القطاعات، بفعل تواطئها، إما بالسكوت أو بالمباركة للعديد من القرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة، فأضرت بفئات وشرائح واسعة من الناخبين. ومن ثم، فالعقاب في هذه الحالة، لم يكن انتقائيا أو موجها لأعضاء من الحزب دون آخرين، بل كان رفضا لتوجه الحزب ككل، ولمسار تجربة بكاملها.

يبدو أن الأستاذ العثماني قد خانته حصافته، وركب هواه في مرحلة دقيقة من حياة الحزب، يتوجب عليه فيها أن ينصت لصوت العقل، وأن يسترشد بآراء الحكماء من داخل حزبه. فالوقت ليس وقت النحيب والبكاء على حكم أضعتموه. والمطلوب في هذا الحالة، القيام بنقد ذاتي لممارسة الحزب وتوجهاته، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، في أفق تجاوز الأسباب التي قادت إلى الفشل. فالعيب كل العيب – كما يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس- ليس في أن نسقط، بل في أن نسقط ثم لا ننهض من جديد…

 

باحث أكاديمي متخصص في علم الاجتماع

حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي والديني

مستشار ونائب رئيس جماعة سيدي معروف بالدار البيضاء سابقا (1997-2002)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى