ملفات

قطع الجزائر علاقاتها بالمغرب.. عتاب أم نذير بما هو أسوأ؟

ملفات

دويتش فيللهDW

يخيّم التوتر منذ عقود على العلاقات بين الجزائر والمغرب، لكن إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، يأتي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لواقع البلدين. فهل هي القطيعة الأخيرة أم أنها بداية لما هو أسوأ؟

بعد أقلّ من أسبوع من إعلان الجزائر “إعادة النظر” في علاقاتها مع المغرب الذي تتهمه بالتورّط في الحرائق الهائلة التي اجتاحت شمال شرقي البلاد، تدخل الأزمة بين الدولتين الجارتين منعرجاً جديداً إثر قرار الجزائر الأخير قطع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب، معللّة موقفها بما وصفتها “أفعالا عدائية” تتهم الرباط بالقيام بها ضدها.

ويضاف هذا التصعيد إلى سلسلة توترات شهدتها العلاقات الثنائية منذ عقود. غير أنها ومنذ العام الماضي سجلت تدهوراً ملحوظاً مع عودة قضية الصحراء الغربية إلى صدارة المشهد عقب سنوات من الهدوء النسبي.

النزاع في الصحراء الغربية يعد  سبباً رئيسياً لهذا التوتر المستمر منذ عقود، وذلك بسبب دعم الجزائر لجبهة بوليساريو التي تطالب باستقلال الإقليم، بينما يعتبر المغرب الصحراء الغربية جزء لا يتجزأ من أرضه عارضا حكماً ذاتياً تحت سيادته. وسبق للمغرب أن قطع علاقاته مع الجزائر سنة 1976 إثر اعتراف الجزائر بقيام “الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية” التي دعت إليها “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” (جبهة بوليساريو). ولم تُستأنف العلاقات إلا في عام 1988 بعد وساطة سعودية.

محطات من أزمة مستمرة

في عام  1994 تمّ مجددا إغلاق الحدود، في خطوة أقدمت عليها آنذاك الجزائر، عقب اتهام المغرب فرنسيين من أصول جزائرية بالتورط  في تفجيرات مراكش. ورغم أن الحدود بين البلدين ظلت مغلقة منذ عام 1994، إلا أن هذا لم يمنع من بقاء العلاقات الدبلوماسية  قائمة منذ عام 1988. المشهد سيزداد تعقيدا العام الماضي باندلاع أزمة معبر الكركرات بالصحراء الغربية والتي أثارت مخاوف الكثيرين من نشوب “حرب رمال” جديدة. ثم بعد ذلك بتوقيع اتفاقية التطبيع بين المغرب وإسرائيل في العام نفسه.

الجزائر اعتبرت اتفاقية “إعادة استئناف العلاقات مع إسرائيل”، كما وصفها بيان الديوان الملكي الصادر في 22 من ديسمبر2020، تهديدا لأمنها ونددت بما أسمتها “مناورات أجنبية” تهدف إلى زعزعة استقرارها، كما اعتبرت “خطوة التطبيع” ورقة حصل المغرب “مقابلا لها” على اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادته على الصحراء الغربية. غضب الجزائر سيشتد الشهر الماضي بسبب موقف المغرب من قرار مفوضية الاتحاد الإفريقي قبول إسرائيل كعضو مراقب في الاتحاد. واستدعت الجزائر بعد ذلك سفيرها لدى المغرب “للتشاور”، بعد أن أعرب دبلوماسي مغربي عن تأييده للحركة الانفصالية في منطقة القبائل ردّاً على دعم الجزائر للانفصاليين في الصحراء الغربية.

ومنذ سنوات يطالب المغرب بإعادة فتح الحدود البرية مع الجزائر، وفي ذكرى اعتلائه العرش في 31يوليوز 2021 أعرب ملك المغرب محمد السادس عن أسفه للتوترات بين البلدين ودعا إلى إعادة فتح الحدود البرية بين البلدين. في المقابل ارتأت الجزائر وفق تصريحات مسؤولين في مناسبات عديدة على إبقاء الحدود مغلقة لـ “أسباب أمنية”.

اليوم وبعد إعلان قطع العلاقات من قبل الجزائر عبّر المغرب عن “أسفه” واصفاً الأسباب المقدمة بـ”غير المبررة”. فيما علّق رئيس الحكومة المغربية الحالية، سعد الدين العثماني على ذلك بالقول إن “عودة العلاقات بين الجارين المغرب والجزائر هو قدر محتوم وضروري”.

إلى أين تتجه الأمور؟

اليوم بعد الخطوة الجزائرية الأخيرة، أسئلة عدة تطرح نفسها حول مستقبل العلاقة بين الدولتين الجارتين، فهل تكون الحلقة الأخيرة؟ أم أنها الأولى لمسلسل قد يتجه نحو الأسوأ؟

يتوقع المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر، توفيق بوقاعدة أن قطع الجزائر لعلاقتها الديلوماسية مع المغرب وما رافق ذلك من تصريحات واتهامات متبادلة سوف تكون “ذروة” التوتر بين البلدين. وعلّل في حوار لـ DW كلامه بالقول إن ”طبيعة العلاقة بين الدولتين الشقيقتين وكذلك المعطيات الواقعية سواء المرتبطة بالمنطقة أو بالواقع الدولي، تمنع من تطور الأمور إلى حرب بينية بين الدولتين”. وأضاف: ”في تصوري هذا التوتر سوف يبقى في حدوده السلمية ولا يمكنه أن يتطور إلى شيء آخر والمستقبل القريب سوف يعيد ترتيب الكثير من الأوضاع. هذه الأزمة، بالرغم من أثرها السلبي ووقعها المؤلم على الشعبين الشقيقين، لكني أعتقد بأنها سوف تؤسس إلى علاقة صحّية في الأيام القادمة”.

رأي يوافقه فيه كثير من المحللين، لكن هناك أيضا من يتوقع العكس. فالباحث والخبير المتخصص في الشؤون المغاربية، الدكتور أحمد نور الدين يرى بأن مسلسل التصعيد هذا قد يفضي إلى “مواجهة عسكرية” محملا الجزائر جانبا كبيرا من المسؤولية. وأشار في حوار لـ DW إلى أن “مسلسل التصعيد ضد المغرب والذي دشنته قيادات النظام الجزائري السياسية والعسكرية منذ فترة ليست بالقصيرة، يمكنه أن يجزم دون تردد أنّ إعلان قطع العلاقات مع المغرب ليس إلا تحصيل حاصل ويمكن أن يتحوله إلى مواجهة عسكرية، خاصة وأنّ وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة صرح خلال الندوة الصحافية يوم أمس أنّ “التكهن بما قد يحصل مستقبلا.. لا أريد أن أخوض في ذلك، والفرضيات مفتوحة”..هذا ما قاله حرفيا ويمكن العودة إلى التسجيل بالصوت والصورة”، يقول الخبير المغربي.

“الجزائر تلتمس حسن النية”

في المقابل، يعتقد المحلل الجزائري توفيق بوقاعدة أن الكرة هي الآن “في ملعب المغرب”، معللا بأن على الأخير “مراجعة حساباته وإدراك حجم الخسائر التي ستلحقه جراء قطع العلاقة بين البلدين، سواء على المستوى الإقتصادي أو حتى فيما يتعلق بالبعد الإستراتيجي”. وتابع بوقاعدة: “المغرب مطالب أولا بتقديم توضيحات فيما يتعلق بموقف سفير المغرب بالأمم المتحدة عمر هلال ومذكرته التي أثارت استياءاً ليس من قبل السلطة فحسب، بل لدى عموم الشعب الجزائري. لأن الوحدة  الوطنية بالنسبة للجزائر هي خط أحمر لا يمكن لأي شخص أن يعبث بها”. في إشارة إلى تصريحات الدبلوماسي المغربي عن ما أسماه “تفهمه” للحركة الانفصالية الأمازيغية في الجزائر.

وتابع بوقاعدة أن الجزائر ليست من “دعاة الصراع سواء مع المغرب أو مع غيره” من الدول وأنها تلتمس من المغرب إظهار “حسن النية” من خلال علاقات مبنية على “الوضوح  والإلتزام السياسي من الطرف المغربي في عدم مهاجمة الجزائر وعدم العبث بأمنها والتحالف مع أطراف إقليمية ودولية ضدها”.

تستر على الأزمات الداخلية؟

في المقابل يرى الخبير في الشؤون المغاربية، الدكتور أحمد نور الدين أن عوامل الإنفراج وإبداء حسن النية تكمن في “الجلوس إلى مائدة الحوار وحلّ الخلافات العالقة والمتراكمة والمجمدة منذ سنوات، وهو ما اقترحه العاهل المغربي بشكل رسمي ثلاث مرات في نوفمبر 2018، وفي غشت 2019، وأخيراً في غشت 2021، ولكن المبادرات الملكية قوبلت بالرفض من طرف النظام الجزائري”.

الدكتور أحمد نور الدين طرح بعدا آخرا مفاده أن التصعيد مع المغرب بالنسبة للجزائر، “ورقة” لغض الطرف عن الأزمات السياسية المتراكمة والتطورات الأخيرة التي شهدتها البلاد، ويقول: “أمام مخطط واضح المعالم وإرادي للتصعيد كآخر ورقة في يد السلطة الجزائرية من أجل تصدير أزماته الداخلية المتعددة وترميم الجبهة الداخلية المتفككة بما في ذاك صراع الأجنحة داخل الجيش الذي وصل مستويات غير مسبوقة بوجود 31 جنرالا في السجون الجزائرية حاليا، وفرار آخرين إلى إسبانيا وفرنسا وبلجيكا ومنهم قائد الدرك السابق الجنرال بلقصير”.

عودة بعد “اختفاء ديبلوماسي”

توتر العلاقات بين القوتين الوازنتين في شمال غرب إفريقيا والجارين الشريكين لأوروبا، قد تكون له خلفيات أخرى، وفق ما تراه إيزابيل فيرينفيلز، رئيسة قسم شمال إفريقيا والشرق الأوسط في مؤسسة العلوم والسياسية في برلين.

في حوارها مع DW وصفت الخبيرة الألمانية قرار الجزائر بأنه “محاولة لإرسال إشارة قوية للداخل والخارج. مفادها أننا عدنا، ويجب أن نتعامل مع الأمر بجدية”. وتابعت: “اختفت الجزائر دبلوماسياً من المشهد لفترة طويلة للغاية قد لا تقل عن عقد من الزمان، بل و أكثر من ذلك. والآن يقول الجزائريون، بمن فيهم وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة، عندما يتجول عبر إفريقيا: لقد عدنا. يجب أن نأخذ على محمل الجد ونحن الفاعل المناهض للتطبيع”.

ترى فيرينفيلز أن رغبة الجزائر في “إظهار أنها مازالت تقف إلى جانب الفلسطينيين وأنها لا تشارك في جهود التطبيع الإسرائيلية، هي إشارة سياسية محلية مهمة أيضاً  في وقت لا تحظى فيه الحكومة الجزائرية الحالية بالشعبية المحلية على الإطلاق”. رغم إعلانه قطع بلاده العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، أكد وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة أن ذلك “لا يعني أن يتضرر المواطنين بين البلدين” و أن القنصليات ستباشر عملها بصفة طبيعية. الأمر الذي تنظر له الخبيرة الألمانية، إيزابيل فيرينفيل  على أنه لن يخفف الكثير من مستوى التوتر، وأن الأمر  يتعلق بما وصفته “ساسية الباب الموارب”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى