ثقافة وفنون

ابراهيم الحَيْسن: الوباء بعيون المصمّمين والسينمائيين

3 -3

الوباء بعيون المصممين والسينمائيين
ابراهيم الحَيْسن

 

ثقافة وفنون

 

شكل الفن على مَرِّ السنين سلاحاً لا يُستهان بقوَّته وتأثيره وأداة للتعبير والمقاومة وتطهير النفس وتنقيتها من الشوائب، أو “الكاتارسيس” في المأساة من منظور أرسطو، مثلما هو وسيلة لتجاوز المحن وتجاوزالنكبات الناتجة عن المجاعة والأوبئة القاتلة وهزمها بإبداعات خلاَّقة، سواء تعلق الأمر بالموسيقى والرقص، أو الرسم والنحت والفوتوغرافيا، فضلاً عن السينما والمسرحوالأداء الجسدي “برفورمانس”إلى غير ذلك من التعبيرات الفنية والجمالية ذات البعد الإنساني. بل إنه، في الكثير من الأحيان، يكون الفن وسيلة للتغلب على الأوبئة والانتصار عليهابإستتيقامُغايرة مستلهمة من عمق الألم والوجع.

في مجال الملصقات الفنية، فقد أبدع الرسام الفرنسي ماثيو بيرسان Mathieu Persan ملصقاً توعويّاً يدعو إلى محاربة الفيروس التاجي “كورونا” عبر الالتزام الكامل بالحجر الصحي وقد صاغه بلغة غرافيكية وجمالية بديعة غاية في البساطة والاختزال ويقوم بالأساس على فكرة محورية، هي: “البقاء في المنزل إنقاذ للأرواح”…

يُذكر أن الفنان ماثيو (38 سنة) من أبرز الفنانين المعاصرين شغفاً وتأثراً بفنون الديزاين التي سادت أوروبا خلال الفترة الممتدة بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي، وتداولت أعماله الفنية عدة منابر إعلامية عالمية، منها لوموند، بوسطن غلوب، تامبا باي تايمز..إلخ. فضلاً عن إنجازه لتصاميم أغلفة عشرات الألبومات لموسيقيين عالميين مرموقين…

     العدوى والشاشة

في المجال السينمائي، أنجزت عدَّة أفلام حول أمراض وأوبئة فتاكة انتشرت وقضى عليها البشر تناولها السينمائيون بحبكة سينمائية ممتعة، منها مثالاً الفيلم الأمريكي “التفشي” Outbreak (1995)، وهو من أفلام الكوارث الطبية، واستند فيه مخرجه فولفانغبيترسنWolfgang Petersen إلى مؤلف “المنطقة الساخنة” للكاتب ريتشارد بريستونR. Preston، وقد لعب بطولته كل من داستنهوفمان، رينيه روسو ومورغان فريمان، إضافة إلى فيلم “أنا أسطورة” I Am Legend (2007) إخراج فرانسيس لورانس F. Lawrence وبطولة  ويل سميث، وهو من فيلم خيال علمي أمريكي “آكشن” مقتبس من رواية صادرة سنة 1954 بنفس الاسم للمؤلف الأميركي ريتشارد ماثيسوR. Matheson، وهو ثالث فيلم سينمائي يتناول أحداث هذه الرواية بعد فيلمين آخرين، هما  الفيلم الإيطالي- أمريكي “آخر رجل على الأرض“(1964)The Last Man on Eart، إخراج أوبالدوراغونا وسيدني سالكو وبطولة فينسنت برايس، والفيلم الأمريكي “أوميجا مان” Th Omega Man (1971)، إخراج بوريس ساغال وبطولة تشارلتون هيستون أحد الناجين من وباء عالمي، وأيضاً فيلم “سلالة أندروميدا” The Andromedastrain وهو فيلم إثارة أمريكي أنتجه وأخرجه روبرت وايزR. Wise سنة 1971.

ومنذ تفشي فيروس كورونا، عاد فيلم Contagion (2011)، أي العدوى إلى الواجهة، وتدور وقائعه حول فيروس قاتل ينتشر بسرعة حول العالم، مما ساهم في نشر حالات واسعة من الذعر والاضطراب الاجتماعي. عاد هذا الفيلم إلى الظهور، حيث شارك مجموعة من نجومه وأبطاله في إعلان دعائي لحث الناس على التباعد الاجتماعي وغسل أيديهم وقاية لهم من عدوى فيروس كورونا القاتل، منهم مات ديمونوكيت وينسلت وجينيفر إهلي ولورانس فيشبورن الذين قاموا بتصوير أنفسهم وهم يقدمون نصائح وإرشادات احترازية خاصةبالحماية من الوباء المذكور.

وبسبب أوجه التشابه بين سيناريو فيلم “كونتيجن” المكتوب قبل عشر سنوات والأحداث الحقيقية لتفشي فيروس كورونا حالياً، فقد عاد هذا الفيلم ثانية بشكل مفاجئ إلى قائمة الأفلام الأكثر طلباً من متجر “آيتيونر” الإلكتروني الخاص بشركة آبل، إثر ارتفاع البحث عنه. ويعيد هذا الفيلم إلى الأذهان فيلم “الختم السابع” الذي أنتجه المخرج السويدي إنجمار برجمان في سنة 1957، وقد رسمت أحداثه جانباً من ظروف تفشي وباء الطاعون في أوروبا خلال نهايات العصور الوسطى والمستوحاة من لوحة “الموت يلعب الشطرنج” للرسام الشهير ألبيرتو بيكتور خلال القرن الخامس عشر، وهي موجودة في الكنيسة الكاثوليكية شمال ستوكهولم بالسويد. مع الإشارة أيضاً إلى الفيلم الروائي “كورونا فيروس” (2020) لمخرجه الشاب الكندي الإيراني مصطفى كيشفاري الذي تناول فيه العنصرية والوباء الذي بدأ في الصين مبرزاً ظروف الهلع والخوف بين المحصورين داخل الشقق ومن خلال رد فعل سبعة أشخاص يسكنون في بناية واحدة وهم محاصرين في مصعد عندما أدركوا أنّ أحدهم مصاب بفيروس كورونا.

في نفس المجال، وفي إيطاليا تحديداً، برزت تجربة فريدة لبعض مكتبات السينما في ميلانو بمنح فرصة مشاهدة أرشيفها السينمائي الكامل مجاناً للمواطنين شرط الاشتراك عبر الإنترنت، كما أن موقع “مايموفيز” أتاح لرواده تلقي خمسين فيلماً تحفيزاً على الالتزام بالبقاء داخل البيوت ومقاومة الملل الناتج عن الحجر الصحي في نظر البعض، مثلما أمكن لمحبي الأعمال النادرة تصفح موقع “أوبن كالتشر” للاستمتاع بمئات الأفلام والأشرطة السينمائية المشوِّقة والنادرة.

وعبر شبكة الإنترنت أيضاً، أعلن مسرح وأوبرا “بيرم” الروسيعن تقديم عروضهِ والسماح لمتفرجٍ واحد فقط بمشاهدة العرض بشكل مباشر، وذلك ضمن مشروع الفرجة عن بُعد أطلق عليه اسم “وجها لوجه” مساهمة في توفير أشكال مغايرة للتواصل مع الجمهور تجنبًا لانتشار فيروس كورونا…

بهذه الأساليب التعبيرية الجمالية الرَّاقية أمكن للمبدعين تبليغ رسالة الفن حتى في أحلك ظروف الخوف والألم والموت المحقق الذي دقَّ ناقوس الخطر وشلَّ حركة العالم برمته وضرب الاقتصاد والسياحة والخدمات الاجتماعية في العمق بعد أن تحوَّلت المدن والمداشر إلى مناطق أشباح وبؤر هادئة مهجورة بسبب هذه الأزمة الصحية المرعبة والغير المسبوقة في التاريخ الحديث…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق