حوارمنصّات

أحمد شراك: كورونا ستطرح أسئلة إبستمولوجية على السوسيولوجيا وعلى مداراتها (حوار)

أحمد شراك: كورونا ستطرح أسئلة إبستمولوجية على السوسيولوجيا وعلى مداراتها
 بعد كورونا السوسيولوجيا ستنفتح وستتواشج أكثر مع التخصصات العلمية الأخرى

حوار

أجرت المنصة حوارا مع الكاتب والسوسيولوجي أحمد شراك الأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، صاحب كتاب “كورونا والخطاب: مقدمات ويوميات”، الصادر عن مؤسسة مقاربات للصناعات الثقافية، وهو مؤلف حاصل على الإيداع القانوني، والأول من نوعه الذي تناول فترة الجائحة الكورونية.

انطلاقا من هذا الكتاب ومن القراءة السوسيولوجية، نحاول في هذا الحوار أن نفهم ظاهرة تفشي كورونا بالمغرب انطلاقا من السلوك المجتمعي للأفراد والجماعات، من خلال عدة أنساق، بالإضافة إلى بروز انزياحات بشرية خالفت الجماعة في تدبير هذه المرحلة..

                  حاوره: عبد الرحيم نفتاح

 

من خلال كتابك الذي أصدرته مؤخرا حول “كورونا والخطاب” كيف تقرأ ظاهرة كورونا بالمغرب؟

سبق لي طرح العديد من القضايا المرتبطة بالعصر الكوروني وتحديدا مجموعة من الأسئلة الدافعة إلى البحث والمستفزة للرغبة في المعرفة، وهذا الكتاب هو عبارة عن يوميات لموضوعات وليس لسرود شخصية، حاولت من خلاله وضع المفاتيح الأولى لقضايا المجتمع المغربي مع استشراف للمستقبل، حيث يمكن أن نخرج بخلاصة أساسية وهي أن المغرب كان ناجحا ورائدا في محيطه الإقليمي على الأقل؛ وهذا وارد على مستوى القرارات التي اتُخذت، والتي اتخذت طابع الإجماع الوطني، ومن هذه القرارات إحداث صندوق كورونا للتضامن من طرف جلالة الملك، والذي فتح أملا كبيرا من أجل معالجة جيدة للأزمة، خاصة لدى الفئات التي تعاني الهشاشة الاجتماعية، وهذا حقق أمنا اجتماعيا مهما.

انطلاقا من مفاهيم الفردانية والشمولية أو الجماعية في السوسيولوجيا رأينا حالات تخرق الحجر وتقوم بسلوكات تتنافى مع قواعد السلامة، هل غلب الطبع المعيشي على الخوف من الإصابة، أم هو طبع ينم عن جهل وأنانية يستهتر باحتمال انتشار العدوى الجماعية؟

قبل هذا الفيروس تداول المغرب مسألة الحقوق الفردية، وهنا ينقسم النقاش بين الحداثيين الذين يدعون الحقوق الفردية، وبين الإسلاميين الذين يقولون بالجماعية، ولا مكان للفرد في انزياحاته وللاعتراف به، فإذا قام بميولاته في السر دون أن يخدش حياء الناس ولا عقولهم فله ذلك. وعندما جاءت الجائحة طرح السؤال بالمعكوس “هل لي الحق أن أتصرف كما أريد أم أن تصرفي مرهون بالآخر؟” وهذا الرهن مرتبط بالصحة، لا بسلوكات، ولا بهويات ولا بتمثلات ولا بمعتقدات، بل بالصحة مباشرة، وبالتالي خروج الناس إلى الشارع فيه ضرر كبير على الآخرين، ولهذا هناك جدلية قوية بين الأنا والغير، بحيث أن التصرف يجب أن يكون جماعيا على المستوى الوقائي، حتى يمكن أن نقلص من زمن الحجر، ونقلص من الإصابات التي يمكن أن ترتفع بسبب عدم الإلتزام بالحجر، وبالتالي هذه الجماعات التي خرجت، والتي تخرج، فهي ضالة عن الجماعة، وفي خروجها جانب من الجهل، وبعض التمثلات الخاطئة للدين الحنيف، باعتبار أننا مسيرون وما يمكن أن يقع لنا سوف يقع والموت آتية لا ريب فيها سواء بكورونا أو بغيرها.. فمثل هذه الخطابات “المبتسرة” والمختزلة بعيدة عن الدين والمنطق والمجتمع، فضلا عن ترويج خرافات من أجل تمرير خطابات معينة واللعب بعقول الناس، إذن في المجمل خروج هؤلاء الناس هو خروج عن القانون وخروج عن إرادة المجتمع، فلا حق لهم في ذلك لأنهم يساهمون في انتشار الفيروس، ونتمنى أن يعودوا إلى صوابهم، فالسلطة لا تريد أن تكون قاسية معهم، لهذا يجب أن يكون هناك وعي جمعي وجماعي لانصهار الفرد في الجماعة، لأن في هذا الانصهار مصلحة الجميع ولا فضل لمواطن على الآخر.

في حديثك عن مرونة السلطة أو عدم قسوتها أمام هؤلاء، فمن باب الحديث عن سوسيولوجيا العقاب، كيف يمكن التعامل مع مثل هذه الحالات؟

فيما يخص العقاب، فهو ليس دائما نافعا، فهو ردع من أجل التخفيف من سلوكات الجريمة، ورغم ذلك فالجريمة واقعة لا محالة كما يقول دوركايم، ومن ثمة فالعقاب هو مدخل من أجل التخفيف من انتشار هذا الوباء، فالسلطة ليس هدفها العقاب من أجل العقاب، ولا المجتمع، بينما ما هو أساسي هو نشر الوعي وتعميم الثقافة الصحية، والثقافة الدينية المعتدلة، وثقافة الإحساس بالمسؤولية، لذلك يجب على المجتمع المدني أن يلعب دورا في مثل هذه الأزمات من أجل تغيير وتوعية هذه الذهنيات والسلوكات لتأسيس مجتمع أفضل، وعلى كل حال فمثل هذه النماذج موجودة في المجتمعات وهم أقلية، والأغلبية ملتزمة بالحجر الصحي. فهذه اللحظة التي نعيشها هي لحظة تناغم وتساند وتلاحم بين السلطة والمجتمع من أجل صحة الجميع، فكلنا معنيون بتجاوز هذا الزمن الكوروني بأقل الخسارات.

بالانتقال إلى البيت المغربي في هذا الزمن الكوروني، هل يمكن الحديث عن أن الحجر أعاد الدفئ إلى الأسرة وعزز النموذج المثالي من خلال الحوار الداخلي والتعاون والاهتمام؟

نعم هذه فرضية تحتاج إلى تمحيص وتجريب، وبحث ميداني، صحيح أنه في جانب من الجوانب يمكن القول–نظريا- بأن كورونا أرجعت الدفئ العائلي انطلاقا من الوجود اليومي، من بين الزوج (le couple) فضلا عن الأطفال، وبأن هذا القرب ربما يشيع علاقة جديدة داخل هذا الزوج وداخل الأسرة، ويسود الحنان والعطف والتقارب أكثر، ولا شك أن هذه الفرضية  تنسحب على كثير من الأسر، لكن هناك فرضية مضادة هو أن هذا القرب يخلق احتكاكا مباشرا يوميا قد يؤدي إلى العكس، فقد يؤدي إلى النكد داخل الزوج، ويؤدي أحيانا إلى العنف اللفظي وقد يتطور إلى العنف المادي والجسدي، لأن مؤشر القرب قد يفجر مجموعة من التوترات، ومجموعة من العنف في العلاقات اليومية، لهذا فالسوسيولوجيا مدعوة للبحث في هذه الظاهرة، وقد انخرط بعض السوسيولوجيين المغاربة في بحوث ميدانية عبر استمارات رقمية، وهذا البحث يساعد على معرفة أي من الفرضيتين أكثر انتشارا.

كباحث سوسيولوجي، هل هذه الأزمة تفتح الباب على واجهات جديدة للبحث في السلوك المجتمعي فرديا وجماعيا؟

لا شك في ذلك، فكورونا ستطرح أسئلة ابستمولوجية على السوسيولوجيا وعلى مداراتها، بل وحتى على طبيعة أسئلتها، وهذا أمر وارد في الغالب، ومن هنا أشير أننا سنكون أمام سوسيولوجيا تركيبية، أي تتداخل مع باقي فروع السوسيولوجيا، ومن جهة أخرى ستنفتح أكثر وستتواشج أكثر مع التخصصات العلمية الأخرى كعلم الطب مثلا، وعلم الفيزياء والتكنولوجيا وغيرهم بعيدا عن التخصصات الضيقة، لذا فسوسيولوجيا الصحة مثلا تدرس طبيعة التعامل مع هذا الفيروس الغامض، وكيف تبني معمارها العلمي اتجاهه.

بعد الخروج من الحجر والعودة بشكل تدريجي للحياة، هل يمكن لمجتمعنا المغربي يتعلم درسا من هذه الجائحة/الأزمة؟

نتمنى أن يكون هذا التعاضد المجتمعي والتضامن الاجتماعي أن يستمر وأن يكون صندوق التضامن هو مدخل لمحاربة الهشاشة الاجتماعية، خاصة بعض الظواهر الاجتماعية المشينة، كالتسول أو أطفال الشوارع، والإعاقة وغيرها، وعلى المستوى السياسي لا شك أننا نحلم بمجتمع أكثر ديموقراطية بتلاحم أكبر بين مكونات المجتمع في أفق مجتمع حداثي ديموقراطي تتسع فيه الحريات وتتسع فيه الأماني، ولعل درس كورونا كان مفيدا في مكافحة هذا العدو الخفي..كما نريد لهذا المجتمع أن يسجل خطوات متقدمة في التنمية، فضلا عن تعزيز موقعه الإقليمي والدولي، فالعالم القادم ستكون فيه قطبيات  قارية أو جهوية.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق