ثقافة وفنون

ابراهيم الحَيْسن: الوباء بين النقد والسخرية

الوباء بين النقد والسخرية
ابراهيم الحَيْسن

ثقافة وفنون

شكل الفن على مَرِّ السنين سلاحاً لا يُستهان بقوَّته وتأثيره وأداة للتعبير والمقاومة وتطهير النفس وتنقيتها من الشوائب، أو “الكاتارسيس” في المأساة من منظور أرسطو، مثلما هو وسيلة لتجاوز المحن وتجاوزالنكبات الناتجة عن المجاعة والأوبئة القاتلة وهزمها بإبداعات خلاَّقة، سواء تعلق الأمر بالموسيقى والرقص، أو الرسم والنحت والفوتوغرافيا، فضلاً عن السينما والمسرحوالأداء الجسدي “برفورمانس”إلى غير ذلك من التعبيرات الفنية والجمالية ذات البعد الإنساني. بل إنه، في الكثير من الأحيان، يكون الفن وسيلة للتغلب على الأوبئة والانتصار عليهابإستتيقامُغايرة مستلهمة من عمق الألم والوجع.

في موريتانيا أدَّت المطربة الموريتانية المبدعة المعلومة منت الميداح أغنية بالحسَّانية دعت من خلالها الناس للبقاء في البيت، من كلماتها تفصيحاً: “من أجلك ومن أجل جارك..إجلس في دارك. واغسل يديك بالصابون ولا تذهب عند أحد ولا يأتي إليك، كورونا لا يأتي إلى أحد..أنتم من يجلبه معه”، إلى جانب مواطنتها المطربة كرمي منت آبه التي غنت تحفيزاً على الوقاية من فيروس كورونا، جاء في مطلع أغنيتها: “كـَزْ احْجَابَكْ وَالْوِ حَوْلِيكْ، وَاتْلَـثـَّمْ وَاعْرَفْ شِ لَيْدِيكْ، وِلاَ سَلَّمْ رَكَاجْ اعْلِيكْ، سَلَّمْ اتُوْفْ امْنْ لْهَيهْ اعْلِيهْ”، ومفادها ضرورة التلثم والسلام عن بعد، إلى جانب أهمية التعقيم ومساعدة المصابين، وكذلك فعلت المطربة عُلية منت اعمر تيشت حيث أدَّت أغنية حسَّانية للتوعية بخطورة وباء “كوفيد 19″، فضلاً عن المطربة لمَّات بنت أعمر تيشيت التي أدَّت رفقة الفنان شيخو أغنية توعوية بعنوان “بهذا نحمي موريتانيا” تناولا فيها مجموعة من الإجراءات الاحترازية التي أمرت بها السلطات العمومية في بلدها ضمن حملة الوقاية من فيروس كورونا.

امتداداً لذلك، وبالنظر إلى هذه الوضعية الكارثية المرعبة التي تطال مئات الملايين من الأشخاص في كل قارات العالم، بادر كثيرون إلى التأقلم مع ذلك كل بطريقته وأسلوبه الخاص، حيث نرى مشاهد الرقص على شرفات المنازل يصاحبها غناء وموسيقى بأصوات شجية تتضمن عبارات تعبيرية محفزة على البقاء بالمنازل. ولم يقتصر الأمر على الساكنة داخل مقرات سكناهم حيث يلتزمون بالحجر الصحي، بل شمل كذلك المهنيين داخل فضاءات عملهم، كما فعلت ذلك طواقم طبية بأحد المشافي في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي وسط الصين وقيامها بتشجيع المرضى على ممارسة الرقص والتمارين الرياضية المساعدة على التنفس والتخفيف من حدَّة التوتر والقلق والرعب الذي أصابهم، وكذلك فعل الأطباء والممرضون الإيرانيون الذين سعوا -رجالاً ونساء- إلى السيطرة على فيروس كورونا والرفع من معنويات المرضى والمصابين من أبناء شعبهم، بلجوئهم إلى المراقصة والتعبير الجسدي كوسيلة فنية ناجعة لتلطيف الأجواء المخيفة داخل المصحات والمشافي…

وسعياً منها لتبسيط الإجراءات الوقائية أمام أبناء الشعب الهندى، تبنت الشرطة الهندية نفس الوسيلة الفنية باللجوء إلى الإيقاع والرقص على إيقاع الأغانى والنغمات الموسيقية التى تحث على احترام إرشادات الوقاية والتعامل الصحيح والسليم مع الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا…

     الإبداع بألوان الألم والأمل…

تشكيليّاً، وفي تجربة إبداعية فريدة تروم التشجيع على ارتداء الكِمامات الطبية للوقاية من فيروس كورونا، بادر فنانون تشكيليون فلسطينيون في قطاع غزة إلى تحويل هذه الواقيات الصحية إلى سند للرسم والتلوين الأمر الذي منحها مظهرا جماليّاً غير مسبوق. في غزة دائماً، رسم فنانون آخرون على جدار مدرسة لوحة كبيرة للكرة الأرضية ملفوفة بكمامة طبية حملت عنوان “كورونا وإرادة التحدي”وتحيط بها مجسمات لفيروس كورونا إلى جانب بعض الإرشادات والتدابير الوقاية من الفيروس وأعراضه.

زد على ذلك أن مجموعة من المصوِّرين والرسامين والنحاتين شرعوا منذ أسابيع في إنجاز الكثير من الإسكيزات والحبريات واللوحات الصباغية والمجسَّمات داخل مشاغلهم ومحترفاتهم ضمن يوميات الحرب على كورونا. ولا شك أن بعضهم قد يقدِّمها ضمن معارض فنية لاحقة توثق لفترة الحجر الصحي والتفاعل مع المخاوف العديدة التي رافقت تفشي هذه الجائحة التي تناولها أيضاً رسامو القصص المصوَّرة والكاريكاتير أيضاً بأساليب تعبيرية وتلوينية ساخرة متنوِّعة أبرزوا من خلالها الخطورة الواسعة لكورونا في مقابل جهود الأطباء المستمرة للقضاء عليها، الكثير من هذه الرسومات التي تحمل رسائل تحذيرية وتوعوية تطلُّ علينا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وكذا عبر نشرات الأخبار الدولية والمحلية. غير أن أحد هذه الرسوم الكاريكاتيرية بداً مختلفاً وأثار قلق السلطات الصينية التي اعتبرته إهانة للصينيين بعد أن نشرته صحيفة “يلاندس بوستن” Jyllands-Posten الدنماركية، حيث يجسد العلم الوطني الصيني، وفيه استبدل صاحبه الرسام نييل بو بويسينNiels Bo Bojesen النجوم الخمس الصفراء المتواجدة على العلم الأصلي بخمسة فيروسات في إشارة منها إلى فيروس كورونا. على مستوى المنشورات المتخصِّصة، أفردت مجلة الاتحاد العالمي لرسامي الكاريكاتير UWC عددها الجديد (أبريل، ملي، يونيو) لوباء كورونا حيث تضمَّن مجموعة من الرسوم الكاريكاتيرية المعبِّرة حول مخاطر فيروس كورونا بمشاركة نخبة من فناني العالم، من بينهم رسام الكاريكاتير المغربي ناجي بناجي الذي تصدَّرت إحدى رسوماته غلاف المجلة المذكورة.

وصلة بفن الشارع “ستريت آرت”، وتحديداً في مجال الجداريات وفن الغرافيتي، نذكر ما قام به الفنان الإيطالي سالفاتوربينينتيندي الملقب بـ TVBOY في شارع في برشلونة بإسبانيا ، 18 فبراير 2020، حيث رسم على جدارية كبيرة بورتريها للموناليزا ترتدي كِمامة طبية في محاكاة ساخرة ومخيفة تختلف تماماً عن ابتسامتها الآسرة التي آلفها الناس، إلى جانب عشرات الجداريات المماثلة التي أنجزت بمدن أوروبية وأمريكية وأسيوية مختلفة نفذها فنانون معاصرون، من بينهم النرويجي بوبيل برين، الأمريكي جيلي باليستيك، الإيطالي نيلوبيترتشي، الإنجليزي جناشر، البرازيلي أيراأوجريسبو..وغيرهم كثير.

في الفوتوغرافيا والتصوير الضوئي ثمة تجارب عديدة الأكيد أنها تساير هذه الأزمة الصحية رغم الخطورة والسرية والمنع وقد نشاهدها ضمن معارض مقبلة، منها تجربة المصور الصحفي ستيفن لافكين الذي شرع في خوض رحلة لتصوير عائلات تلتزم بالحجر الصحي داخل سكناهم في بروكلين بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة، مركزاً على مكوثهم بالشرفات والنوافذ وما يحملونهم من رسائل المحبة والأمل موجَّة إلى العالم، لنخلص إلى ما أنجزه الفنان الصيني المعاصر روي وانغ من لوحات فنية ضوئية مذهلة تكريماً لعمال قطاع الصحة في بلادهوتثميناً لجهودهم ومعركتهم التي استمرت لأشهر في علاج المرضى والمصابين  بفيروس كورونا، وقد أطلق عليه تعبير “إضاءة العالم للأعلى”…

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى