رأي

الحق في تأسيس الجمعيات بين النص القانوني والممارسة العملية

 بازغ لحسن (باحث في الأمازيغية)

تقديم :

انطلاقا من التطور الذي عرفه المجتمع المغربي ،والدور المتزايد الذي يلعبه العمل الجمعوي في التطور المذكور ،وفي البناء الديمقراطي بصفة خاصة تكاتفت جهود مكونات الحقل الجمعوي في السنوات الماضية لأجل المساهمة في تعديل القانون المنظم لتأسيس الجمعيات الصادر سنة 1958 والمعدل في سنة1973والمطالبة بإصدار قانون يستجيب لتطلعات وطموحات النسيج الجمعوي ،هذا القانون الذي يمثل احد الأركان الثلاثة الأساسية لظهير الحريات العامة بعد قانون الصحافة وقانون التجمعات العمومية ،وقد تكونت آنذاك لجنة للمتابعة شكلت من حوالي 2000جمعية وبذات عملها منذ نونبر 1998 حيث قدمت مذكرات ورسائل إلى الحكومة والفرق البرلمانية أبرزت فيها المشاكل والصعوبات التي تواجهها وتعاني منها لتحقيق أهدافها وتنفيذ برامجها ،كما عقدت ندوات ولقاءات عديدة عبر التراب الوطني للتحسيس بأهمية موضوع إصلاح قانون الجمعيات ولفت الانتباه لضرورة المساهمة في التغيير ،كما جمعت مئات التوقيعات شكلت قوة ضاغطة ،ونجحت في عقد اتصالات على أعلى مستوى مع جهات حكومية محققة بذلك اجماعاوطنيا حول مشروعية مطالبها .

كما استطاعت لجنة المتابعة أن تخرج هذا الملف من دائرته الوطنية لتعطيه بعدا دوليا من خلال المساهمة في تقديم تجربة الجمعيات المغربية فيما يتعلق بالحملة من اجل تعديل القانون سواء على مستوى الشرق الأوسط أو في المنطقة الاورو –متوسطية اوعلى المستوى الأسيوي ،ومن جملة الشروط والعوامل التي أنتجت التعديلات الجديدة التي شدد عليها المطالبون بالتعديل نجملها في العناصر والمنطلقات التالية :

-نظرا لان ظهير 1958 أصبح متجاوزا بفعل الزمن وعامل التطور الاقتصادي والاجتماعي والجمعوي الذي عرفه المغرب ،ولم يعد قادرا على استيعاب الفعل الجماهير المتنوع والغني والمتشعب في وقت تنوع فيه العمل الجمعوي من جمعيات تنموية ومهنية وحرفية وذات مهام وأهداف مختلفة ومتنوعة .

-مطالب الجمعويين جاءت مستندة على ما ينص عليه الدستور المغربي إذ يؤكد على تمسك المغرب بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليه عالميا ويكرس حرية تأسيس الجمعيات .

-كون المادة  22  من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية التي صادق عليها المغرب بموجب الظهير الشريف رقم 1-74-186 الذي يؤكد على انه “لايجوز وضع قيود ممارسة هذا الحق غير تلك المنصوص عليها في القانون والضرورية في مجتمع ديمقراطي لضمان الأمن القومي اوالسلامة العامة اوالنظام العام أو الأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم “.

-التزام الحكومة بتعزيز حماية حقوق الإنسان وملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات المصادق عليها من طرف المغرب .

-استلهاما من الخطب الملكية التي أكدت غير ما مرة على ضرورة تعزيز ممارسة الحريات الفردية والجماعية في إطار احترام القانون وعلى الدور الهام والفاعل للمجتمع المدني .

-الرغبة الأكيدة لجلالة الملك في تجسيد المشروع المجتمعي والديمقراطي الذي يقوده حيث تساوت التعديلات مع مبادرات تشريعية مست العديد من مناحي الحياة ،قانون الصحافة والنشر –إعادة تنظيم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان 10ابريل 2001 إحداث مؤسسة المظالم 9دجنبر 2001 مراجعة الظهير المتعلق بالتجمعات العمومية .

-اعتبارا للمهام التي تضلع بها الجمعيات ودورها الأساسي في تاطير المواطن والإسهام في بلورة التنمية على المستويين المحلي والجهوي وتأصيل روابط التضامن وترسيخ ثقافة الديمقراطية والمواطنة ونبد أشكال التمييز والكراهية.

-كون المنظمات الدولية أصبحت تفضل التعامل مع الجمعيات بدل الحكومات .

حرية تأسيس الجمعيات وتسهيل مساطير التأسيس :

من بين الفصول التي مستها التعديلات التي أدخلت على القانون رقم 75:00الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير رقم 2006-02-01 بتاريخ 12 جمادى الأولى 1423″23يوليوز 2002 “الفصل الخامس الذي يعطي الحق لكل مواطن أن يؤسس جمعية ونصه كالتالي “كل جمعية يجب أن تقدم تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية مباشرة آو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال ،وتوجه السلطة المحلية المذكورة إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة نسخة من التصريح المذكور وكذا نسخا من الوثائق المرفقة به والمشاراليها في الفقرة الثالثة بعده وذلك قصد ابداءرايها في الطلب عند الاقتضاء ،وعند استيفاء التصريح للإجراءات المنصوص عليها في الفقرة اللاحقة يسلم الوصل النهائي وجوبا داخل اجل اقصاء 60 يوما وفي حالة عدم تسليمه داخل هذاالاجال  جاز للجمعية أن تمارس نشاطها وفق الأهداف المسطرة في قوانينها .فالايجابي هنا أن الآجال أصبحت لاتتعدى شهرين في وقت كنا ننتظر وصل الإيداع لمدة سنة في بعض الأحيان وتكون هناك أمور إدارية مرتبطة بهذا الوصل كالمنح ويمر الوقت ولاتستفيد الجمعية .كذلك معالجة ظاهرة ازدواجية التصريح بالتأسيس عبر التنصيص على إيداع الملق القانوني لدى السلطات الإدارية التي تقوم بإحالة نسخة منه على النيابة العامة ،كما تم تمكين المعني بالأمر بجعله يرفع دعوى لدى القضاء الإداري  ألاستعجالي وذلك رغبة في وضع حد للجدل الذي كان يثيره عدم تسليم الوصل وجعل القضاء هو الفاصل الوحيد بين السلطة والمواطن الراغب في تأسيس الجمعية .

التنصيص على الدين الإسلامي كثابت لايجوز المساس به.

ومن التعديلات التي أتى بها القانون الحالي هو التنصيص على الدين الإسلامي والذي لايجب المساس به بأي حال من الأحوال سواء عند التأسيس وخلال الممارسة ونص الفصل الثالث الذي جاء كما يلي : “كل جمعية تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع الآداب العامة آو قد تهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني وبالنظام الملكي أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز تكون باطلة “فبالنظر إلى الانفتاح على الغرب في ظل العولمة /ترجم التعديل بشكل قوي الشعور بضرورة تحصين ساحة العمل الجمعوي من كل محاولات تسخيره لاستباحة ثوابت الأمة وهويتها .

تمكين الجمعيات من موارد مالية متنوعة .

كما جاء في الفصل السادس من القانون ليوسع من الإمكانات والموارد المالية للجمعيات بالإضافة إلى واجبات الانخراط والاشتراك السنوي والأملاك التي في حوزة الجمعيات ،كما اقترح إعانات القطاع الخاص والمؤسسات الأجنبية على أساس أن تصرح بها أمام الجهات المعنية .ومما جاء فيه :”كل جمعية صرح بتأسيسها بصفة قانونية يحق لها أن تترافع أمام المحاكم وان تقتني وان تملك وتتصرف بقطع النظر عن الإعانات العمومية في مايلي :

1-واجبات انخراط أعضائها .

2-واجبات اشتراك أعضائها السنوي .

3-إعانات القطاع الخاص .

4-المساعدات التي يمكن أن تتلقاها الجمعية من جهات أجنبية مع مراعاة مقتضيات الفصلين 17و32 مكرر من هذا القانون .

5-المقرات والأدوات المخصصة لتسييرها وعقد اجتماعات أعضائها .

6-الاملاك الضرورية لممارسة وانجاز أهدافها .

4-وضع رؤية واضحة لإدخال الشفافية إلى التسيير المالي للجمعيات .

لذا فان الجمعيات التي تتلقى مساعدات أجنبية ألزمها الفصل “32مكرربضرورة التصريح إلى الأمانة العامة للحكومة بحجم المبالغ المحصل عليها ومصدرها داخل اجل ثلاثين يوما كاملة من تاريخ التوصل وكل مخالفة لمقتضيات هذا الفصل السابع يعاقب طبقا للقانون .كما يلزم كذلك الفصل “32 مكررمرتين “الجمعيات التي تتلقى دوريا إعانات يتجاوز مبلغها 10الاف درهم من إحدى الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الشركات التي تساهم الدولة في رأسمالها كليا أو جزئيا أن تقدم حساباتها للهيئات التي تمنحها الإعانات المذكورة مع مراعاة مقتضيات القانون المتعلق بمدونة المحاكم المالية أي مسك الجمعيات للدفاتر الحسابات وتجري عليها مراقبة مفتشي وزارة المالية ،كل هذا من اجل إدخال الشفافية في التسيير المالي للجمعيات ومن اجل ضمان رصد للأموال المحصل عليها للأغراض التي طلبت من اجلها وحتى لاتنحرف عن أهدافها .

5-حل الجمعيات اصبح بيد القضاء تفاديا لاي تعسف اوتضييق.

لقد أصبح حل الجمعيات من اختصاص المحكمة الابتدائية تفاديا لأي تعسف آو تضييق من طرف السلطات الإدارية تفاديا لآي تعسف اوتضييق من طرف السلطات الإدارية ضد حرية تأسيس الجمعيات وممارستها ،وهذا مطمح طالما نادت به مكونات الحقل الجمعوي التي عانت كثيرا من تعسفات السلطات في هذا الشأن ولهذا نص الفصل السابع على مايلي :”تقرر المحكمة الابتدائية حل الجمعية أما بطلب من شخص يعنيه الآمر اوبايعاز من النيابة العامة .

في حالة البطلان المنصوص عليه في الفصل 3 وبصفة عامة إذا ظهر أن من شان نشاط هذه الجمعية الإخلال بالأمن العمومي وفي حالة مخالفة مقتضيات الفصل 5 وعلاوة على ذلك يجوز للنيابة العامة في جميع الحالات استدعاء الشخص المتابع للمثول أمام المحكمة في اجل ثلاثة أيام كاملة ،وللمحكمة وبالرغم من كل وسائل الطعن أن تأمر على سبيل الاحتياط وتحت قيد العقوبات المنصوص عليها في الفصل 8 بإغلاق أماكن ومنع كل أعضاء الجمعية .

6-إلغاء العقوبات الحبسية

إن أهم مايميز الفصل الثامن 8 هو إلغاء العقوبات الحبسية السالبة للحرية والإبقاء على الغرامات وتقليصها ،فحسب تعديلات 1973 كان كل تأسيس جمعية غير مصرح بها يكون محل عقوبة حبسية ومالية .وجاء القانون الجديد ليلغي هذا الأمر مع الإبقاء على غرامة مالية في حالة استحقاق العقوبة .لذا فقد نص الفصل 8 على مايلي :”يعاقب بغرامة تتراوح بين 1200و5000درهم الأشخاص الذين يقومون بعد التأسيس جمعية بالعمليات المشار إليها في الفصل 6 دون مراعاة الإجراءات

 المقررة في الفصل الخامس وفي حالة تكرار المخالفة تضاعف الغرامة .

7-صفة المنفعة العامة

يخص الفصل التاسع تسهيل مسطرة تقديم طلبات الحصول على المنفعة العامة أي التي تعتبر السلطات أن نشاطها ذو فائدة للمجتمع وتخدم المصلحة العمومية ،حيث لم تعد تمنح بظهير بل بمرسوم وزاري أقصاه ستة أشهر للرد على الطلبات ،كما تم تحديد المعايير الواجب توفرها لدى الجمعيات للاستفادة من هذه الصفة بمقتضى نص تنظيمي ومسك محاسبة تعكس صورة صادقة عن ذمتها ووضعيتها المالية ونتائجها ،وان تحفظ القوائم التركيبية والوثائق المثبتة للتقيدات المحاسبة والدفاتر لمدة خمسة سنوات ويتعين عليها أن ترفع تقريرا سنويا إلى الأمانة العامة للحكومة يتضمن أوجه الاستعمال للموارد التي حصلت عليه خلال سنة مدنية .

ويجب أن يكون هذا التقرير مصادق عليه من طرف خبير محاسب مقيد في جدول هيئة الخبراء والمحاسبين يشهد بصحة الحسابات التي يتضمنها .

الاكراهات والممارسة العملية

هناك اكراهات عملية تعوق العملية الجمعوية ببلادنا تنضاف إلى القانون المذكور وتتمثل بالأساس في :بعض العمالات ترفض الإدلاء بوثائق لاينص عليها القانون عند التصريح بالتأسيس أو تجديد الهياكل المسيرة .

-صعوبة الحصول على رخصة المقر في بعض الأقاليم .

عدم تسليم وصل الإيداع عند التصريح بالتأسيس خلافا لما ينص عليه القانون ويعرقل انطلاق أو استمرار نشاط الجمعيات .

إخضاع الوثائق المدلى بها لحقوق التنبر مرتفعة القيمة .

منع الاجتماعات الداخلية فيما بين أعضاء الجمعية في بعض الأحيان بدعوى وجوب التصريح بعقدها كما لو كانت اجتماعات عمومية .

خلاصة

خلاصة القول فالتعديلات ظلت جد محددة جدا وشكلية ولم تمس جوهر الممارسة الديمقراطية للفعل الجمعوي ،إذ أنها لم ترق لمستوى الاستجابة لكافة المطالب التي نادت بها الجمعيات عبر مختلف أدبياتها والتظاهرات التي نظمتها ،لذا فالحركة الجمعوية مطالبة بالمزيد من الجهود لتحصيل المزيد من المكتسبا ت ،وذلك بتدشين اوراش مستمرة للتفكير والحوار والتشاور والتكوين من اجل تخطي العوائق القانونية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق