وجهات نظر

عبد الكريم رزقي: طفيليات اجتماعية

طفيليات اجتماعية
عبد الكريم رزقي
يتيه المهتم بين ثنايا القضايا الوازنة في المجتمعات، أيها تحظى بالأولوية وتُعطى صلاحية البحث والتنقيب من أجل التوصل إلى حلول مُرضية قادرة أن تخرق ما هو كائن لتستشرف ما يمكن أن يكون، لا لشيء، ولكن لإيجاد حل مُرضٍ بإمكانه أن يقلص حجم هذه الآفات التي غدت تنخر بشكل صارخ مناعة المجتمع وراحت تورطه في متاهة الهُزال والضعف الاجتماعي، بل تؤثر سلبا على موقعه العالمي في التنمية، فبات موقع المغرب غير مريح.
فمردّ هذا التعطل يعود بالأساس إلى ظاهرة شكلت إلى جنب غيرها إلتفاتة قوية.
تُرى ما شكل وحجم هذه الآفة ؟
إنها وبدون منازع آفة التسول التي غدت موضة وراح محبّوها يتفنّنون في أشكالها لتذِرّ عليهم أموالاً طائلة لا قِبل لهم بها؛ حتما إنها مهنة من لا مهنة له. مجهود قليل، طرائق عصرية؛ أسلوب متطور. كل هذه التلوينات أكسبت هذه الموضة حلّة جديدة، أصبحت تضاهي باقي الوظائف الأخرى دون عناء، ودون دبلومات بمقدورها أن تُنهك الإنسان في مساره التحصيلي. هذا السّيل العارم من المتسولين شكلوا لوحةً زيتية غاب عنها الجانب الإيستيتيكي، لا لشيء ولكنه لعدم وضع المكونات بالطريقة التي كان المفروض أن توضع بها. فكان الحري بنا أن نضع التساؤل التالي: كيف بإمكان الواحد منا أن يجد أسباب هذه الظاهرة ؟ وإن أمكن ذاك، فما السبل الكفيلة لتجاوز هذه الموضة ؟
بإمكان أي منا أن يقول إن هذا النوع من الطروحات قد أصبح مستهلكاً. لكن، ليس لنا مفر أو مهرب منه لأمر في نفس يعقوب كنا مجبرين على طرحه لا مخيرين في ذلك. فالهاجس الذي يؤرق غالبية الساكنة هو الفقر، ومن خلاله تحس أن جميع مركبات الحياة تتعطّل بدليل أن أكبر مسرِّع لوتيرة الإنسان هو المطمح الحياتي الذي يرنو إليه كل فرد على هذه البسيطة، فكيف له تحقيق ذلك دون تواجد الظروف المؤهلة ؟ حتى يسعى إلى أقرب الطرق لتحقيق هذا الهدف، فمجال التضحية أصبح حاضرا بشكل مكثف، إما أنه سيلبس القناع الذي طالما تعرّى منه أو أنه سيمنح المشعل لفلذات أكباده، لتقاسم المعاناة، فالسيناريو أصبح مقسما بين العديد من الأبطال لإنجاح الفيلم الذي ستكون تكلفته بسيطة، لكنها على حساب شرف وكرامة الأبطال؛ تعطل عن التمدرس ساهم في البعد اللامعرفي وفي تشكيل نسبة مضاعفة للأمية التي تسهر الدولة على تقليص زيادة على فئة منضافة تؤثر سلبا على المجتمع، كون الطفولة المشردة ستعرف طريقا نحو تكريس مجتمع معطّل لا يواكب تطورات العولمة.
فهذه الموضة التي حلا لي أن أسميها بها هي فعلا فيروس ينخر جسد المجتمعات لكنه بشكل أكبر في الواقع المغربي؛ لأن المتسول غدا ينعم بأريحية في التسول في عالم لم يوفر له أدنى ضروريات الحياة، هذا الاعتقاد الاتكالي فبرك شريحة اجتماعية سالبة عطّلت حركية المجتمع لارتياد الصدارة في العديد من المجالات. علما أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على أبناء البلد فحسب، بل طالت فئات مجتمعية من بلدان أخرى، زادت الطين بلة. كيف لا، وأن هؤلاء الأفارقة اخترقوا المجال ليحترفوا مهنة التسول، ليدخلوا في منافسة شريفة إلى جنب متسولي البلد، فحصلوا على المناصب الأولى، وأصابوا أبناء البلد بعطل وشلل، غير محسوب؛ الشيء الذي دفع بالسلطات المحلية والمصالح المسؤولة أن تبادر لتدارك الموقف قبل استفحاله أكثر. فدخول المغرب في مجموعة من البروتوكولات دليل قاطع على الرغبة الجامحة في استحواذ الموقف والعمل على القضاء على الظاهرة كُليا.
يمكن أن نقول إن موضة التّسول فيروس كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فلذا كان من أولى الأولويات أن نعمد إلى وضع استراتيجية قريبة المدى قادرة على الحد منها، بتشكيل لجينات لتدارس ملفات هذه الأسر وإعالتها بطريقة موجبة لا سالبة.
الأمر أصبح يدعونا إلى التعجيل بإيجاد حلول ناجعة كفيلة أن تفتح آفاقا واسعة تحول مأساة التسول إلى رحابة حياتية تضمن للمواطن الحق في العيش بعيداً عن هذه الآفة التي أرقت مضجع جميع المسؤولين، فكلنا أمل في تحقيق ما ترنو إليه هذه الشرائح المجتمعية؛ لتستفيق من الكابوس الذي طالما راودها؛ ولم تصل معه بعد إلى إيجاد وصفة دوائية عجيبة قادرة على شفائها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى