حوارمنصّات

عبد الجليل الشافعي.. صوت سردي في حضرة وادي سبو (حوار)

أجرى الحوار: القاص حميد الراتي                                            

متابعة “العين الثقافية” لما يصدره الكُتّاب “الكبار” وما يستجد في عوالمهم، تجعلنا نهمل مراقبة ما يستجد في الساحة من أصوات، وما يطرق الأبواب من فرسان جدد، يحملون شعلة زمانهم ويفتحون الحصون بمهارة وإقدام في غفلة عن كاميرات “البوز” ومجهر “حراس المعبد”، إنهم القادمون من التربة الأصيلة للإصرار، والماء الزلال لحب الإبداع، والخضرة الرائعة لشغف المغامرة، والدفق الكبيرة للأندرينالين عند إصابة الدريئة وصدق التصويب.

لذلك يفتح الموقع عينه على الأصوات الإبداعية الجديدة، ليرحب ويحاور ويستكشف.

ونستضيف في هذه الحلقة القاص والناقد المغربي عبد الجليل الشافعي:

من رحم “سَبو المُقدس” انبثق كفينيق ينقر كلماته المشتهاة، ويبث فينا لواعجه، يتلمس خطوات الكتابة بعمق المعنى، وبقلب مفعم بالأمل وبإرادة ذاتية متواضعة، يطرح مندهشا مجموعة من الأسئلة المتناسلة، حول أفضية متعددة تشكل الهامش وما يحيط به، يقتنص من الواقع نصوصا إبداعية زاخرة بالخيال الماتع عبر لغة شفافة دقيقة جدا، مستعينا بجرعة كبيرة من مخزون ذاكرته الفكرية، يدافع به وبجرأة عن مواقفه وما يؤمن به، وما يراه صائبا من وجهة نظره.

تتنوع اهتماماته بين شغف كتابة الرسائل، ومغازلة القصيدة المتمنعة حينا، ومراودة الرواية عن نفسها، وبين جمالية القصة القصيرة التي تأخذه إلى معالمها الخلابة وفتنتها الغاوية. مع”صاحب المرأة التي في الأعلى” القاص عبد الجليل الشافعي.. كان معنا هذا الحوار:

أجرى الحوار: القاص حميد الراتي

                                            

 في نظرك، من يكون عبد الجليل الشافعي؟

استهلالا، أود شكرك على هذه الفرصة التي أتحتها إلي، لكي نتحاور حول المرأة التي في الأعلى.ثانيا، وعلاقة بسؤالك حول من يكون عبد الجليل، أحب أن أخبرك أن هذا السؤال، سؤال محير، لأني مهما عرفتُني، أكتشفُ أني لا أعرفني على وجه الحقيقة. لكني أقول: عبد الجليل الشافعي رجل أنقذته القراءة والكتابة من الكثير من مطبّات الحياة.رجل يحلم بوطن كريم وبغد أفضل. ويتمسك بعروة الأمل بالرغم من العراقيل التي تتمترس أمامنا في طوابير طويلة. باختصار إني رجل يحاول ما أمكن أن يكون إنسانا حقيقيا.

 “المرأة التي في الأعلى” باكورة أعمالك، هلاّ حدثننا عنها قليلا؟، وهل هناك امرأة أخرى في الأسفل؟

تعتبر مجموعة “المرأة التي في الأعلى” هي أول ما نشر لي في الحقيقة، وليست هي أو ما كتبت، فأنا أكتب منذ زمن ليس بالقصير، لكني مسكون بالتردد… أما إن أردت أن أحدثك عنها فأقول: هي مجموعة متنوعة المواضيع والتيمات، حاولت أن أعبر عبرها- بوصف الكتابة جسرا نحو الآخر-عما يشغلني في المجتمع الذي أحيا فيه، على جميع الأصعدة: السياسية والاجتماعية والثقافية، متسلحا بالسرد واللغة والتخييل. أما بخصوص الشق الثاني من سؤالك. فلا أعرف كيف أجيبك بالتحديد، لأن كتابتي عن المرأة هي رهينة بالمرأة، بما هي قيمة، بما هي فكرة، بعيدا عن كل يوتيوبيا أو نظرة أفلاطونية وردية حالمة، هي كتابة عن المرأة الممكن. وطبعا توجد امرأة أسفل، لأن العلاقة بين ما هو علوي سماوي فكري، وبين ما هو سفلي أرضي جسدي علاقة جدلية، ويستدعي وجود إحداهما الأخرى، تماما كالعلاقة بين الدال والمدلول بالمنطق الديسوسيري للغة.

من أين يمتح القاص عبد الجليل الفكرة/النواة للشروع في تشكيل نصوصه وتلوينها؟

في الحقيقة، أنا لست من الكتاب الذين يكتبون وفق برامج وجذاذات، ويفكرون في موضوع بعينه،فيقول أحدهم: (هذا موضوع مهم وغير مطروق علي أن أتناوله بالكتابة). بل على العكس تماما، فالقرينة المحفّزة على الحكي، تتعامل معي بطريقة غريبة. تأتيني الأفكار هكذا،فجأة، نتيجة قراءة لكتاب ما، أو تعليقا في حافلة، أو مشاهدة لحادثة… الفكرة، إن جاز لي التعبير، تنكشف لوحدها كومضة خاطفة، فأحاول أن أمسكها وأن أٌقولبها في قالب إبداعي، أحيانا أوفق، وأحيانا أخرى لا.

هناك عبق البادية يُشّم منذ بداية مجموعتك، هل هي علاقة ولادة ونشأة؟ أم علاقة إلهام وتأمل وهدوء؟

حضور البادية في نصوصي مرده، في اعتقادي، يعود للنشأة كما أشرت، وشخصيا أومن كثيرا بمقولة ابن خلدون: الإنسان ابن بيئته. فأنا ولدت ونشأت بالبادية، نشوءا فعالا منفعلا متفاعلا، عشت طقوسها وعوالمها ومساوئها وصعابها. . . وإذا ما استحضرنا المثل الإنجليزي الذي يقول: الطفل أبو الرجل. فإن الطفل البدوي الذي كنته، ينسرب من بين فرجات الكتابة ليعلن عن نفسه. زد على ذلك أني لا أنظر للمكان/الفضاء، باعتباره عنصرا سرديا يضم الأحداث فقط، بل أنظر إليه بوصفه شخصية، أو قوى عاملة بتعبير غريماس.

 هل من مواكبة نقدية رصينة للإصدارات الشبابية الأولى؟ بمعنى، هل هناك تشجيع، تصفيق..؟

يؤسفني أن أجيب جازما بلا. طبعا ضعف المصاحبة النقدية، ينطلي على الإنتاجات في شموليتها، ولكنه يكثر ويشتد إذا ما تعلق الأمر بالإصدارات “الشبابية”. ومع ذلك، يجب أن ننوه أن العالم لا يخلو، دائما، من بقية، تشجّع وتقوِّم وتحفز. وهذا، في مذهبي، مطلوب إذا ما ابتغينا الجودة.

كيف تنظر إلى مسار القصة القصيرة في المغرب؟

هذا سؤال يطول جوابه، ولكني أختصر، فأقول: لطالما أبدع الكتاب المغاربة في ضرب القصة، خاصة الرعيل الأول: محمد إبراهيم بوعلو، أحمد بوزفور، وغيرهما، لكن، في ظني، أن التجريب والقفز على العناصر القصصية، خاصة الأقاليم الثلاثة (بداية – وسط- نهاية)أضرّ، في أحايين عديدة بالفن القصصي. وظهور نصوص أخرى بتسميات جديدة: القصة القصيرة جدا، القصة الومضة، الأضمومة . . . في ظني، أكرر، لم تساهم في تطور القصة في المجمل، دون أن نغفل توفق بعض النصوص في تحقيق النضج الفني.

 تكتب القصة، وتشاغب الشعر، وتراقص الرواية، إلى أي مدى يساهم هذا التعدد في ابتكار أسلوب جديد وراق؟ وهل التعدد الفني يخدمالأدب؟

أرغب أن أشير في البداية، أن بدايتي مع الكتابة، كانت مع الرسائل، في زمن لم تكن فيه الهواتف “الذكية” منتشرة على الشاكلة التي نراها الآن. وفي مراهقتي، بدأت، ودأبت، على كتابة الشعر. قلت كتابة الشعر؟ وصف هذه الكتابة بالشعر، ليس سليما إذا ما رمنا الحقيقة. لنقل، كانت نصوصا فيها تعبير عن شعور دون أن ترقى لمعايير الكتابة الشعرية، خاصة على المستوي الإيقاعي. لكن بعدها وجدتني أكتب في السرد، في القصة والرواية، وهذا التنوع في اعتقادي، يخدم الكاتب، لأننا لا نختار الجنس الذي نكتب فيه، هو الذي يختارنا، يعني، أحيانا نحن لا نكتب، بل ننكتب . . . كما أن هناك مواضيع تناسب شكلا معينا أكثر من الآخر. وتعدد الأنواع هو بالنسبة لي، تعدد النوافذ التي نطل من خلالها على الشارع، والشارع هنا هو العالم، وبالتالي، تسمح لنا برؤية أعم وأعمق.

 ما رأيك في الجوائز، هل هي محفز؟ وهل ترصد بالفعل المستوى الحقيقي للمبدع؟

رأيي في الجوائز الأدبية، من حيث المبدأ إيجابي، لكنه مشروط، مشروط بألا تكون كتابتنا تتغيا الجائزة، أي ألا نكتب وفي ذهننا الجائزة س أو المسابقة ج. بل إن الإبداع أكبر من ذلك كله. الإبداع، عندي، هو موقف من العالم والوجود. وبالتالي، ستغيب هذه المعاني، التي تبرر عملية الإبداع، وتجيب عن سؤال: ما جدوى الإبداع؟. إذا ما كتبنا من أجل الظفر بالجائزة. أما نفع الجوائز على الأدب، فيمكن أن يكمل في تحقيقها للمواكبة الإعلامية وتحقيقها للانتشار الواسع،ثم  النفع المادي، الذي قد يحفز الكاتب بعد فوزه، على أن “يرتاح”. وبالتالي، يركز طاقته أكثر على الإبداع.

أما الشق الثاني من سؤالك. فإني لا أستطيع الجزم بأنها تفعل أو لا تفعل، لأني، غالبا ما أقرأ النصوص الثلاثة الفائزة، وهذه القراءة القزَمة لا تخول لي أن أحكم، حكما موضوعيا، هل النصوص التي فازت، هي الأجود. أو هل النص الفائز فعلا يعكس جودة المبدع الحقيقية. لكني أقول: لا مكان يخلو من الإيديولوجيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق