ثقافة وفنون

ابراهيم الحَيْسن: الفن ينتصر على الوباء

2-1

 الفن ينتصر على الوباء
ابراهيم الحَيْسن
 فنان وناقد تشكيلي

ثقافة وفنون

 

شكل الفن على مَرِّ السنين سلاحاً لا يُستهان بقوَّته وتأثيره وأداة للتعبير والمقاومة وتطهير النفس وتنقيتها من الشوائب، أو “الكاتارسيس” في المأساة من منظور أرسطو، مثلما هو وسيلة لتجاوز المحن وتجاوزالنكبات الناتجة عن المجاعة والأوبئة القاتلة وهزمها بإبداعات خلاَّقة، سواء تعلق الأمر بالموسيقى والرقص، أو الرسم والنحت والفوتوغرافيا، فضلاً عن السينما والمسرحوالأداء الجسدي “برفورمانس”إلى غير ذلك من التعبيرات الفنية والجمالية ذات البعد الإنساني. بل إنه، في الكثير من الأحيان، يكون الفن وسيلة للتغلب على الأوبئة والانتصار عليهابإستتيقامُغايرة مستلهمة من عمق الألم والوجع.

     الرسم والطاعون…

في أوروبا، وخلال الفترة الممتدة بين أواخر القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر، انتشر وباء الطاعون “الموت الأسود”Peste noireالذي هلك وأفنى حوالي ربع سكان الأرض في العصور الوسطى.كما عاش العالم أوبئة أخرى فتاكة، منها، الطاعون الأنطوني، وباء الحمى الصفراء، السل، الجمرة الخبيثة، جائحة الإنفلونزا الأولى، الكوليرا، الإنفلونزا الإسبانية، فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، إيبولا، الالتهاب الرئوي اللانمطي الحاد (سارس).. وغيرها من الأوبئة Pandémiesالتي انتشرت أيضاً في آسياوالشرق الأدنى وإفريقيا وباقي بقاع العالم..

لوحة طبيب الطاعون لبول فرست
لوحة طبيب الطاعون لبول فرست

بسبب ذلك، وعلى امتداد تاريخ الفن، استحوذت فكرة “نهاية العالم” على أغلب الأعمال الفنية التي أنجزت آنذاك وبدت مفعمة بمعاني الفناء والزوال والتدمير وإعادة البناء، منها مثالاً “المدينة المستقبلية” التي تخيَّلها ورسمها فنان عصر النهضة الإيطالي ليونار دافنشي L. De Vinci الذي نجا من وباء الطاعون الدبلي الذي ساد ميلانو خلال نهاية القرن الخامس عشر، وذلك اعتماداً على سلسلة من الكروكيهاتوالتدوينات التي اكتملت في الفترة ما بين سنتي 1487 و1490، إلى جانب وجود فريسك “موكب القديس غريغوري” في كاتدرائية القديس بطرس في روما التي تُعرف كذلك باسم بازليك القديس بطرس البابوية، فضلاً عن عشرات اللوحات والمحفورات التي جسَّدت الأطقم والأطباء بمعدات الفحص والمداواة وكذلك عمليات نقل جثث الموتى من الطرقات والممرات والحواري الشعبية، منها محفورة “طبيب الطاعون” للفنان بول فورست  P. Fürst(1656)التي تناولت انتشار الوباء في روما في القرن السابع عشر، وأيضاً الفنان الإسباني بيدروأناستاسيوبوكانيغراP. AnastacioBocanegra الذي جسَّد الواقع الرهيب لوباء الطاعون في بلاده (1684)، كما رسمالفنان ميشيل سير M. Serre لوحة “الطاعون” سنة 1720 والفنان أنطوان- جان غروسAntoine -Jean Grosالذي رسم لوحة “بونابرت يزور ضحايا الطاعون”(1799)، وكذلك فعلالرسام الرمزي السويسري أرنولد بوكلينArnold Böcklin  لوحة “الطاعون (زيت على خشب، 1898)..وغير هذه النماذج كثير.

ومع بداية عشرينات القرن السابع عشر،ضرب الطاعون سكانباليرمو في صقلية أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط،وقد ألهمتهذه العدوى البكتيرية الحادة مجموعة من الرسامين والمصوِّرين آنذاك، منهم الرسام الفلمنكيأنطوني فان دايكA. Van Dykالذي نفذ سلسلة من اللوحات في ما بين سنتي 1924 و1925 قدَّمها خلال معرض أطلق عليه عنوان “الرسم والطاعون” معبِّراً من خلال ذلك عن سنوات الرعب التي قضاها بباليرمو. وقبل ذلك، أنجز الرسام النرويجي إدوارد مونشE. Munch المحاصر بالفزع صورة ذاتية زمن الإنفلونزا الإسبانية (1919) عقب نجاته من هذه الجائحة الفتاكة. ولهذا الفنان التعبيري لوحة أخرى جسَّد فيها قلق الإنسان جرَّاء الفزع والهلع والخوف من المصير حملت عنوان “صرخة” وقد أنجزت في أربع نسخ مختلفة في ما بين 1893 و1910، وهي لوحة تتمركزها شخصية معذبة وسط سماء حمراء بلون الدم.

كما أن الرسام النمساوي غوستاف كليمتG. Klimtأصيب بسكتة دماغية وأثناء وجوده بالمستشفى أصيب بالالتهاب الرئوىوتوفى في بداية جائحة الإنفلونزا تاركاً وراءه مجموعة من التصاوير واللوحات الفنية المطروزةبالتوشيات والزخارف الدقيقة المعبِّرة عن الحب والعشق والعناق، مع إضافة تجربة المصوِّر الأمريكي كيث هارينغKeith Haringالتي ارتبطت بإصابته بوباء الإيدز، وقد جعل منهالفنان موضوعاًمحوريّاًتصدَّرجلِّ لوحاته.

     كورونا، تراجيديا الوباء

في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد- 19” الذي أربك العالم بأسره وفرض حالات السكون والعزل والتباعد الاجتماعي، في ظل ذلك تضاعفت الجهود الطبية والبحثية والأمنية للحد من خطورة هذا الوباء الفتاك، وقد صاحبتها تعبيرات فنية من عمق المشافي وكذلك بداخل الإقامات والمجمعات السكنية حيث يلتزم الناس بالحجر الصحي الإجباري الذي فرضته السلطات خوفاً عليهم وحماية لهم من التناقل والانتشار السريع والمخيف لهذا الفيروس الخطير والقاتل.وقد بدت هذه التعبيرات الفنية قويِّة ومؤثرة رامت أساساً التخفيف من مشاعر الرعب والوجع التي ملأت وجدان الناس.

نذكر من بين ذلكأغنية مبكية أدتها مواطنة صينية ترتدي ميدعة طبيبة عبَّرت فيها عن تضامنها مع مدينة ووهانمركز تفشي فيروس كورونا في بلادها، وظهرت الأغنية قبل أسابيع قليلة عبر فيديو نشر لأول مرة عبر منصة “ويبو” الصينية. تتحدّث الأغنية عن تحمّل الشعب الصيني للمسؤولية رغم الأذى الحاصل جرّاء الفيروس القاتل، مثلما نذكر أغنية حزينة معبِّرة أعاد ترديدها الإيطاليون وردَّدها معهم العالم تعاطفاً وتناقلتها العديد من مواقع التواصل الاجتماعي، وهي بعنوان “إيطاليانو” (1983)Lasciatemicantare جاء في مطلعها: “دعوني أغني وغيثارتي في يدي، إنني إيطالي..”، مثلما نذكر العمل الفني الرائع لمغنى البوب السابق بوبى واينBobyWine، وهو موسيقى أوغندى الذي أدَّى أغنية جديدة معبِّرة أبكت الجميع بعنوان “Corona VirusAlert“، وذلك مساهمة منه فى وقف تفشي وزحف كورونا نحو دول القارة الأفريقية، وذلك اشتراكاً مع زميله الفنان نوبيان لى في إصدار الأغنية الموشَّاة بألحان الرومبا الذائعة الصيتفى شرق إفريقيا.كما أدّى الرئيس الليبيرى وأيقونة كرة القدم الإفريقية جورج ويّاهG. Weah أغنية بديعة ومعبِّرة (6 د.) بعنوان “لنقف صفّاً واحداً لمحاربة فيروس كورونا” Let’s Stand Together and FightCoronavirus ، حثَّ من خلالها شعبه وباقي شعوب العالم على التصدِّي لوباء كورونا المستجد “كوفيد 19″، بمشاركة أصواتنسائية من المغنيات وفرقة عزف غيتار تسمَّى بـ”الأحبار” The Rabbis.

وفي موريتانيا أدَّت المطربة الموريتانية المبدعة المعلومة منت الميداح أغنية بالحسَّانية دعت من خلالها الناس للبقاء في البيت، من كلماتها تفصيحاً: “من أجلك ومن أجل جارك..إجلس في دارك. واغسل يديك بالصابون ولا تذهب عند أحد ولا يأتي إليك، كورونا لا يأتي إلى أحد..أنتم من يجلبه معه”، إلى جانب مواطنتها المطربة كرمي منت آبه التي غنت تحفيزاً على الوقاية من فيروس كورونا، جاء في مطلع أغنيتها: “كـَزْاحْجَابَكْ وَالْوِ حَوْلِيكْ، وَاتْلَـثـَّمْ وَاعْرَفْ شِ لَيْدِيكْ، وِلاَ سَلَّمْرَكَاجْ اعْلِيكْ، سَلَّمْ اتُوْفْ امْنْ لْهَيهْ اعْلِيهْ”، ومفادها ضرورة التلثم والسلام عن بعد، إلى جانب أهمية التعقيم ومساعدة المصابين، وكذلك فعلت المطربة عُلية منت اعمر تيشت حيث أدَّت أغنية حسَّانية للتوعية بخطورة وباء “كوفيد 19″، فضلاً عن المطربة لمَّات بنت أعمر تيشيتالتي أدَّت رفقة الفنان شيخو أغنية توعوية بعنوان “بهذا نحمي موريتانيا” تناولا فيها مجموعة من الإجراءات الاحترازية التي أمرت بها السلطات العمومية في بلدها ضمن حملة الوقاية من فيروس كورونا.

امتداداً لذلك، وبالنظر إلى هذه الوضعيةالكارثية المرعبة التي تطال مئات الملايين من الأشخاص في كل قارات العالم، بادر كثيرون إلى التأقلم مع ذلك كل بطريقته وأسلوبه الخاص، حيث نرى مشاهد الرقص على شرفات المنازل يصاحبها غناء وموسيقى بأصوات شجية تتضمن عبارات تعبيرية محفزة على البقاء بالمنازل. ولم يقتصر الأمر على الساكنة داخل مقرات سكناهم حيث يلتزمون بالحجر الصحي، بل شمل كذلك المهنيين داخل فضاءات عملهم، كما فعلت ذلك طواقم طبية بأحد المشافي في مدينة ووهانبمقاطعة هوبي وسط الصين وقيامها بتشجيع المرضى على ممارسة الرقص والتمارين الرياضية المساعدة على التنفس والتخفيف من حدَّة التوتر والقلق والرعب الذي أصابهم، وكذلك فعل الأطباء والممرضون الإيرانيون الذين سعوا -رجالاً ونساء- إلى السيطرة على فيروس كورونا والرفع من معنويات المرضى والمصابين من أبناء شعبهم، بلجوئهم إلى المراقصةوالتعبير الجسدي كوسيلة فنية ناجعة لتلطيف الأجواء المخيفة داخل المصحات والمشافي…

وسعياً منها لتبسيط الإجراءات الوقائية أمام أبناء الشعب الهندى، تبنت الشرطة الهندية نفس الوسيلة الفنيةباللجوء إلى الإيقاع والرقص على إيقاع الأغانىوالنغمات الموسيقية التى تحث على احترام إرشادات الوقاية والتعامل الصحيحوالسليم مع الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق