فسحة تأمّلمنصّات

أفق إصلاح القطاع الصحي في المغرب بعد جائحة كوفيد-19 (دراسة)

أوضحت دراسة أنجزتها “آنا جايكوبز” باحثة مستقلة مستقرة بالدوحة، التي ترتكز أبحاثها حول السياسات في الدول المغاربية وحول أسئلة الدمقرطة والإصلاح السياسي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، (أوضحت) أن استجابة الحكومة لأزمة كوفيد 19 كشفت عن قدرة هائلة للدولة من تعبئة قدر كبير من الموارد ومن التنظيم لمكافحة الجائحة العالمية، مشيرة أنها تمكنت من بناء مستشفيات ميدانية مؤقتة وتوفير المئات من الأسرّة في غضون أيام وتعبئة ميزانية 32.7 مليار درهم لصندوق الطوارئ الصحية لمواجهة الأزمة والاستعانة بالبنية التحتية التصنيعية في البلاد للشروع في إنتاج المعدات الطبية الحيوية مثل أجهزة التنفس الصناعية والأقنعة الواقية.

وأفادت الدراسة التي نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات أن نجاح المغرب في حصر انتشار فيروس كورنا لا ينبغي أن يحجب المشاكل الهيكلية التي لا تزال تحد من فعالية الرعاية الصحية في المغرب، لا تزال هناك تحديات كبيرة أمام القطاع الصحي. 

وأكدت أن قطاع الرعاية الصحية يمثل أحد القطاعات التي تؤثر سلبا على ترتيب المغرب في مؤشر التنمية البشرية. هذا ما يؤكده تقرير للبنك الدولي الصادر عام 2015 والذي أشار إلى أنه و بالرغم من الإصلاحات “فإن معدلات وفيات الأمهات والرضع في المغرب – خاصة في المناطق القروية – من بين الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فوفقا للإحصاءات الوطنية، فإن حوالي %10 من سكان العالم القروي في المغرب والبالغ عددهم 13.4 مليون نسمة و%3.5 من سكان المناطق الحضرية يعيشون تحت معدل خطر الفقر.

وفضلا عن ذلك، فإن عدد المغاربة الذين يتوفرون على تأمين صحي يقل عن نصف العدد الإجمالي للسكان، إضافة إلى أن نسبة الأمراض غير المعدية عرفت ارتفاعا مقلقا، خالصة إلى أن جودة الرعاية الصحية في المغرب تظل منخفضة بوجه عام كما أن هناك نقصا كبيرا في عدد العاملين في القطاع الصحي. ( أقل من طبيب واحد لكل ألف شخص وفق بيانات البنك الدولي).

بالإضافة إلى عن عدم وجود عدد كاف من الأسرّة في المستشفيات العمومية حيث وكان المغرب يتوفر في عام 2014 على 1.1 سريرًا لكل ألف شخص (مقارنة بـ 2.3 في تونس و1.9 في الجزائر و3 في إسبانيا) وبالرغم من ارتفاع معدل الإنفاق على القطاع الصحي بشكل مضطرد إلا أن الإنفاق على الصحة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي ما زال منخفضا انخفاضا نسبيا. فوفقا لبيانات البنك الدولي، يعتبر هذا المعدل أقل من معدلات الجزائر وتونس وإسبانيا .

وتابعت الدراسة أنه في الوقت الذي ازداد معدل الإنفاق على القطاع الصحي قليلا وكشف تعامل الحكومة مع أزمة فيروس كورونا عن قدرة أكبر من تلك المتوقعة على تعبئة موارد مالية كبيرة، فإن الإنفاق على الرعاية الصحية يجب أن يشكل جزءا أكبر من الإنفاق الحكومي. يتطلب الأمر استثمارات أكثر مما يقدمه مخطط الصحة 2025، وخاصة إذا كان النظام يأمل في معالجة التحديات طويلة الأمد لكل من كوفيد- 19 وتحديات الصحة العامة الأساسية التي تؤثر على المواطنين المغاربة.

ولفتت إلى أن الفئات المهمشة  لا زالت تعاني من عدم إمكانية الولوج إلى الخدمات الصحية ويتجلى ذلك من خلال التفاوتات المختلفة القائمة، فهناك تفاوتات كبرى في الحصول على رعاية صحية جيدة بين المناطق الحضرية والقروية والمستشفيات العمومية والخاصة وبين مختلف المناطق في المغرب. فمعظم المستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية يتركزون في المناطق الحضرية وعلى طول الساحل، ولاسيما في الرباط والدار البيضاء.

وأظهرت الدراسة وجود تحديات كبرى مازالت قائمة حتى اليوم بما في ذلك: “صعوبة حصول المواطنين الأشد فقرا وسكان القرى على الرعاية الصحية، مع وجود تفاوت في إمكانية الولوج للرعاية الصحية وطلب الرعاية بالنسبة لأمراض بعينها، ولاسيما الأمراض المزمنة، بالإضافة إلى التدبير غير المرضي عليه للمستشفيات العمومية التي تعاني من عدد من أوجه القصور.

ودعت الدراسة إلى زيادة الإنفاق على القطاع مشيرة إلى أنه  بالرغم من أن الموارد المالية ليست هي كل شيء، لكنها نقطة انطلاق جيدة لبدء الإصلاحات، “فعلى الحكومة زيادة الإنفاق العام والبحث عن المزيد من التمويلات الخارجية للاستثمار في مجال الرعاية الصحية وخدماتها. سلط مخطط الصحة 2025 الضوء على هذا الأمر من خلال اقتراح زيادة الإنفاق ولكن في ظل أزمة كوفيد 19 يجب الرفع من هذه الميزانية بقدر أكبر، وأبرزت أن الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية لا يزال منخفضًا مقارنة ببلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأخرى. فاعتبارًا من عام 2017، شكلت النفقات الصحية حوالي 5% من الإنفاق الحكومي في المغرب بينما كان المتوسط العالمي10%.

وأضافت أن واضعو السياسات يرجعون نقص الاستثمارات في قطاع الرعاية الصحية إلى نقص الموارد المالية، غير أنه “يمكن التغلب على هذا الأمر عن طريق خفض الإنفاق العام في مجالات أخرى مثل ميزانية الدفاع حيث ينفق المغرب مبالغ مرتفعة من المال العام على شراء معدات عسكرية أمريكية. ففي عام 2019، اشترى المغرب معدات عسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بقيمة 5 مليار دولارووفقًا لمشروع قانون المالية لعام 2020، فقد ارتفعت ميزانية الدفاع الوطني بما نسبته 30%

كما اعتبرت الباحثة أن الرأي العام المغربي غير راضٍ عن الخدمات التي تقدمها مؤسسات الرعاية الصحية ويعتقد أن أداء قطاع الصحة العمومية ضعيف. وبالتالي فأغلب المغاربة يلجأون في الغالب إلى القطاع الخاص، مردفة أنه يمكن تحسين جودة الرعاية الصحية ليس فقط من خلال الاستخدام الأمثل للموارد مثل رأس المال البشري فقط بل عن طريق تحسين إدارة الموارد البشرية ولاسيما عن طريق تشجيع الشراكة والتعاون وليس الاعتماد على الموارد المالية فقط.

وشددت على ضرورة توسيع نطاق التغطية الصحية حيث يجب أن ينتقل برنامج راميد من استهداف الفئات محدودة الدخل ليصبح برنامج رعاية صحية شامل، وتابعت أنه يمكن أن تبقى أنظمة الرعاية الصحية العمومية/ الخاصة كما هي، لكن نظام تأمين صحي عمومي شامل يجب أن يكون هدف الاستثمار الحكومي، خاصة لسكان المناطق القروية.

وأوصت بالاستثمار في التوظيف المستهدف في قطاع الصحة، وخاصة بالنسبة للشباب، ذلك أن تنفيذ برامج تعليمية وتدريبية موجهة للشباب لبدء العمل في قطاع الرعاية الصحية. يمكن أن يساعد هذا الأمر في معالجة القضايا المنهجية المتصلة ببطالة الشباب وفي حل مشكل نقص الأطباء وطواقم التمريض في نظام الرعاية الصحية، و يحتاج المغرب إلى مضاعفة عدد الأطباء مرتين ومضاعفة عدد طواقم التمريض والقابلات ثلاث مرات للحاق بالمتوسط العالمي. إضافة إلى زيادة الأجور والموارد في القطاع العام.

بالإضافة إلى الاستثمار في تصنيع المعدات الطبية، حيث يشكل التصنيع الصناعي عنصرا أساسيا في استراتيجية المغرب لتنويع اقتصاده بهدف زيادة الصادرات وخلق فرص العمل من خلال إثبات مكانة المغرب كمركز تصنيع رئيسي، حيث يمثل الاستثمار في تصنيع معدات الرعاية الصحية مجالا محتملا آخر للتنويع ويشهد نجاح المغرب مؤخرا في تصنيع كميات كبرى من الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس الصناعي على ذلك، وستكون هذه هي الخطوة الأولى من الاستراتيجية الاقتصادية للمغرب للربط بين الدول الغربية (أوروبا والولايات المتحدة) وإفريقيا.

 

رابط الدراسة

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق