وجهات نظر

سفيان اكديرة: الاختلاف لا يفسد في الود قضية.. حول الطرب الغرناطي بمدينة الرباط

وجهات نظر

سفيان اكديرة: باحث في مجال الفن

وأنا أطلع على بعض محتويات مجلة ” باب ” الصادرة عن وكالة المغرب العربي للأنباء، لفت انتباهي ملف حول ” الطرب الغرناطي”، شارك فيه كل من الفنان الشيخ الحاج أحمد بيرو والفنانة بهاء الروندة والفنان رشيد التومي ثم الباحث أحمد عيدون، وما شدني إلى قراءة هذا الملف هو عنوانه الأول الموسوم ب:”خلاف بين المولوعين قد يفسد في الود قضية”، فبدأتُ القراءة حيث وقفت على الكثير من القضايا التي قد ترقى إلى أن تكون نقاشا علميا معتبرا في دوائر البحث، ولا أخفيكم أنني منشغل بهذا الموضوع منذ مدة حيث أسعى إلى التقاط إشارات مختلفة من أجل لملمة أطراف دراسة لا زالت تشغلني عنها – حتى الآن- الكثير من الأولويات التي علي إنهاؤها في القريب العاجل.

لقد جرى النقاش حول قضايا أساسية ومهمة-كما قلت- إلا أنه وللأسف اتخذ منحى غير محمود.

بداية، تحدث المتدخلون عن هوية الطرب المسمى ” غرناطيا” فهناك من قال أنه جزائري جاء إلى المغرب، وهناك من قال أنه مغربي الأصل لكن الجزائر هي التي أشعلت فتيلته من جديد ليتوهج بدءً من فترة العشرينات من القرن الماضي -وهو الأمر الذي أميل إليه مؤكدا على الإضافات التي قدمها أهل الرباط فيه على مستويات عدة-.

سأتجاوز المضمون المفصل لكلام الأساتذة الأفاضل الذين تحدثوا بحياد وعبروا عن رؤيهم بكل موضوعية، باستثناء الفنان رشيد التومي الذي دفعني كلامه إلى تسجيل ثلاث ملاحظات أساسية :
1- الملاحظة الأولى هي بخصوص الأحكام الجزافية التي صرح بها رشيد التومي والتي تتنافى وطبيعة العقل الثقافي الذي نشتغل فيه جميعا، ونحن في هذا المساق نسير مسير نقاد الفن والأدب الذي يشجبون هذا النوع من التفكير حيث يرون أنه ” لا يُحتجُ بِذوقٍ على ذوقٍ”، فالنقد هاهنا يجب أن يكون مؤسسا على أصول موضوعية من التفكير، بدل إلقاء الكلام على عواهنه خصوصا في منبر إعلامي معتبرٍ كمجلة ” باب “…

إن الفنان رشيد التومي يريد أن يقيّم إرثا تاريخيا تبلور فاستوى عند أساتذته المعاصرين والذين على رأسهم شيخ الجماعة الفنان الحاج أحمد بيرو، ولعمري أنه وقع في المحظور لأنه لم يقدم ولو سببا موضوعيا واحدا دالا على كلامه…

وأما قوله أن الفنانة بهاء الروندة تغني بدون عزف فهو رأي مردود عليه أيضا، لأن صوتها فيه الكفاية النغمية في الأداء الجميل، إذ الجميع يعلم أن الصوت آلةٌ، بل إنه أقدم آلة موسيقية عرفها الوجود …. ويعلم الكثير من المهتمين أن الدراسات والأبحاث الموسيقولوجية أكدت الطاقات التعبيرية التي يكتنزها الصوت الإنساني والتي لا تجاريه فيها أي آلة من الآلات الموسيقية … حيث بإمكانه التعبيرعن ما تعجز عنه الآلات جميعها.

– الملاحظة الثانية التي يجب أن نأخذها في عين الاعتبار هي أن الفنان رشيد التومي جزائري الأصل؛ وقد استقر بمدينة الرباط في هذه السنوات الأخيرة، وبالتالي طبيعي أن يرى في مدرسة وجدة مدرسة مثالية لأنها هي الأقرب إلى أجوائه الفنية والتداولية بحكم الجوار والقرب الجغرافي.

لكن الرباط هي شيء آخر، إذ في تبنيها للطرب الغرناطي عملت على جعله يكتسب صبغة خاصة بحكم وجود مجموعة من الفنون المحلية كطرب الآلة، حيث ظهر مجموعة من العازفين المخضرمين أمثال الحسين بلمكي الحجام وعبد السلام بنيوسف وأحمد بيرو إلخ، وبالتالي فإن صيغة وأسلوب الطرب الغرناطي بالرباط اتخذا مناحي متعددة ومنفتحة جعلت الوافد أصيلا في تربتها المحلية، ونحن لا ننكر مركزية الرافد الجزائري في هذا الطرب، إلا أنه ما فتئ بالرباط يتجدد بتثاقفه مع الآلة الأندلسية التي أثرت فيه على مستوى الأسلوب كما أدخَلَت إلى حظيرته مجموعة من الآلات الموسيقية التي اغتنى بها …

ثم إننا ندرك أن هذا الكلام قد لا يعجب التيار التقليداني الذي يرى أن هذا الفن يجب أن يبقى على ما هو عليه؛ وهو المنحى الذي سار عليه رشيد التومي حيث يقول في ذات المقال:” لا مجال للتجديد في هذا التراث”، وهذا لعمري رأي ضيق ومحدود لأنه ما فائدة هذا التراث إذا لم نعمل على جعله معاصرا لنا؟؟ وفي ماذا يتجلى العيب إن نحن عملنا على إرفاده بمقومات نراها مناسبة له ؟؟

والجميع يعلم ما أخذه الجزائريون من المغرب من ملحون وموسيقى الطوائف وغيرها من الفنون التي أصبغوها بروحهم وأسلوبهم الفني الذي نحترمه كثيرا، فلماذا لا نقول نفس الكلام؟؟

2- وأود أن أؤكد في الختام، أن هذا الكلام الذي صدر من طرف الفنان رشيد التومي والذي أعتبره نشازا في حق الهوية المحلية للطرب الغرناطي بمدينة الرباط، يأتي لينبه على ضرورة الالتفاف المحلي لمقاربة هذا الفن مقاربة ناجعة على مستويات شتى (علمية وفنية وتنظيمية إلخ) بغية تمنيعه من الهجمات التي تريد أن تفكك عناصره ومقوماته والتي تمثل ركائز وجوده بهذه المدينة الغراء…

ومن ثم إنني أدعو إلى عقد مناظرة علمية بعنوان:” الطرب الغرناطي بالرباط وسؤال الهوية” يشارك فيها أساتذة وباحثون من مجالات متعددة (التاريخ- الموسيقى- الأدب- الأنتروبولوجبا- السوسيولوجيا إلخ) من أجل بناء تصور علمي واضح تبنى عليه التنظيمات الفنية والعلمية التي من شأنها النهوض بهذا الفن الأثيل، كما إنني أدعو إلى توحيد كلمة الفاعلين المحليين وإلى التآمهم بغية خلق مناعة تقي الطرب الغرناطي المغربي من مختلف أشكال الاستيلاب الثقافي الذي يتغذى على التفرقة والخلاف…

ولا تفوتني الإشارة إلى أن مسألة خلق معهد موسيقي يعنى بهذا الطرب أصبحت ضرورة لازبة ومهمة لضمان استمراريته وامتداده للأجيال اللاحقة؛ ولعل هذه المسؤولية ملقاة على عاتق الأستاذ أحمد بيرو وخلفه الفنانة بهاء الروندة والفنان أمين الدبي والفنان طه بيرو وغيرهم من الذي يعملون بجد من أجل ضمان سيرورة هذا الفن الأصيل والواعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق