تدوينات مختارة

يونس مسكين: المغرب بيغاسوس معطيات وملاحظات

تدوينات مختارة

يونس مسكين: صحافي ومدير نشر جريدة أخبار اليوم سابقا

متابعة موضوع زوبعة التجسس المحتمل على مواطنين مغاربة باستعمال برمجية إسرائيلية عملية مرهقة تتطلب ساعات من القراءة والبحث، هذا بعض مما سجلته عنها بعد يومين من القراءة:

– أول ما يسترعي الانتباه أثناء محاولة فهم ما يحصل ولو جزئيا، هو هذا الاتفاق الذي وقعه المغرب مع إسرائيل في مجال الأمن السيبراني، وذلك قبل أقل من أسبوع من نشر تقرير لتحالف دولي مكون من مؤسسات إعلامية كبرى حول علاقة مفترضة للمغرب بشركة NSO الإسرائيلية، صاحبة برمجية تسيطر على الهواتف المحمولة وتتجسس عليها؛
– الاتفاق وقعه عن الجانب المغربي الجنرال مصطفى الربيعي، مدير مديرية الأمن السيبراني في إدارة الدفاع الوطني، وهو ما يدل على الطابع الاستراتيجي للعملية، ويبعدها عن بعض الشبهات التي قد يثيرها البعض حول وقوف جهة أمنية معينة وحدها خلف الخطوة (في تقديري على الأقل)، فما نعرفه عموما هو أن تدبير الملفات حين يصل إلى مستوى الجيش فإنه يرتبط بتفكير استراتيجي رصين لا يترك مجالا كبيرا للمناورات الصغيرة،
– الربط المنطقي بين الأحداث يؤكد وجود صراع ما في خلفية المشهد، خاصة من جانب الفرنسيين الذين نعرف جميعا أساليبهم الماكرة وحساسيتهم تجاه أية محاولة مغربية للتململ والخروج من سيطرتهم شبه المطلقة على الشؤون الاستراتيجية للمغرب، وعلى رأسها الأمن،
– الشركة الإسرائيلية NSO وإن كانت تصر في تقاريرها وبلاغاتها على طابعها الخاص وبعدها عن أي تأثير حكومي، لا تقدم على منح خدماتها لأي من “زبنائها” الخارجيين دون إذن مسبق من الحكومة الإسرائيلية، وتحديدا وزارة الدفاع،
– سبق لدفاع مجموعة من الإسرائيليين الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا لشركة NSO أن أكدوا الطابع الدبلوماسي للشركة، خاصة في علاقات إسرائيل بالدول العربية، حيث تعتبر خدماتها ورقة تفاوض أساسية، ويقولون إنها كانت حاسمة في التمهيد لتوقيع اتفاقيات “ابراهام” التطبيعية بين دول خليجية وإسرائيل،
– بروز قضية هذه الشركة الإسرائيلية عالميا جاء بسبب قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، حيث تبيّن من خلال التحقيقات التي أعقبت الاغتيال مساهمة برمجية الشركة في تعقب الصحافي ومحيطه، بل وحتى هاتف المدعي العام التركي الذي كان يحقق في قضيته، وهو ما دفع الشركة الى إنهاء عقودها مع بعض الدول الخليجية، بفعل ضغوط دولية،
– المجال الأول الذي ظهر فيه نشاط الشركة وأثار قلقا عالميا كان قبل ملف خاشقجي، في المكسيك، حيث حصلت الشركة على أول عقودها الكبرى للتعاون مع السلطات، ليتبين بعد وقت قصير استعمال البرمجية في مراقبة وتعقب العديد من الصحافيين والحقوقيين والسياسيين، وكان الدور الأساسي في كشف ذلك لمختبر Citizen Lab الكندي، وهو هيئة علمية جامعية موثوقة ومشهود لها بالدقة في معطياتها،
– بناء على معطيات المختبر الكندي، سوف تضع منظمة العفو الدولية يدها على قاعدة بيانات تضم 50 ألف رقم هاتفي لأشخاص أبانت المعطيات التقنية تعرضهم لاختراق من طرف البرمجية الإسرائيلية، وبناء على تلك المعطيات تم تشكيل تحالف صحافي دولي مهمته تقاسم عملية التدقيق في مدى صحة تعرض تلك الأرقام للاختراق، وذلك من خلال التواصل مع أصحابها، ودعوتهم إلى إخضاع هواتفهم لخبرة تقنية، وهي العملية التي تقول هذه الجهات إنها أفضت إلى نسب مرتفعة تفوق 80 بالمائة من حيث تأكيد تعرض تلك الهواتف للاختراق،
– يضم التحالف الدولي كلا من “غارديان” و”لوموند” و”واشنطن بوست” و”هآريتز دي ماركتز” و”راديو فرنسا” و”درج” من بين 15 مؤسسة إعلامية يتميز جلها بسمعة ومصداقية كبيرين، مع توفرها على أقسام متخصصة في الصحافة الاستقصائية، ما يعني أنها ليست مؤسسات مستعدة للمغامرة بسمعتها،
– وجه هذا التحالف استفسارات إلى جميع الجهات المعنية، بما فيها الشركة الإسرائيلية والحكومات التي يفترض أن عددا كبيرا من مواطنيها قد تعرضوا للتجسس، فكان رد السفارة المغربية في فرنسا (قبل نشر التقرير) بنفي أية علاقة بين المغرب وبين الشركة الإسرائيلية.
– هذه الأخيرة شككت أصلا في قاعدة البيانات التي استعملها الائتلاف، وقالت إن قائمة الـ50 ألف رقم لا تندرج ضمن الهواتف التي استهدفتها بواسطة برمجيتها، وإن كانت لا تنفي إمكانية قيام “زبنائها” بإخفاء الأرقام التي يتم اختراقها عنها،
– تحصي العملية وجود حوالي 180 صحافي عبر العالم تم استهدافهم بالاختراق، ينتمون أساسا إلى دول الهند والمكسيك والمغرب وفرنسا، إلى جانب دول أخرى. فيما يوجد صحافيون رفعوا دعاوى أصلا ضد الشركة الإسرائيلية، في كل من قبرص وداخل إسرائيل نفسها كما هو الحال مع صحافي من المكسيك وآخر من قطر وصديق للصحافي السعودي خاشقجي…
– استئثار المغرب بحصة 20 بالمائة من مجموع الأرقام التي يقول الائتلاف ومعه منظمة أمنستي إنها تعرضت للاختراق يبقى علامة الاستفهام الكبرى. هل 50 ألف رقما هو مجموع الأهداف التي تم اختراقها من طرف البرمجية الإسرائيلية، وبالتالي كان نصيب المغرب بهذا الحجم الكبير؟ أم إن عملية البحث عن الأرقام المخترقة كانت موجهة منذ البداية وتعمدت البحث عن معطيات ترتبط بالمغرب؟
– صحيفة لوموند في عددها لهذا اليوم، ردّت على البلاغات المغربية الرسمية وقالت إن الأدلة التي يطالب بها المغرب على تورطه في هذه القضية منشورة للعموم، وتشير إلى تقرير “قصص منسية” الذي نشر قبل يومين. هذه المعطيات تتمثل في بصمات رقمية، وهو ما يتطلب ردا تقنيا مفصلا من طرف متخصصين وليس بلاغات خطابية، وهذا نموذج لهذه الأدلة المزعومة، لمن يرى في نفسه الأهلية لمناقشتها:
Based on our knowledge of the domains used in Morocco we developed a fingerprint which identified 201 Pegasus Installation domains which had infrastructure active at the time of the initial scan. This set of 201 domains included both urlpush[.]net and free247downloads[.]com.

الخلاصة؟
المهم في مثل هذه القضايا، سواء بالنسبة للمواطن العادي أو للمراقب المختص أو الصحافي، ليس الانحياز إلى هذه الرواية أو تلك، بل المهم هو المقاربة في التناول. بالجزم والمطلق ليس هناك ما يسمح بتبني هذه الرواية أو تلك باعتبارها “حقيقة”، بل لابد من تنسيب واحتياط وإعمال للمنطق.
شخصيا يمكنني تسجيل الخلاصات التالية:
– قيام بعض الجهات الخارجية باستهداف المغرب وارد جدا وممكن، خاصة ان الامر يتعلّق بصديقتنا العزيزة فرنسا. لكن هذا الاستهداف قد يكون باختلاق الأكاذيب، كما كان الشأن مع السلاح النووي والبيولوجي لصدام حسين الذي تبين لاحقا انه مجرد أكذوبة، كما يمكن أن يتم عبر توظيف أخطاء حصلت بالفعل، وبالتالي نحتاج كمجتمع إلى الحفاظ على اليقظة،
– الدولة في مثل هذه الحالات، ومن منظور ديمقراطي، عليها أن تتوجه إلى المجتمع وتخاطبه وتوضّح له وتناقش ممثليه من السياسيين والحقوقيين والإعلاميين، كي تطمئنه وتؤكد له حرصها على حماية حقوقه، بدل الاكتفاء بمخاطبة الخارج كما لو أننا نعيش في هذه البلاد من أجل الدولة، بل هذه الأخيرة من يفترض فيها أن تكون هنا من أجل الانسان وفي خدمته،
– عندما تكون الدول الديمقراطية في حروب مشتعلة ودامية، كما كان الحال مع أمريكا في فيتنام، لا تحوّل شعبها إلى جيش احتياطي إلا بالقدر الذي يتطلبه الدفاع عن الأمن القومي، عدا ذلك يواصل الناس احتجاجاتهم ومظاهراتهم والتعبير عن مواقفهم المعارضة لموقف الدولة نفسها في عز حربها، لأن الشعوب هنا لتمثل الضمير الإنساني، ولا لتكتفي بحمل السلاح خلف الدولة. هذا التوزيع في الأدوار والفصل بينها هو ما يحقق التوازن للأمم ويحميها من الوقوع في انحرافات كبرى.
– ليس مستحيلا أن يكون المغرب قد استعمل البرمجية الإسرائيلية، دون أن يعني هذا أن الحكومة تكذب، بل وكما هو الحال في معاملات تجارية أخرى مع إسرائيل، قد يمر الامر عبر وسيط غير مباشر…
– استعمال برمجية NSO ليس جريمة في حد ذاته، بل هو سلاح كباقي الأسلحة التي تشتريها الدول، وعليها أن تمتلكها حتى تدافع عن أمنها، وقد يكون ذلك من أسباب تحامل وارد من طرف قوى دولية أولها فرنسا،
– في سياق سياسي ومؤسساتي مثل الذي نعيشه في المغرب، من المشروع إن لم يكن من الواجب، الشعور بالقلق والخوف من استعمال مثل هذه الوسائل في التضييق على السياسيين والحقوقيين والإعلاميين، ومن المشروع والواجب كما هو الحال في جميع الدول الديمقراطية، الاحتفاظ بقدر كبير من اليقظة وقوة الضغط المجتمعية لمنع السلطة التنفيذية من الانحراف في هذا المجال، وهو ما نفتقده تماما حيث تغيب أية رقابة برلمانية او مدنية أو إعلامية في هذا المجال،
– المصدر الإسرائيلي للبرمجية عامل يضاعف مستوى القلق والخوف، لأن مستوى الرقابة الديمقراطية على المعاملات التجارية والأمنية والعسكرية للدولة الإسرائيلية مع الخارج، وتحديدا الدول العربية، ضعيف جدا. فرغم الواجهة الديمقراطية لإسرائيل إلا أنننا نعرف طبيعتها العنصرية والعدائية وبالتالي لا شيء يستبعد تنفيذ الدولة العبرية لأنشطة فاسدة لحساب الأنظمة أو حلفائها داخل بعض الدول، عكس الشركات الغربية التي تظل إمكانية مراقبتها من طرف برلمانات وجمعيات بلدانها قائمة، بشكل نسبي طبعا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى