ثقافة وفنون

جبران تأفل بروحها و تسكن جنبات الذاكرة (بورتريه)

ثقافة وفنون – بورتريه

خديجة مدياز

 

جبران تأفل بروحها و تسكن جنبات الذاكرة

تكلمت الروح عندما تألمت، وذابت شمعة حياتها عندما غادرت، “سعدية أقريتيف” أو بالأحرى “ثريا جبران”أعلن الموت إسدال الستار عن نهايتها ،لا ليست النهاية إنما بداية الاعتراف بإنجازات هذه المرأة.

في أول مرة تنفست “الثريا”هواء الحياة كان عام 1952بشهر أكتوبر، ترعرعت الفنانة بين زقاق درب السلطان بمدينة الدار البيضاء.

تيتمت صغيرة و ٱحتضنها والدها الثاني قائلا لها: تعالي أنا بجانبك دوما، لم يحسسها المسرح أبدا بأنها وحيدة، جعلها “أب الفنون” تأخذ نصيبها من النجاح فلا بد للمرء أن يتذوق طعم الإنتصار بعد مرارة السير في طريق كله أشواك.

فجر استقلال المغرب ، تخرجت الفتاة الصغيرة وقتها من المرحلة الإبتدائية و التحقت بعد حصولها على شهادة الباكالوريا بالمعهد الوطني التابع لوزارة الشؤون الثقافية، لتحصل بعد ذلك على شهادة التخصص المسرحي الذي اعتلته منذ الثمانينيات والتسعينات.

فتحت “ثريا جبران”عينيها على عوالم مجتمعية هشة أثرت في رحلة مسارها، بحثا عن ذاتها وإيصال صوتها، زوج أختها محمد جبران منحها اسمه لتدخل غمار التجارب فوق خشبة المسرح.

بين واقع وخيال وبين حقيقة و وهم ، جسدت ثريا بجسمها النحيف ونظراتها الغاضبة شخصيات مختلفة أوصلت بها رسائل سياسية واجتماعية.

وفي كل مرة صعدت فيها لخشبة المسرح وجدت جمهورا كبيرا يدعمها ويستمع “لألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ”، وتضيف ثريا قائلة لا زالت هنالك “حكايات بلا حدود”.

ساعات طوال والكل واقف لمشاهدة “أربع ساعات في شاتيلا”ثريا كالعادة تنغمس في كل دور تلعبه تحسس محبيها بأنها تلك الشخصية وهذه حقيقتها.

“شفاه الصمت”لم تعرف ثريا طريقه هي “تحدثت وبعثت رسائل سياسية لبعض الفاسدين والطغاة المتوارين وراء ثوب الصالحين”. لكنها نالت عقابا قاسيا بعد اختطافها قبل ظهورها في برنامج تلفزيوني،ورغم ذلك ظلت شامخة ومناضلة في سبيل إيصال صوتها.

بين سخرية وفكاهة وصرامة، شاركت القديرة بأعمال عدة تركت بفضلها بصمة لا مثيل لها على خشبة المسرح المغربي والعربي،خلفت وراءها إنجازات كبيرة وكتب الفن في سطور أوراقه ، ثريا جبران هي المرأة الرائعة والذكية الصامدة والصبورة.

الجميع اعترف بما قدمته ، ولو أن الموت أخذها إلا أن أعمالها ستحيي روحها دائما، يقول اللعبي صديق ثريا “يبدو لي أنها كانت تقرأ في جراحي بقدر ما كنت أقرأ في جراحها، ولم نكن في حاجة للتعبير عن ذلك”.

ثريا بحركاتها و إيماءاتها الباذخة استطاعت إيصال أفكارها دون صوت، فهي أعطت الكلمة للجسد لينطق بما لم تنطقه الشفاه.

“الشعر بالنسبة لي هو المسرح الأصفى”هكذا عبرت الفنانة المغربية عن حبها للشعر أيضا، فكل أمر متعلق بالفن وجدتها تعشقه وتتعمق في تفاصيله.فهي استعادت الحكم الخالدة “للشاعر الشعبي الصوفي المجذوب،” وقرأت أبيات شعر كثيرة رافعة صوتها لتؤكد حضورها.

يرتدي المرء شخصيات متعددة حسب كل مكان يتواجد فيه ويقول “ياسين عدنان”كانت ثريا عائدة لتوها من اجتماع مع الوزارة سرعان ما تحولت بذلك إلى ربة بيت تخدمنا بنفسها متحملة شقاوة زوجها وضيوفها المشاكسين.”

و في كل مرة يشارك معها فنان تجربة مسرحية يشعر بالفخر، و “البشير عبدو” يقول دائما لي الشرف في أن أشارك مع الممثلة ثريا جبران مسرحية “إمتى نبداو”(متى نبدأ) إنها مزيج بين “المرأة الغاضبة” والمرأة المضحكة.

ثريا جبران هي سيدة الركح وصاحبة القلب الطيب في نظر الفنانة المغربية “حنان الإبراهيمي”التي اعترفت بعطاء هذه المرأة المشاكسة والمغامرة في حياتها.
وأنهت سناء عكرود ما بدأته حنان معتبرة أن ثريا “سيدة الخشبة والمسرح، هي شخصية فريدة و كريمة في العطاء.”

ثريا جبران عينت وزيرة للثقافة على حساب حزب الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، لكن الظاهر لها “أن ثوب الوزارة بدا لها محتشما أمام ثوب الفن الذي طرزت فيه حب العمل والإبداع”.

“الشمس تحتضر”عنوان مسرحية ثريا جبران تجسدت على أرض الواقع عندما ودعت الجميع، بعدما تمسكت بحبال أمل العودة لكن الموت أفلت منها الحبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق