ملفات

تقرير: آخر قلاع الإسلاميين العرب.. لماذا انتهى حكم العدالة والتنمية المغربي بهزيمة قاسية؟

ملفات

الجزيرة-ميدان

بوجه مُتجهِّم وقلِق، خرج “عبد الإله بنكيران”، الرئيس السابق للحكومة المغربية والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، في بث مباشر على صفحته على فيسبوك داعيا المغاربة إلى الحذر من الاختيار الخطأ خلال الاستحقاقات الانتخابية التي دارت يوم 8 سبتمبر.

لم يكن بنكيران غاضبا فحسب، بل كان متشائما أيضا، ولذا فضَّل التركيز على انتقاد خصمه السياسي “عزيز أخنوش”، الأمين العام للتجمع الوطني للأحرار الذي عيَّنه الملك مؤخرا رئيسا للحكومة، فهو يعلم علم اليقين أن العدالة والتنمية سيدخل الاستحقاقات الانتخابية بسلسلة من خيبات الأمل وعشرات المواقف السياسية التي نالت من شعبية الحزب. (1)

بيد أن بنكيران، رغم قلقه الواضح قبيل الانتخابات، لم يكن ليتخيَّل، لا هو ولا أخنوش نفسه، أن العدالة والتنمية سيُخفِق، ليس في الوصول إلى الولاية الثالثة فحسب، بل وفي الحفاظ على موقع بين الأحزاب السبعة الأكثر حضورا. لقد حل العدالة والتنمية في المرتبة الثامنة في ترتيب الأحزاب إثر حصده 13 مقعدا فقط، في مفاجأة من العيار الثقيل بعد أن حاز قبل 5 سنوات 125 مقعدا خوَّلت له تشكيل الحكومة للمرة الثانية على التوالي.

 

الانهيار الكبير

مساء يوم 7 أكتوبر 2016، حلَّت الأفراح والليالي الملاح ضيفا عزيزا على مقر حزب العدالة والتنمية المغربي بحي الليمون في العاصمة الرباط، واصطفَّت قيادات الحزب خلف أمينها العام عبد الإله بنكيران لإعلان فوزها بالانتخابات التشريعية حتى قبل الإعلان الرسمي للداخلية المغربية، التي اتهمها بنكيران آنذاك بعرقلة الانتخابات، ومساعدة منافسه حزب الأصالة والمعاصرة بدعوة الناخبين خارج أماكن الاقتراع إلى اختيار حزب “الجرار”. وقد خرج بعدها “محمد حصاد”، وزير الداخلية المغربي السابق، لإعلان فوز العدالة والتنمية بالانتخابات، رافضا في الوقت نفسه اتهامات بنكيران. (2) (3)

كانت تلك الندوة الصحفية “آخر اللحظات السعيدة” التي عاشها إسلاميو المغرب في السنوات الخمس الماضية، إذ تلتها مباشرة صعوبات جمَّة خاضها الحزب أثناء تشكيل الحكومة المغربية؛ بسبب ما عُرف إعلاميا بـ “البلوكاج”* الذي أطاح ببنكيران وجاء بالعثماني على رأس الحزب. ورغم كل هذا، لم تكن قيادة الأمانة العامة للعدالة والتنمية تتخيَّل أنه بعد 5 سنوات من هذا الموعد، سيحصل الحزب في الانتخابات التالية على 13 مقعدا برلمانيا ليس إلا. (4)

سبق هذا الانهيار الصادم العديد من المؤشرات، بدءا من دخول الحزب مرحلة الحملات الانتخابية دون قيادة عبد الإله بنكيران، القادر على مخاطبة الجماهير وقيادة الحملات الجماهيرية بكفاءة، الذي كان دوره في الفوز بالانتخابات التشريعية السابقة عام 2016 ملحوظا بوضوح، إذ تمكَّن من التفوُّق على جميع الأمناء العامين للأحزاب الأخرى، وتمكَّن بشعبويته المعهودة من التسويق لحصيلة حكومته.

بالإضافة إلى ذلك، ظهر تضرُّر شعبية العدالة والتنمية جليا خلال الحملات الانتخابية، إذ تعرَّض عدد من قيادات الحزب البارزين وعلى رأسهم سعد الدين العثماني رئيس الحكومة، و”إدريس الأزمي” رئيس برلمان الحزب، لاعتداءات وصلت في بعض المرات إلى الضرب والسب والقذف من طرف عدد من المحتجين الحانقين. وقد عبَّر الحزب مرارا عن غضبه من هذه التصرفات واعتبرها أساليب ترهيبية يُموِّلها منافسون عن طريق استئجار بعض “البلطجية”. (5)

لم تكن هذه الأمور سوى مؤشرات على أزمة عنيفة تضرب صورة الحزب ومكانته السياسية، أما أسباب السقوط نفسها فتنقسم إلى أسباب داخلية وأسباب مرتبطة بدور الحزب في الملفات الكبرى بالمغرب أثناء السنوات القليلة الماضية. داخليا، تسبَّب إعفاء القصر لعبد الإله بنكيران عام 2016 في انقسام كبير داخل الحزب، واستوجب تعيين العثماني رئيسا للحكومة بعد ذلك إعادة توحيد الجبهتين والإطاحة ببنكيران من رئاسة الأمانة العامة لـ “المصباح” أيضا (يُعرف العدالة والتنمية أيضا بحزب المصباح)، ولم يكن باستطاعة الحزب رفض قرار الملك، كما أنه لم يكن ليجرؤ على العودة خطوة للوراء خوفا من ضياع المكتسبات السياسية التي حقَّقها بعد الانتخابات.

أثَّر الانقسام الداخلي بين مؤيدي بنكيران والراغبين بطيّ صفحته على قدرة الحزب على مواجهة التحديات الكبرى التي انتظرته، التي تمثَّلت في ثلاثة ملفات جوهرية اتخذ فيها الحزب مواقف منافية لمبادئه ولأفكار حاضنته الشعبية. في البداية، خسر الإسلاميون رصيدا ضخما بعد سماحهم بتمرير قانون “فرنسة التعليم” الذي سمح بتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية بدلا من العربية، رغم قدرة فريق الحزب البرلماني على منعه، ولاحقا، تفاقمت المشكلة بعد دخول القيادات ذاتها في معارك تبريرية لمشروع تقنين زراعة مخدر الكيف، وأخيرا وليس آخرا، كان الدفاع عن تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل بمنزلة ضربة قاصمة لشعبية حزب طالما جهر بتوجُّهاته الإسلامية. (6) (7)

 

لكن هذا التبدُّل الكبير في اللون السياسي للحزب لم يكن السبب الحصري لسقوطه الانتخابي، فثمَّة أسباب أخرى ساهمت في هذا الخروج المفاجئ من الباب الخلفي بعد عقد من السيطرة على الحكومة، ولعل أهمها انسحاب العدالة والتنمية من مشروعه الأساسي الذي أعلنه عام 2011 وتعهَّد فيه بمحاربة الفساد والاستبداد. وقد قالت “آمنة ماء العينين”، أحد أبرز الوجوه النسائية المغضوب عليها في الحزب، في تدوينة لها بحسابها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، إن الناخبين شعروا بتخلي الحزب عن المعارك الحقيقية وعن دوره السياسي حيث طغى عليه التردُّد والصمت والانسحاب السلبي. (8)

في السياق نفسه، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها حول الانتخابات المغربية إن الناخبين لمسوا أن حزب العدالة والتنمية لم يَعُد يملك الكلمة فيما يتعلَّق بالسياسات الكبرى، وأشارت الصحيفة إلى أن فترة الأزمة الصحية جرَّاء انتشار فيروس “كوفيد-19” أكَّدت للجميع أن الإسلاميين لا يملكون أي مساحة للقرار، فقد اتُّخِذَت جميع القرارات المُتعلِّقة بالشأن الاقتصادي والصحي من طرف الدولة، في حين جلس العثماني وحزبه، مثلهم مثل باقي الشعب، ينتظرون القرارات لتطبيقها، كما طالب الشعب أحيانا رئيس الحكومة بالمشاركة في اتخاذ القرارات على أقل تقدير. (9)

تسبَّب هذا التخبُّط الكبير في خسارة حزب العدالة والتنمية نسبة كبيرة من المُصوِّتين الذين وثقوا فيه، وينقسم هؤلاء إلى ثلاث شرائح. الشريحة الأولى هم المحافظون من الإسلاميين الذين دعموا حزب بنكيران والعثماني في انتخابات 2016 انطلاقا من تحيُّزاتهم الفكرية، واصطفافا مع الحزب في معركته الأيديولوجية التي خاضها ضد حزب الأصالة والمعاصرة. ولم تستسغ هذه الفئة تبدُّل مواقف العدالة والتنمية في اتفاقية التطبيع بالدرجة الأولى، وإن ساءها أيضا موقفه الجديد فيما يتعلَّق بالفرنسية ومخدر الكيف.

الشريحة الثانية هي الطبقة الوسطى التي رأت في حزب العدالة والتنمية تيارا سياسيا “نظيفا” و”طاهرا” عكس باقي الأحزاب، وقد أملت تلك الشريحة في تحقيق تغيير يستفيد من موجة الربيع العربي التي انطلقت عام 2011. أما الشريحة الثالثة فهي الفئات الهشة التي انتخبت الحزب سابقا بسبب وعوده بتحسين حياة الناس، لكنها سرعان ما أنهكتها الأزمات الاقتصادية خصوصا أثناء الجائحة، وفي حين أنها لم تلمس أي رغبة حقيقية لدى الحكومة في مساعدتها، فإنها رأت في المقابل الدعم الكبير الذي قدَّمه الحزب الحاكم للشركات الكبرى إبان “حركة المقاطعة” التي أقدمت عليها شريحة مهمة من الشعب المغربي احتجاجا على الغلاء وسوء الجودة.

انفجار داخلي

بعد إعلان نتائج الانتخابات، لم يتأخَّر عدد من قيادات الحزب الإسلامي من المناوئين للعثماني عن الخروج للعلن للتعبير عن غضبهم وخيبتهم من النتيجة “المُذِلَّة” التي حقَّقها، وكان أهم المحتجين هو الأمين العام السابق ورئيس الحكومة السابقة عبد الإله بنكيران، الذي طالب سعد الدين العثماني بتقديم استقالته بسرعة، مُحمِّلا القيادة الحالية مسؤولية النتائج الضعيفة التي حقَّقها الحزب. (10)

وعلى المنوال نفسه، خرجت القيادية آمنة ماء العينين تدعو العثماني لتقديم استقالته، مُعتَبِرة أن القيادة الحالية أصغر من الحزب ودون تطلُّعاته، حيث قالت في تدوينة إن رئيس الحكومة سمح بمرور قوانين انتخابية كارثية، وقدَّم العديد من التنازلات غير المدروسة، ورفض تفعيل مقتضيات دستورية أمكنها إنقاذ الحزب، مُتهِمة إياه بتبني منطق إقصائي حديدي داخل الحزب. (11) وأضافت القيادية “الإسلامية” في تدوينة أخرى أن زمن الإسلام السياسي ولَّى، داعية إلى إعادة قراءة فكر الحزب ومراجعته لأن الجيل الحالي لديه طموحات تختلف عن الجيل المؤسِّس للحركة الإسلامية.

أما الطرف الثاني، وهو أعضاء وأنصار القيادة الحالية للحزب، فاختلفت ردة فعلهم، بدءا من “عزيز رباح”، وزير الطاقة، الذي خرج على صفحته في فيسبوك من أجل تقديم الاعتذار بعد سنوات الوزارة، مُعبِّرا عن دهشته وصدمته من عدد المقاعد التي تحصَّل عليها حزبه، إذ علَّق على ذلك قائلا: “لا أجد أي تفسير لهذه النتائج الكارثية. لو احتسبنا فقط الأعضاء والمتعاطفين وأُسرهم والأقرباء والأصدقاء والجيران وبعض الموظفين الذين جرَّبونا وبعض المقتنعين بعملنا وجهدنا ونزاهتنا، لو احتسبنا هذا فقط لكُنَّا في الرتب الأولى بامتياز”. (12) وقد شكَّكت قيادات أخرى للحزب في النتائج واعتبرت أن المال لعب لعبته في توجيه الناخبين، وهو الطرح نفسه الذي تبنَّته الأمانة العامة للعدالة والتنمية، التي أعلنت بعد ذلك استقالتها الجماعية ودعوتها برلمان الحزب للانعقاد يوم 18 سبتمبر للتباحث حول خارطة الطريق الجديدة للحزب الذي سيعود للمعارضة لأول مرة منذ عشر سنوات. (13)

الحكومة الجديدة.. ما الجديد؟

عزيز أخنوش رئيس الحكومة المغربية الجديد، في لقائه بالملك محمد السادس

 

بعيدا عن النتائج الكارثية التي حقَّقها الإسلاميون، ظهر جليا استفادة بعض الأحزاب من هذا التعثُّر لإعادة الروح إلى حياتها السياسية، وأهم هذه الأحزاب بالطبع حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة الملياردير “عزيز أخنوش”، رئيس الحكومة المُنتظَر، الذي حاز 102 مقعد بعد أن خرج من انتخابات 2016 بـ 37 مقعدا فقط. وتمكَّن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي خسر انتخابات 2016 لصالح الإسلاميين، من الإبقاء على مركزه الثاني رغم المشكلات الكبيرة التي عاشها بُعيد انهيار مشروعه السابق، فتحصَّل على 86 مقعدا. وأتى في المركز الثالث حزب الاستقلال، أحد الأحزاب العريقة الذي اعتبر أمينه العام “نزار البركة” مقاعد الحزب الـ 81 دليلا على عودة “الميزان” إلى سابق قوته بعد خفوت بريقه في الفترة السابقة. ثم جاءت بعد ذلك بقية الأحزاب كالاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدُّم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، التي حافظ جميعها تقريبا على عدد المقاعد نفسه الذي حصلوا عليه في الانتخابات السابقة.

 

يظهر جليا من تلك الأرقام أن حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة أخنوش لن يجد صعوبة كبيرة في تشكيل الحكومة، ويعود الفضل في ذلك إلى سقوط العدالة والتنمية. ويحتاج أخنوش إلى 198 مقعدا للحصول على الأغلبية، ومن ثمَّ يمكنه الدخول في تحالف مع حزب الاستقلال وأي حزب آخر لضمان الأغلبية، كما يمكنه تعزيز هذه الأغلبية بالاستعانة بحزب رابع. أما حزب الأصالة والمعاصرة الذي حلَّ ثانيا، فالتصريحات السابقة لأمينه العام “عبد اللطيف وهبي”، التي قال فيها إن تحالفه مع الأحرار صعب لأنه يريد العمل “مع أخنوش” لا “عند أخنوش”، تجعله المُرشَّح الأول لقيادة المعارضة المغربية، خصوصا أنه عقد تحالفا مع العدالة والتنمية قبيل الانتخابات بهدف الإطاحة بحزب الملياردير في حالة تصدُّره هو أو حليفه الإسلامي للانتخابات.

عزيز أخنوش رئيس حزب الأحرار يدلي بتصريح للصحافة وإلى يساره رئيس حزب الاتحاد الدستوري محمد ساجد وإلى يمينه العثماني

بعد ذلك يبقى السؤال: هل تعني هذه التغييرات في تركيبة الحكومة تغييرا في النظام السياسي؟ تقول صحيفة “نيوريوك تايمز” في هذا الصدد إن تصدُّر الأحرار للانتخابات لن يُغيِّر كثيرا، لأن القرار السياسي في المغرب لا يرتكز على البرلمان بقدر ما يرتكز على السياسات العامة التي يُسطِّرها القصر الملكي. وقد أكَّد الأمر نفسه “عبد الرزاق البياز”، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة، في تصريح له لموقع “SNRT NEWS” التابع للإعلام الرسمي العمومي المغربي، حيث قال إن برامج الأحزاب السياسية تحمل شعارات كبيرة جدا، غير أنها ستُركِّز على اعتماد النموذج التنموي الذي وُضِع من طرف اللجنة التي عيَّنها الملك محمد السادس للنهوض بالاقتصاد المغربي. (14)

 

في نهاية المطاف، ستكون الحكومة المقبلة بقيادة أخنوش أول تجربة حكومية تخلو من الإسلاميين منذ إصلاحات العام 2011، إذ تربَّع الإسلاميون عقدا كاملا على سدة الحُكم في المغرب تنفيذيا وتشريعيا تحت سيادة الملك في الأخير، أما الآن فتُغلِق البلاد آخر صفحات إسلاميي الربيع في العالم العربي، الذين أطاحت بهم الانقلابات العسكرية الخشنة تارة، والدستورية الناعمة تارة. وبينما يشهد المغرب خروجهم السلِس من السلطة بانتخابات مفتوحة، فإن مرارة الخسارة في صفوف الإسلاميين يُعزِّيها على الأقل أنهم ما زالوا حاضرين على الساحة، وأن الأبواب تبقى مفتوحة أمامهم للعودة وفق القواعد نفسها التي أوصلتهم إلى الحُكم، وأن التجربة المغربية الإصلاحية الهادئة مستمرة دون تدخُّلات خشنة أو ناعمة ضد أي طرف سياسي، حتى الآن.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى