رأي

الحسين أيت حدو: معنى الحياة في زمن كورونا

 

معنى الحياة في زمن كورونا
الحسين أيت حدو

رأي

إن المتأمل في كل هذه الإجراءات الإحترازية والصحية التي تتخذها الدولة ويلتزم بها الشعب لمواجهة جائحة كورونا كوفيد 19 إلى حدود الآن، سيجد أنه لا شيء يعلوا عن قيمة الحياة. بحيث تم منع التجوال و أغلقت المؤسسات التعليمية والثقافية والمقاولات وتوقفت الانشطة الرياضية وعلقت الرحلات وأغلقت دور العبادة؛ وفي هذا معنى عميق وهو أن الحفاظ على حياة الإنسان أسمى العبادات وأقدس النعم الإلهية. بين يوم وليلة تغير نمط العيش، وأصبحنا شبه مانكون تحت الإقامة الجبرية، فبعدما كانت المصافحة والعناق والقبلات على الخدين من أدوات الترحيب والمحبة، أصبح التباعد الجسدي وعدم المصافخة هو الشائع.

إذن كل هذه المظاهر وهذا التغيير الذي فرضه فيروس صغير لايرى بالعين، يدفعنا إلى إعادة طرح سؤال معنى الحياة؟ المعنى الذي كان الناس عنه في غفلة من أمرهم وهم تائهون في متاهات الحياة، مشاكل أسرية، وخلل في العلاقات الإجتماعية، واهتزاز في العواطف والوجدان، بالإضافة إلى البطالة وكسبالعيش..

سؤال معنى الحياة سبق أن طرحه عالم النفس النمساوي ألفرد أدلر حيث قال:” الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا عرف معنى لحياته؛ أي أن لحياته معنى”[1]

لذلك هل سيساهم مرض كوفيد 19 في تغيير نظرة المغاربة للحياة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستضل رهينة بانتهاء هذا الوضع، لكن مما لاشك فيه أن هذه الجائحة كشفت عن واقع مخفي وأزالت الستار عن خير الناس وشرهم، فمن جهة برزت قيمة التضامن والتآزر والتعاون،وهي إحدى الدعامات الكبرى لمعنى الحياة حسب أدلر، حيث يرى أن التعاون مع الأخرين والمساهمة الإيجابية في المجتمع يساهم في إعطاء معنى للحياة، ومن جهة أخرى ظهرت سلوكات مؤسفة تنم عن فهم معطوب للحياة يتجلى بعضها في تجار الأزمات ومحتكري السلع بحثا عن ربح زائف! في حين معنى الحياة معنى مشترك بين الجميع؛ لأن المعنى الحقيقي الذي نبحث عنه يكون حقيقي بالنسبة للجميع لكل أغراضهم وأهدافهم وكل حقيقة غير هذه تكون بدون فائدة وبدون معنى.

هذه الجائحة تدفعنا إلى البحث عن المعنى من جديد! معنى الحياة الذي حاول أدلر البحث عنه في علم النفس الفردي وحصره في ثلاث مشكلات رئيسية تواجه الإنسان، ومدى الإجابة عنها وطريقة تصرفنا لمواجهتها هو المحدد والمعيار لمعنى الحياة.

المشكلة الأولى وظيفية؛ أيتصرفنا حيال كسب العيشوالعمل والحصول على وظيفة. أما المشكلة الثانية؛ مشكلة اجتماعية علائقية؛ تعني تصرفنا مع الأخر، وأننا نعيش ضمن جماعة من البشر. في حين المشكلة الثالثة؛ مشكلة الحب والوجدان؛ العلاقات الزوجية والحميمية.

من هذا المنطلق معنى الحياة يتحدد من خلال طريقة تصرفنا ومواجهتتا لهذه المشكلات الثلات وفق سلوك له معنى( أغلبنا يتصرف حيالها بشكل ليس له معنى).

في زمن كورونا الوضع مختلف! وضع يجعلنا نعيد النظر في الحياة وطرح سؤال المعنى..لذلكيمكن إعتبار الصندوق المحدث لدعم الأسر المتضررة منذ بداية هذه الأزمة أول إجابة عن إحدى معاني الحياة، يتعلق الأمر بكسب العيش وفقدان الوظيفة، وفي هذا إشارة إلى أهمية العمل، كما أنهذا الفيروس أقعد الجميع في منازلهم مع الأسرة (التي تم تبخيس دورها قبل زمن كورونا) مع الزوجة لتقوية الرابط الأسري والعلاقات الحميمية بين الأزواج، وهي إشارة لإعادة النظر في معنى الزواج ومعنى الحب باعباره طاقة محركة للإنسان مع ذاته وزوجه وأبناه، ويمكن تفسير مظاهر العنف الزوجي في هذه الأثناء دليل على  فهم مجروح لمعنى الحب والزواج، في حين  مظاهر التآزر والتعاون هي أصدق إجابة على إحدى معاني الحياة؛ يتعلق الأمر بالعلاقات الإجتماعية والشعور الإجتماعي تجاه الجماعة الذي كان معطوبا قبل زمن كورونا، المجرمون والعدوانيون والمشاغبون هؤلاء فشلوا في فهم معنى الحياة بسبب نقص في الإنتماء وحب الآخرين، فرغم هذا التباعد الجسدي ترجمت العلاقات عبر وسائل التواصل الإجتماعي عن بعد بالتفاعل الدائم المتعطش لزوال هذه الإزمة والمبادرة بالعناق والتصالح مع الأخر الذي كشف مرض كوفيد 19 عن أهميته.

إذن زمن كورونا هو زمن إعادة النظر في الحياة والبحث عن المعنى، هذا الفهم الذي لن يتأتى إلا بفهم مشترك يدفعنا الى العمل والإنتاج في ظل محدودية موارد هذا الكوكب الذي يجمعنا، وأن نجد لنا موقعا تحت شمس العلاقات الاجتماعية  وتحت مظلة التعاون مع الجماعة، وأن يتسع صدرنا لوجود نوعين من الجنس البشري رجل/ امرأة، وأن الحب هو محرك الحياة الإجتماعية.

 

  طالب باحث في ماسترعلم النفس الإجتماعي بجامعة محمد الخامس بالرباط

 

المراجع:

معنى الحياة، تأليف ألفرد أدلر، ترجمة عادل نجيب بشري 2005.

ندوة فكرية عن بعد حول تأثير كورونا على الروابط الإجتماعية، شعبة علمالاجتماع فاس سايس.

[1]ألفرد أدلر ، كتاب معنى الحياة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق