ثقافة وفنون

ثقافة وفنون: تحف بطعم الحياة

شفيق الزكاري

ثقافة وفنون: تحف بطعم الحياة

شفيق الزكاري
شفيق الزكاري

سوزان سطراندانجر فنانة تشكيلية سويدية بروح مغربية، استقرت بالمغرب منذ مدة طويلة فتأثرت بمحيطها، وجعلته معينا لكل تجاربها التشكيلية، لدرجة العشق والوله بالطبيعة والعادات والثقافة..المغربية، جعلت من تجاربها موطنا لمشاريع فنية تنهل من معايشتها اليومية مع كل ما قد يتعذر على المتلقي العادي اكتشافه بعين غربية وروح مغربية، ساعدها في ذلك تنقلاتها ورحلاتها المستمرة عبر بقاع العالم.

لم تكن تجربة الفنانة سوزان وليدة اللحظة، بل هي امتداد في الزمان والمكان من خلال مسيرة حافلة بطرح الأسئلة الراهنة المرتبطة بفضاءاتها المتعددة، فبعدما أن مارست الصباغة بطرقها الأكاديمية والكلاسيكية، انتقلت إلى التفكير في طرق حداثية لمعالجة القضايا المطروحة بحس يغلب عليه الطابع المتمرد على كل ما سبق من تجارب في مسيرتها الفنية، لتجعل من أفكارها موطنا لرؤى مغايرة لما هو سائد ومتداول في حلة معاصرة انتقلت من بعدين إلى ثلاثة أبعاد، بالاشتغال على أيقونات زجاجية وشفافة شفافية الماء، لما كان للفضاء تأثير على رؤيتها دمغتها الطبيعة واحتياجاتها، فكان الماء من بين العناصر الأساسية والمؤثرة في مخيلة الفنانة سوزان، بعد إدراكها أهمية هذا العنصر الحيوي الذي ترى فيه أنه قد يصبح محط نزاع مستقبلي لأجل الوجود، استنادا لقول الله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حيا”.

إن تفكير الفنانة سوزان لم يذهب إلى ما هو فرداني، بل إلى ما هو تفكير في الجماعة أيضا، لتسخر تجربتها الفنية  في خدمة المجتمع، فهي لم تشتغل على آليات وتقنيات تشكيلية من أجل طرح قضايا تتعلق فقط بأبعاد التحفة الفنية بصريا لأجل الاستمتاع والمؤانسة، بل هي تريد لهذه التحفة أن تتجاوز حدود استنباتها لما هو فيه خير وفائدة للإنسانية بطريقة تضمن مواصفات الأيقونة بأبعادها الفنية من جهة، والحفاظ على الدلالة الموضوعية لهذه الأيقونة من جهة أخرى كوسيط بين ما هو مرئي وحسي لتعميم الفائدة، تعبيرا عن دور الفن في خدمة المجتمع.

فما يميز تجربة الفنانة السويدية سوزانسطراندانجر، هو اشتغالها الجماعي استنادا إلى إطلالتها على ما هو حرفي انطلاقا من ما هو إبداعي فردي، فكانت الفكرة وليدة فضاء ومحيط مغربيين ليتم إنجازها بمحترف صانع الزجاج دنيلوزانيلا بإيطاليا الذي يعتبر من أمهر الصناع هناك، بمساعدة الفنان فلافيوريغو من البندقية، لتحصل بعملها الموسوم كتيمة ب “لا حياة بدون ماء

No Water No Life” على جائزتين دوليتين وهما: جائزة ليوناردو دافينتشي بفلورنسا/إيطاليا، وجائزة جيوطو بالبرتغال.

تقول الفنانة سوزانسطراندانجر أن “هذا العمل الذي يعتبر تنصيبا لأربع أيقونات زجاجية لقطرات من الماء، هو رد فعل لما يحدث من خلل وتغيير في الطبيعة، ترتب عنه قلة الماء”.

من هنا يمكننا استيعاب هذا المشروع برمته، مع اختيار إبداعي محدد لتقديم هذا العمل دون فصله عن محيطه، حيث قلة الماء وصراع الإنسان لأجل الوجود (البدو الرحل) على سبيل المثال لا الحصر، فكان اختيار الفنانة سوزانلفضاء الصحراء المغربية موطنا لتنصيب هذه القطرات كسند يجمع بين التضاد كالضوء والعتمة والحياة والموت والاستمرارية واللاستمرارية..، لتجمع بين العناصر الأربعة التي تمثل أصل الكون، (الحرارة/النار، الهواء، الماء والتراب).

فإذا كان هذا العمل متميزا من حيث الفكرة، فهو جديد من حيث التقنية في إطار توازن مرئي يجمع بين فكرة الفنان وحرفية الصانع، مما يجعل منه عملا مفاهميا ومعاصرا بامتياز، ففي داخل كل قطرة من الماء عوالم لونية لا يمكن الحصول عليها إلا في قوس قزح، وفي كل زاوية داخل هذه القطرات تقبع أشكال هلامية تسبح في فضاءات مصغرة توحي بجرد تاريخي لانفجار الكون وبدايته

“big bangle”.

فالماء لا لون له ولا طعم، وكسائل انسيابيلا يمكن القبض عليه، هذا ما حاولت الفنانة سوزان أن ترصده في تجربتها، فاختارت المكان المناسب (الصحراء)، وجعلت من قطرات الماء صدى لألوان مختلفة وجسدت الماء في هذه القطرات من خلال مادة شفافة (الزجاج) كأقرب إمكانية بطعم الحياة، لارتباطها وولعها بالتربة التي تعيش فيها.

ما يميز عمل الفنانة السويدية سوزان سطراندانجر، هو أن عملها الأخير يحمل قابلية التحول والتنقل بطريقة منسجمة تخضع لطبيعة فضاء العرض، بمعنى أنه عمل يسافر عبر الأمكنة بحثا عن تربة تلائم طبيعته.

فإذا كان موضوع البحث عند الفنانة سوزان يكتسي هذا الطابع الزئبقي عبر موضوعة الماء بثلاثة أبعاد، فإن عددا من الفنانين سبق وأن اشتغلوا عليه بطريقة مغايرة كما هو الحال عند الفنان الألماني كلاوس رينك في علاقة الماء بالزمن، بينما في تجربة الفنان الراحل عبد الإلاه بوعود تصب في نفس الموضوع ولا تعدو أن تكون إلا ببعدين، في ديوان “ينابيع مائية” الذي اشتغل عليه صحبة الشاعر أحمد العمراوي، جاعلا من الماء وسيلة من وسائل التعرية عبر انسياب الصباغة بمنعرجاتها العفوية.

إذن تبقى تجربة الفنانة سوزان من بين التجارب القليلة والاستباقية، التي طوعت من خلالها المادة وجعلت منها عملا إبداعيا للانتصار للحياة في مواجهة الموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق