مجتمع

السخرية والأزمات في المجتمعات الافتراضية .. استهتار بالخطر أم تنفيس عن الغضب ؟

معاذ أحوفير (صحافي متدرب)

في سياق ينذر بحروب عسكرية وأزمات اقتصادية ووضع اجتماعي موغل في البؤس، يطل علينا رواد مواقع التواصل الاجتماعي بردود ساخرة تفتقد لطعم الجدية حتى في أكثر المواقف شدة.

يرى بعض المتتبعين أن هذه السخرية تنم عن قلة وعي بالمخاطر الحقيقية المتعلقة بالمواضيع التي يتم التهكم عليها، أو ربما تجاهل واستهتار للمآلات، فصانعو “الميمز والطرول” استقبلوا خبر اغتيال الايراني قاسم سليماني بترحيب كبير، ليس نكاية في إيران ولا تأييدا لترمب، ولا دعوة لضبط النفس بين الطرفين، بل أصبحت “الحرب العالمية الثالثة” عبارة متداولة بين المغردين العرب في سياق كوميدي.

وبالطريقة ذاتها، تداول النشطاء ظهور فيروس كورونا بشكل هزلي، طبعه الأسف والانتظار من مواطني الدول التي لم يصلها الوباء، ومن جهة أخرى، أعلن البعض رفع التحدي أمام الفيروس بصيغ تسخر من الإمكانيات الصحية الهزيلة، والتي تشترك فيها البلدان التي ينتمي إليها المغردون، وهنا بدا بأن “الساركازم” يختزن وعيا حقيقيا بالواقع وغضبا عارما، تحيطه من المعيقات ما يكفي لإلجامه عن الخروج من قالبه الافتراضي.

يعتبر ابن خلدون في مقدماته أن الساخرين من الكوارث هم “قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يساق للموت وهو مخمور”، وهو تشبيه قد لا ينطبق بشكل كبير على وافع الحال لدى البعض، فالسخرية أصبحت بمثابة “رد فعل” نابع من معرفة بحقيقة الأشياء، ويستعملها الكثيرون للتنفيس عن الأوجاع، فالحديث عن الحزن والبؤس لن يحل المشكل..

لكن هذا لا يرفع المسؤولية عن هؤلاء، حيث أن الواجب هو نشر الأمل والسعي خلف التغيير بابتكار وسائل مختلفة للتعبير السليم والنقد الهادف، فزيادة السخرية عن حدها قد يفقدنا طعم المرارة الحقيقية التي يمكن أن توقظ فينا استنهاض الهمم، يرد آخرون.

وبين هذا وذاك، يمكن اعتبار القيود التي بدأت تفرضها الحكومات ضد المغردين، سببا رئيسيا في تحولهم للطابع الهزلي، في وقت أصبحت التدوينة كافية لفتح محضر في قسم الجريمة الإلكترونية، فأصبح التهكم يشكل وسيلة تعبير غير مباشرة تمرر رسائل الغضب في إطار الهزل القابل للتأويل، وتخفي في كثير من الأحيان خوفا وهلعا يختبئ بين الأسطر الساخرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق