تدوينات مختارة

أستاذ بجامعة القاضي عياض: أكبر عملية تضليل يتعرض لها الرأي العام هي اعتبار ما أقدم عليه قيس سعيد تأويل للدستور

تدوينات مختارة

عمر إحرشان: أستاذ بجامعة القاضي عياض
أكبر عملية تضليل يمكن أن يتعرض لها الرأي العام هي عدم تسمية الأشياء على حقيقتها. ومن ذلك توصيف ما أقدم عليه قيس سعيد بأنه تأويل للدستور، والحقيقة أن قراراته لا يمكن إيجاد تفسير وتأويل لها دستوريا.
الدستور يتحدث عن عدم حل مجلس النواب، ولا حديث فيه عن مصطلح التجميد، ويتحدث عن حالة انعقاد دائمة لهذا المجلس. ولذلك فمحاولة تأويل قرار قيس سعيد لإسباغ طابع الدستورية عليه تضليل. كيف يقوم النائب المنتخب من طرف الشعب بمهامه في ظل عدم تمتعه بحصانة ملازمة لصفته وعمله؟ بل كيف يقوم بمهامه وقد تم إغلاق المؤسسة التشريعية ووضع على بوابتها قوات الأمن أو الجيش؟
الدستور لا يسمح لرئيس الدولة بإقالة رئيس الحكومة نهائيا ولو في ظل الوضع الاستثنائي، ولذلك فمحاولة تبرير الإقدام على هذه الخطوة بالخطر الداهم مردود على صاحبه، ولا يمكن التماس عذر لصاحبه والتعسف على الدستور لشرعنته.
النظام السياسي التونسي شبه رئاسي يجعل السلطة التنفيذية برأسين تتقاسم مهامها، وعلى هذا الأساس انتخب قيس سعيد وأقسم على احترام الدستور، وها هو ينقلب ويتراجع عما أقسم عليه.
مسؤولية حماية الدولة والديمقراطية والثورة مشتركة يتحملها:
أ_ الشعب التونسي: وهو مسؤول عن اختياره إن وقع ضحية التضليل وسيدفع الثمن غاليا في المستقبل القريب إن لم يتصد للانقلاب وللانقلابيين؛
ب_ القوى التونسية: بمختلف تياراتها واختصاصاتها، سواء كانت أحزابا أو نقابات أو جمعيات مجتمع مدني، وتغليب كفة الاختلاف مع حركة النهضة لمباركة الانقلاب مزلق ستؤدي هذه التيارات ثمنه عاجلا أم آجلا، وكلنا يتذكر ردود فعل بعض القوى بعد انقلاب بنعلي عام 1987 التي فضلت الاستبداد المتنور فكانت من المتضررين من تنوره لأن الاستبداد استبداد مهما تغير لونه وتسميته. ولذلك فكل طرف تردد أو تأخر في إصدار موقف واضح مما يحدث في تونس يعتبر مباركا أو على الأقل غير مبدئي في دعمه للديمقراطية، وكل من ارتاح في المنطقة الرمادية ووسع نطاقها فهو يجد ضالته في الانقلاب ويريد الحصول بالانقلاب على ما عجز على الحصول عليه بالديمقراطية والانتخابات.
ج_ الجيش والمؤسسة الأمنية: وهي أمام اختبار حقيقي لوطنيتها وحيادها وابتعادها عن الصراع السياسي وانتصار للوطن والتزامها بالدستور والقانون.
د_ المنتظم الدولي: لأن تونس ليست جزيرة معزولة عن محيطها، وكل المنتظم الدولي معني بما يحدث فيها، سواء الدول أو المنظمات الدولية أو الإقليمية أو المنظمات غير الحكومية، وترددها ليس إلا ضوء أخضر ومباركة مبطنة للانقلابيين.
ه_ الإعلام: دور الإعلام أساسي في نقل الحقائق كما هي وتحقيق توازن ومهنية وحياد في نقل الصورة للرأي العام. وسيكون دور الإعلام حاسما في تشكيل قناعات الناس ولذلك سيكون هو أول مستهدف من طرف الانقلابيين لأن المستبد عدو الحقيقة ويحب الاشتغال في الظلام ويرى في الإعلام عدوا يعري حقيقته ويفضح سلوكاته.
تونس منذ أمس أمام اختبار حقيقي والتوانسة سادة قرارهم ومسؤولون عن خياراتهم وفي يدهم مصيرهم. هم من اختار قيس سعيد وعليهم دفع ثمن ذلك، وهم من اختار النهضة وعليهم دفع ثمن ذلك. ولكنهم دفعوا ثمنا باهظا لتحقيق ثورة وتأمينها من مطبات كثيرة وعليهم الحفاظ عليها لأن الانقلابيين لا عهد لهم ولا ذمة ولن يفوا بأي وعود، وللتوانسة في مصر منذ انقلاب السيسي مثال.
الربيع العربي حالة شعبية تتشكل وفق تموجات كل لحظة وليس لحظة جامدة، قد يتأثر بما يحدث في هذا البلد أو ذلك ولكنه لن يغيب عن أذهان الشعوب أنها حين تريد وتتحد تحقق ما تطالب به.
لا تلعنوا الربيع العربي فهو بريء مما يحدث، ولكن يلام من تصدر المشهد بعد نجاح الربيع العربي وفرط في أهدافه ومنهجيته. واللوم له طرائقه الكثيرة والتي لا يمكن إطلاقا أن يكون منها دعم الانقلابات.
رجاء لا تخلطوا بين مرتكب الخطأ ومرتكب الخطيئة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى