رأيمجتمع

ألا يحق لأصحاب السوابق القضائية العيش بكرامة؟

نورالدين عثمان

مجتمعرأي

كثيرا ما تصادفك عبارة “هذا شخص له سوابق” -حَبّاس-، سواء في الفضاء العام أو الخاص. ويقصد بهذه العبارة الشخص الذي قضى عقوبة حبسية لارتكابه خطأ أو جرما أو جنحة في حق الفرد أو المجتمع.

إن كلمة “حَباس”، تكون كافية لدى الكثيرين لأخذ الحيطة والحذر من هذه الفئة، بل يصل الأمر بالبعض إلى تصنيفه كخطر داهم على المجتمع، وبالتالي يجب إبعاده فورا أو إعادته إلى السجن، وذلك انطلاقا من أحكام جاهزة في حق فئة قادتها ظروف معينة إلى غياهب السجون، دون حتى التفكير أن سبب دخوله السجن ربما يكون غلطة أو نزوة عابرة أو شجار عادي تطور إلى ما لا يحمد عقباه، أو شهادة زور من شخص بدون ضمير أو أن هذا الشخص يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه أصلا بسبب عدم عدالة النظام القضائي..

قد تتعدد الأسباب ويكون السجن هو مصير فئة مهمة من المجتمع، ومهما كانت الظروف والأسباب التي أدت بهذه الفئة إلى دخول السجن (رغم أننا كلنا معرّضُون للسجن في أي لحظة)، فإن الثابث هو أن السجين نال العقاب الذي يستحقه بقضائه لعقوبته السجنية، سواء كان قد أخطأ في حق الأفراد أو المجتمع أو قضى العقوبة ظلما..

لكن هل يعني هذا عزل هذه الفئة وتهميشها بعد مغادرتها أسوار السجن؟ وهل يعني أن هذه الفئة لا يحق لها العيش بكرامة وتستفيد من كامل حقوقها الدستورية والكونية كباقي أفراد المجتمع؟

فإن كان هناك خطأ ارتكبه هذا الشخص أو ذاك، فقد دفع ثمنه من حريته، وهنا يجب أن ينتهي الأمر ولا يجوز النظر إليه كمجرم طيلة حياته ويتم التعامل معه كشخص منبوذ.

مناسبة هذا الكلام هو الأحكام المسبقة والجاهزة، والنظرة الدونية التي ينظر بها بعض أفراد المجتمع تجاه هذه الفئة (وهنا اقصد الفئة التي قضت عقوبتها وتريد أن تندمج في المجتمع كأي مواطن)، فهذه الفئة تتعرض للجلد والقسوة يوميا بسبب خطأ ارتكبته يوما وترافقها لعنات السجن أينما حلّت وإرتحلت، مما يزيد من معاناتها على مختلف المستويات مع إحساسها بالقهر والظلم وهي التي كانت تمنّي النفس باحتضانها من طرف المجتمع حتى لا تجد نفسها مضطرة للعودة إلى السجن نتيجة هذه الأحكام المسبقة.

إن الدولة المغربية وإن كانت اشتغلت على هذه الملف الإجتماعية عبر إيجاد آليات مناسبة لإدماج هذه الفئة في محيطها، فإن الكثير من المؤسسات العمومية والخاصة، لا تتعاطى إيجابيا مع هذه البرامج وتعتبر السجين السابق مجرم وتتعامل معه على هذا الأساس، وبالتالي يكون مصيره الإقصاء والتهميش دون حتى النظر إلى مؤهلات أو حسن سلوكه بعد قضاء عقوبته السجنية.. المر الذي يعد انتهاكا صارخا للحق في الشغل والحياة الكريمة وكل مفاهيم حقوق الإنسان الكونية، ولعل الفئة التي استطاعت الحصول على فرصة شغل (على قلتها)، فإنها تتعرض يوميا لكل أشكال التمييز والإهانة سواء من طرف المُشَغِّل أو من طرف بعض المرتفقين وعامة المواطنين. كما أن أجورها تكون الأدنى مقارنة مع باقي الأجراء والمستخدمين، وحقوقا أقل مع إمكانية تعرضها للطرد في أي لحظة بسبب أو بدونه دون مراعات لإنسانية الإنسان أو مراعات لوضعها العائلي والأسري خصوصا وأن الكثير منهم متزوجون ولهم أطفال في إعتداء على كرامة بني البشر.

وفي حالات أخرى وعندما يكون المستخدم من فئة ” أصحاب السوابق”، في إدارة أو مؤسسة عمومية أو شركة خاصة، (على سبيل المثال لا الحصر، حراس الأمن الخاص، عمال شركة النظافة، أو شركات البناء…) وعند وقوع أي مشكل أو احتكاك بسبب سوء الخدمات أو خلاف بسيط أو مشكل في القوانين المنظمة لعمل هذه المؤسسة أو تلك، أو سوء فهمها، تجد أن بعض المواطنين يصب جام غضبه على تلك الفئة بالخصوص دون غيرها، بكلمات نابية وعنصرية وحاطة من الكرامة الإنسانية”… الحباسة ،المجرمون، عليكم بالعودة إلى السجن…..” رغم أنهم فقط ينفذون أوامر رؤسائهم دون مراعات العامل النفسي والمعنوي لهذه الفئة ولأسرهم وأطفالهم، وهنا تجد أن المواطن للأسف يلعب دور الجلاد بهكذا عبارات مهينة وقد يساهم في عودتهم إلى المربع الأول دون إدراك لخطورة كلامه وأثره النفسي على الآخرين.

ختاما، اعتقد أن ثقافة مجتمع معين تكون هي أكبر حاضنة للإجرام، كما أنني مقتنع أن احتضان هذه الفئة ستكون في مصلحة الجميع، وأن المزيد من تهميشها وتحقيرها ستكون له نتائج وخيمة على الجميع، مع العلم أن الكثير من المسؤولين في هذا الوطن لهم سوابق.. ليس بسبب جنحة أو جريمة عادية بل بسبب سرقة ونهب المال العام أو جرائم كبرى وتجدهم الآن في الكثير من المؤسسات العمومية والمنتخبة، ولو كان هناك نظام قضائي عادل وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لكان الكثير من المسؤولين في السجن لكن ورغم كل هذا تجد هذه الفئة المحظوظة من كبار اللصوص تحظى بالاحترام والتقدير من طرف الكثيرين.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق