تدويناتمنصّات

تدوينات.. سعيدة الكامل: قليل من الرحمة والعدل.. فكلنا أسرى

قليل من الرحمة والعدل.. فكلنا أسرى
سعيدة الكامل

تدوينات

سعيدة الكامل

زمن كورونا ليس زمن عناد سياسي، إنه ساعة تعلو فيها الحكمة وإرساء التلاحم كي لا يعل علينا الموت جميعا. ولا يمكن أن يكون هذا التلاحم قويا ومنطقة من مناطق بلدنا أنفاسها مقطوعة على أبنائها بالسجون. الريف منطقة ذات حساسية تاريخية وعانت من الظلم في تدبير ملف الإحتجاجات الأخيرة، إن أي مكروه قد يصيب المعتقلين على خلفية حراك الريف قد يهدد ما نحتاجه من انضباط وتوافق في هذا الظرف العصيب. أرجو أن يغلب منطق الحكمة في تدبير الأزمة ويتم فك أسر هؤلاء الذين عبروا عن حب لبلدهم منقطع النظير، حب لم يقايضه مال ولا جاه ولا طمع في ترف شخصي، وها نحن اليوم أمام جائحة لا تقينا منها الفردانية و لا التعنت، بل الحكمة وتغليب المصلحة العامة.

ها نحن أفراد يصير مصيرهم معلق بسلوك الجماعة وما تنفثه في الهواء من أنفاس قد تكون مسمومة، والهواء لا تحمي منه جدران مهما علت ومهما كان سمكها. كمواطنة تحب هذا البلد درجة البكاء خوفا عليه ومنه، قاومت أصوات النداء لمغادرته وتشبثت ببصيص الأمل في أن مغربا تسوده قيم الحرية وعادل بين أبنائه ممكن، لن يكون ضميري مرتاحا أبدا، إذا فكرت في نجاتي ومنجاة من أحبهم، وغفلت أن هناك سنابل تذبل خلف أسوار السجون. وأن خير ما فينا من قيم نبل وإيثار وشجاعة ووطنية يجتمع عليها عدوان الوباء والظلم والحرمان من الموت بلا أصفاد. لن يكون ضميري مرتاحا إذا غلب جبروت هذا الڤيروس أحد الآباء أو الأمهات الشامخات لهؤلاء المعتقلين ولم ينعموا بعد برؤية أبنائهم على مائدة عشاء أخير، ولا سمع هؤلاء آخر دعوات رضى الوالدين. كل شيء ممكن فمنهم الطاعن(ة) في السن ومنهم المريض(ة) ومنهم المنهك(ة) من آفات الزمن.

قليل من الرحمة والعدل يكفيان لأن يكفف هؤلاء دموع أبنائهم وزوجاتهم وبناتهم وأمهاتهم ودموع بلد يأسره الوباء، قليل من الرحمة والعدل ولا يلق مغلوب بالڤيروس ربه وبالقلب ضغينة على سجاني أمله. قليل من الحكمة والعدل يكفيان لأن نتشارك الأسْر جميعا، فلا في البحر منفذ ولا بالجو مهرب ولا حدود البر مفتوحة، كلنا أسرى، نتابع عداد الموت ويدنا على قلوبنا وعيوننا مفتوحة على السماء. لن تفعل بِنَا رسائل الزفزافي ولا أغاني أحمجيق ولا منجنيقات الصحافيين ولا تغريداتهم ولا افتتاحياتهم ولا صدقهم ولا كذبهم أكثر مما يفعل بِنَا الوباء.

الجائحة لا تبشر ولا تنذر ولا تصرخ ولا تقرأ ولا تكتب، إنها تقتل ، تقتل إلا من سلمت يداه وقلبه من علة ودمه، وقد تفعل ماتشاء وتختار حتى أصحنا وأقوانا. فهي كما الطغاة قد تصدر ما تشاء من أحكام وإعدام .

فبحق هذا الوجع الذي آلف بيننا لا تكونوا أقسى من هذا الوباء . بحق هذا الزمن البليغ في درسه لا تجعلوا ڤيروسا أعدل من البشر ولا تكيلوا الإنسانية بمكيال العقاب، فلا الزمن زمن عتاب ولا زمن عناد، فكوا أسرهم فك الله أسركم وأسرنا جميعا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق