استطلاعمجتمعمنصّات

من داخل وحدات كورونا.. “المنصة” تنقل حكايات مؤثرة ليوميات الممرضين في مواجهة الفيروس

كثيرون يحصرون بلا وعي الأطر الصحية المجندة، في الأطباء، غير أنه في صف المواجهة، وفي الحرب التي نعيشها ضد الكائن المجهري، عرفنا شجاعة الأطر الصحية الذين تجندوا لخوض المواجهة، متحدين معا لمجابهة الخطر، عاقدين العزم القضاء على الفيروس الخبيث وإنهاء هذه المعركة بأقل الخسائر.

في هذا الاستطلاع، تقربكم صحيفة المنصة إلى جانب من حياة الممرضين بأجنحة “كوفيد-19” الذين اختاروا التضحية، تاركين أسرهم في سبيل الوطن والشعب، حكايات يدونها هؤلاء في سجل التاريخ بالألم والحزن والرعب، في ظروف إستثنائية لبوا فيها نداء الإنسانية.

  عبد الرحيم نفتاح

 

زوجان يتركان صغيرتيهما للمشاركة في المعركة ضد الوباء

عادل بنخالي وزوجته إيمان الطيبي، ممرضان قررا معا التجند في هذه الحرب وخوضها معا تاركين خلفهما صغيرتين في سن يحتاجان فيه أكثر إلى قرب والديهما.

يقول عادل في حديثه للمنصة: “منذ تسجيل أولى الإصابات بـ”كوفيد-19″ بالمغرب، كنا نتابع لحظة بلحظة عن كثب الوضع الوبائي بمدينتنا بطنجة، وبعد بدء الإصابات في الارتفاع قررت وزوجتي التطوع للمشاركة في محاربة هذا الوباء، وفي بداية أبريل التحقنا بفريق وحدة العزل بمستشفى دوق طوفار بطنجة”.

وينتقل الزوج والأب الشاب ليحكي لنا أصعب مرحلة عاشها رفقة زوجته، بعد قرارهما الشجاع الذي لم يكن قرارا سهلا عليهما لكونهما أبوين لطفلتين تبلغان 6 و3 سنوات، وهما في أمس الحاجة إليهما ومرتبطتين بهما كثيرا، صغيرتان لا تفهمان مامعنى نداء الواجب، بل فهمهما الوحيد يتركز في ضمة وحنان واهتمام من أبيهما وأمهما.. “هنا وقعنا في حيرة حول من سنودع إليه ابنتينا ليصونهما ويهتم بهما ويكون بالنا مرتاحا جزئيا خلال هذه الفترة التي سنغيب فيها عنهما، وما زاد في صعوبة الأمر هو الإنسانة الوحيدة التي كنا نعول عليها وهي أم زوجتي.. أصيبت بفيروس كورونا وأدخلت للمستشفى لتلقي العلاج”.

يتابع عادل.. “بعد تفكير قررنا أن نترك فلذتي كبدينا مع خالهما وزوجته، واللذين رحبا بذلك واحتضناهما رفقة أبنائهما، لهما الشكر الجزيل بهذه المناسبة.

في الضفة الأخرى يكتم عادل وزوجته لوعة الفراق المرحلي كل يوم بل كل لحظة “كل يوم نعيش شوقا كبيرا لمعانقة صغيرتينا، ونحاول أن نخفف نفسيا علينا وعليهما بالتواصل عبر تقنية الاتصال بالفيديو، بالإضافة إلى ذلك وجدنا صعوبة أخرى بسبب هذا البعد، وهو أن ابنتنا الكبرى التي تدرس في المستوى الأول، واجهت صعوبة في الدراسة عن بعد في غيابنا، فأحاول كل يوم تلخيص الدروس التي أتوصل بها من المعلمتين، وأرسلها لخالها. و نسأل الله مع قدوم شهر رمضان الكريم أن يرفع فيه هذا الوباء، وأن تمر الأزمة ونعود لأبنائنا جميعا سالمين غانمين إن شاء الله”.

مصدر الحنان تتحول إلى مصدر الخطر

فاطمة الزهراء بلين
فاطمة الزهراء بلين

لا تقل قصة فاطمة الزهراء بلين ألما عن حكاية عادل وزوجته، هذه الممرضة الشابة المتعددة التخصصات بالمستشفى الجهوي مولاي يوسف بالرباط، اختارت بدورها الانضمام إلى الطاقم الصحي بوحدة “كوفيد-19″، هذه المصلحة التي تتعرض فيها يوميا لخطر الإصابة بحكم الاحتكاك بالمرضى رغم الاحتياطات بسبب الطرق المجهولة التي تنتقل بها عدوى هذا الفيروس غير تلك المعروفة”.

تحكي هذه الزوجة والأم بألم يعتصر قلبها، في حديثها للمنصة قائلة: “هناك من الزملاء الممرضين من اختاروا العزل عن أسرهم والمكوث في الفنادق والمراكز التي فتحت أبوابها لهم خلال هذه الفترة، لكن أنا لم اختر ذلك، لأن لي أطفالا لازالوا صغارا وزوجي يشتغل بشكل يومي أيضا، وهم في حاجة لي”.

وتردف والدموع تغالبها: “اخترت مرغمة الرجوع للبيت، وفي هذا الرجوع اليومي أعيش سيناريوها مرعبا يقطع جوارحي، فأنا الأم مصدر الأمان والحنان، أصبحت مصدر الخطر والتهديد لهذه الأسرة، لهذا أحاول جاهدة أخذ الاحتياطات اللازمة عند باب البيت، أنزع ثيابي وأعقم يداي، وأدخل مباشرة للاستحمام، وخلال وجودي في البيت أضع الكمامة، وأصعب لحظاتي هي عجزي عن ضم أبنائي، وصد رغباتهم في تقبيلي، فهم ألفوا نمط حياة داخل البيت، واليوم يفاجأون بنظام آخر جمّد مشاعرنا”.

وتضيف فاطمة الزهراء: “أكثر الأشياء التي تربكنا هي عندما نعجز عن نقل أبنائنا إلى أحد أفراد عائلتنا، فأنا مثلا قررت عدم وضع أبنائي ببيت أمي المصابة بمرض مزمن، وذلك خشية عليها من أن تكون العدوى قد انتقلت مني إلى أبنائي، فرغم الاحتياطات المتشددة التي أقوم بها عند العودة للبيت، تساورني الشكوك حول حمل الفيروس، ولا يمكنني إجراء التحليلة إذا لم تظهر بعض الأعراض أو لم نخالط مصابا”.

ثم تختم بنبرة ملؤها الحزن والألم: “صراحة هذا الروتين الذي نعيشه يوميا بهذه التفاصيل أصبح يرهقنا ويرعبنا، فأنا لن أسامح نفسي إذا كنت سببا في العدوى إلى أبنائي، ولكن كل هذا في سبيل صحة المغاربة، وتضحية في سبيل وطننا”.

نعيش كابوسا حقيقيا خلال هذه الفترة

صفاء يامل، ممرضة في التخدير والإنعاش بمصلحة الإنعاش كوفيد بالمستشفى الإقليمي الأمير مولاي عبد الله سلا، تحكي بدورها عن الصعوبات التي تواجهها والتي تنقسم بحسبها إلى ماهو مهني وآخر اجتماعي، فعلى المستوى الأول، تقول في تصريح للمنصة:

“في ظل المشاكل التي يعانيها القطاع من حيث النقص في الموارد البشرية والأجهزة، يزيد من صعوبتها ظروف العمل المضاعف في ظل انتشار عدوى المرض الذي يجهل سبب انتشاره بسرعة كبيرة، وهو ما يجعلنا عرضة لحمل الفيروس، هذا ينقلنا إلى الصعوبات الاجتماعية التي نعيشها بسبب الابتعاد عن الأهل، وافتقاد تفاصيل يومية كنا نعيشها والتي كانت تساهم في استقرارنا النفسي والاجتماعي، فأنا مثلا غير متزوجة لكن والداي لهما دور كبير في حياتي اليومية، بالإضافة إلى أشقائي، ففي الفترة التي أخلد فيها للراحة أستغل بعض الوقت للتواصل معهم عبر الوسائط الرقمية، لكن رغم ذلك فهي لا تملأ ذلك الفراغ الذي نعيشه في البعد عنهم. فنحن ننتظر بفارع الصبر انتهاء الأزمة لأننا نعيش ضغوطات نفسية كبيرة، ونتمنى لمجهوداتنا أن تكلل بالنجاح إن شاء الله، وبأن تقل الوفيات ويستعيد المصابون عافيتهم وتتوقف العدوى”.

البرماكي مصطفى

فيما قال البرماكي مصطفى، الممرض متعدد التخصصات وعضو فريق التدخل السريع كوفيد بمستشفى القرب بالقصر الكبير، “نواجه يوميا هذا المرض، ونعيش هاجس الخوف من العدوى كل لحظة، نعيش ضغط نفسي بسبب هذه الظروف وبسبب البعد عن زوجاتنا وأبنائنا، وما يخفف عنا هو هذا العمل النبيل وخدمة كبيرة للمواطن والتضحية بالنفس من أجل الوطن، الممرضون هم أكثر فئة في الأطر الصحية في الصف الأمامي لمواجهة هذا الوباء، ونتمنى أن تنهي هذه الجائحة في أقرب وقت لنعود سالمين لأهلنا وأقاربنا، وأن تسلم البلاد من خطر انتشاره”.

سلوى فنار

 

موقف مشابه تسجله سلوى فنار، ممرضة بقسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي المنصور بالبرنوصي الداالربيضاء، التي قالت في حديثها للمنصة: “بهذا القسم نستقبل الحالات المحتمل إصابتها بالفيروس، ونقدم لها العلاجات الأولية  ونجري لها التحاليل. ففي يومياتنا نعيش ضغطا نفسيا بسبب الاحتكاك المباشر بالمرضى، وبسبب بعدنا عن عائلاتنا حتى لا ننقل لهم العدوى، هو إحساس صعب نعيشه كل يوم خاصة أننا مقبلون على شهر رمضان الذي ألفنا فيه الجمع واللمة حول مائدة الإفطار، نتمنى من المواطنين يقدرو هذه التضحيات ويلتزموا بالتدابير الاحترازية لنسيطر عليه لأننا فعلا نعيش كابوسا حقيقيا خلال هذه الفترة”.

 

تقدير مجهودات هؤلاء الأطر

أوضح عبد الكريم باعلي، إطار نقابي بالجامعة الوطنية للصحة فرع مراكش، في تصريح للمنصة، أن “الممرضين منذ بداية الجائحة بالمغرب، انخرطوا تلقائيا في مواجهتها، ومنهم من تطوع للعمل بمصلحة “كوفيد-19″، كما أن بعض الممرضين المستفيدين من التفرغ النقابي اختاروا بدورهم العمل جنبا إلى جنب ضمن الجنود الصحية”.

وأضاف، “يمكن القول انطلاقا من عملي كممرض أشعة وعامل داخل هذه المصلحة، أن معنويات الممرضين عامة مرتفعة في هذه المعركة، لكن هذا لا يخفي معاناة من جهة ثانية بسبب نقص في الوسائل الصحية الضرورية، وهو ما عبرنا عنه في الجامعة الوطنية للصحة، مطالبين بتوفير الحماية للأطر بالإضافة إلى الدعم النفسي، كما نبهنا إلى عدم إشراك الطاقم كاملا بالمصلحة خلال فترة الحراسة، ودعونا الحكومة إلى توظيف الخريجين المعطلين، في هذه المرحلة “.

تابع باعلي “طالبنا الوزارة بأن تعتبر المصابين من الممرضين بهذا الفيروس، بأنه حادث شغل يقتضي التكفل بهم وتعويضهم ماديا ومعنويا” مردفا، “نتمنى تقدير وإلتفاتة لمجهودات هؤلاء الأطر عبر التحفيز المادي، خاصة على مستوى التعويض عن الأخطار المهنية..”.

 

‫2 تعليقات

  1. تحية لكل الأطر التمريضية المرابطة بالجبهات الأولى لمحاربة الكورونا في مواجهة ضغوطات نفسية وجسدية جمة ، كل التحية والتقدير

  2. كل التشجيع و الحب الأبطال المرابطين بالمستشفيات…
    مهما شكرنا لكم وطنيتكم، فلن نوفيكم حقكم.
    و يكفي قوله عز و جل “و من احياها فكانما احيا الناس جميعا”.
    حفظكم الله و بتطارك لكم في ابنائكم و صحتكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق