رأي

روتيني اليومي.. وسائل التواصل الاجتماعي تكسر الحدود بين الفضاء العام والخاص

بقلم: عبد الله بيكيش

يغلب نوع جديد من الثقافة والقيم على مجمل المنتوج الاعلامي الذي يستهلكه المغاربة عبر مختلف وسائل الاعلام من اذاعات وقنوات تلفزية وجرائد ورقية والإكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وهو ما دفع الجمهور وكذا بعض المثقفين إلى إطلاق توصيف “التفاهة” كمحدد أساسي لهذه الثقافة لتمييزها عن الثقافة العالمة و”الهادفة” التي وجب على الإعلام ان يعكسها باعتباره وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية والتثقيف الجماهيري. وتنعكس هذه الاراء على تناول موضوع “الروتين اليومي” الذي يُبث في قنوات “اليوتوب”، فكيف يمكننا فهم هذه الظاهرة الجديدة؟

يشكل مجال الاعلام والاتصال أحد القنوات الاساسية في المجتمعات الحديثة، حيث تشكل وسيلة للتحكم الايديولوجي في المجتمع كما أبرز الفيلسوف الفرنسي “لوي التوسير” في كتابه “الايديولوجيا وأجهزة الدولة الايديولوجية” وذلك عبر تقديم صور ووقائع تسعى للتنميط وترويض المواطنين وفق النموذج والرؤية التي تبتغيها الدولة وتضمن مصالح الطبقة المهيمنة. ويمكننا هنا الوقوف على التوجه العام الذي يسير وفقه الاعلام المغربي من تقديم صورة معبرة عن واقع المغرب الجميل وبدعة الاستثناء والاستقرار والتقدم كصورة مقلوبة عما يعيشه المواطن المغربي في واقعه اليومي من مآسي وأزمات، ويتم فرض وتغليب هذا التوجه العام “العام زين”، خاصة مع استبعاد واعتقال ومتابعة العديد من الصحفيين الذين يخرجون عن الاجماع والرقابة المفروضة على الحقل الاعلامي والسياسي وغيرهما من قبل الدولة.

عبد الله بيكيش

بل تجاوز الأمر وسائل الإعلام والاتصال الرسمية والصحافة الإلكترونية ليصل إلى تتبع محتوى تدوينات الأشخاص عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، في زمن أصبح فيه كل شخص مشروع صحفي يمكنه التقاط الصور وتسجيل أشرطة فيديو أو كتابة نص او عبارات وكل أشكال التعبير الممكنة التي يسرها الانتشار الواسع لمختلف منتوجات وخدمات الانترنيت لدى عموم الناس، في ظل هذه المفارقة أي فرض الرقابة على الاعلام وتوجيهه من جهة والولوج الجماهيري لوسائل التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، طفت الى السطح طغيان ثقافة ضد أخرى، ثقافة العامة على الثقافة العالمة، وثقافة الربح المادي على ثقافة المعنى والقيم. ضغيان الثقافة التقليدية على الثقافة الحديثة، أو بتعبير السوسيولوجي الالماني “ماكس فيبر” ضغيان العقلانية الاداتية على العقلانية القيمية.

هكذا تحولت وسائل الإعلام من وسيلة تفتح أفاق للتثقيف الجماهيري في مجتمع تغلب عليه الامية ونسب التمدرس لم تصل فيه بعد المستوى المطلوب، كان من المفترض أن يستثمره المفكرون والنخب التي لم يمتصها “الاجماع” طوعا أو كرها، الى وسيلة تعكس تفاهة اليومي، وهذا طبعا لا ينفي وجود منتوج هادف وحامل للمعنى والقيم، لكنه يبقى محاصر من جهتين، من رقابة الدولة من ناحية التي تسيجه بمنطق الخطوط الحمراء والمتابعات القضائية، ومن ناحية أخرى تدني المستوى الثقافي لمستهلكي منتوجات وخدمات وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع ما يوفره من ربح مادي من خلال عدد المشاهدات، فصاحب المنتوج والمستهلكين (المشاهدين) يتقاسمون ثقافة مشتركة ومعنى ومعايير ترتبط بمستوى البنية الثقافية للعامة. فالمسألة اذن ليس مشكل هؤلاء الذين تدفعهم اغراءات الربح المادي ما دام هو عقيدة الدولة والثقافة التي تروج لها، حتى في المجال الفني من خلال نماذج تحظى بدعم الدولة ورعايتها. بل تغييب ثقافة عالمة وذات معنى في كل المجالات وبالخصوص في المجال السياسي وهو ما يجد استمراريته في مجالات اخرى وعلى رأسها الاعلام بصفة عامة ووسائل التواصل الاجتماعي بصفة خاصة.

يعكس “روتيني اليومي” في هذا السياق الصورة النمطية للمرأة المغربية التي ترتهن حياتها بالعمل المنزلي، فربات البيوت من زوجات وامهات يبقون نموذج المرأة المثالية في تصور العامة، وتصوير أشرطة للروتين اليومي يتخذ ابعاد مختلفة، حيث يعملن على تسويق دورهن الاجتماعي كما يسوق كل مٌنتج اعلامي مادة اعلامية تعكس مهاراته أو كفاءاته للعموم قصد الربح. ومروجات روتيني اليومي في سعيهن للربح لا يملكن أي رأسمال أو كفاءة يمكن تقاسمها مع المتتبعين غير عرض هذا الروتين اليومي الذي يعتبر لديهن عملا جبارا معترف به اجتماعيا(ولو في ثقافتهن الخاصة)، في البداية كان جمهور أو مستهلكي هذا المنتوج نساء أخريات يتقاسمن تجربتهن اليومية بين بعضهن البعض، ثم تحول هذا المنتوج مع الوقت خاصة بعد توظيف واستعمال ايحاءات جنسية وعرض الجسد والاغراء الى منتوج يلقى اقبالا كبيرا ويحقق أعلى نسب المشاهدة، مما جعله يثير حفيظة بعض النشطاء والمثقفين، خاصة باعتباره يقلب بعض مرتكزات القيم العامة، حيث تحولنا من اقصاء النساء من الفضاء العام، إلى استدخال هؤلاء النساء للفضاء العام في فضائهن الخاص(المنزل او المطبخ).

فقد ظلت البيوت “ذات حرمة” وتعكس مجالا خاصا لا يمكن تقاسمه مع عامة الناس، باستثناء الاهل والعائلة والناس المقربون في المناسبات. فنمطية نموذج المرأة المرتبطة بالعمل المنزلي والتحفظ على مساهمتها في الفضاء العام (الدراسة، العمل، الفن، الرياضة…)، جعلهن ينخرطن في هذا الاخير بطرقهن الخاصة عبر كسر الحدود بين الفضاء العام والخاص. فإذا كان المنزل يشكل مجال المرأة الخاص فلقد مكنتها وسائل التواصل الاجتماعي من كسر الحدود بين فضائهن الخاص والفضاء العام، كما كسرت هذه الوسائل الحدود بين الدول والثقافات في ظل العولمة. فعندما يعجز الفضاء العام على تنظيم النقاش العمومي لانتصار الفكرة والقيم الاكثر حجة واقناع، كما ذهب الى ذلك الفيلسوف الالماني “يورغن هابرماس” في أطروحته حول الفضاء العمومي، تنعكس المعادلة ليصبح المجال الخاص بفاعليه المنبوذين في المجال العام (النساء) رائد الانتاج “الثقافي” التافه تفاهة مستهلكيه.

استعمال لغة الجسد استمرار للنموذج الذي تشجعه الدولة عبر نماذج ناجحة في مجال الاعلام والفن بمختلف انواعه، فالجنس كأحد الطبوهات الاجتماعية، يبقى ذلك المرفوض المرغوب، وعرض النساء أشرطة مصورة في المنزل يجعلها موضوع جنسي بامتياز لأن الفضاء الخاص (البيت) مجاله الاساسي والمرأة موضوعه. وهو ما يعكس العقلية السياسية لصناع القرار في المغرب من خلال تمثيلية النساء في مؤسسات الدولة، وتغييب نماذج ناجحة في شتى المجالات، في وقت يحتفى بنموذج الجسد الذي يتمظهر بشكل بارز في مجال الفن.

روتيني اليومي اذن هو ثقافة مجتمع يرى صورته منعكسة في الثورة الرقمية بعد تثمينها ورعايتها من قبل جهاز الدولة، عبر خنق نموذج الثقافة العالمة، وسياسة شراء ذمم النخب، وتغييب الرافضة منها لمنطق التدجين والتضييق عليها، لنجتر ثقافة التفاهة في زمن التفاهة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق