وجهات نظر

الشرقاوي: عشر سنوات عربية بحثا عن العقلانية

وجهات نظر

عشر سنوات عربية بحثا عن العقلانية

د. محمد الشرقاوي*

استقطبت الانتفاضات العربية قبل عشر سنوات أنظار العالم إلى تحوّل تاريخي اجتمعت فيه مطالب الإصلاحات المعيشية، أو ما يعرف عند أبراهم ماسلو “الحاجات الدنيا”، ومطالب الاعتبارات المعنوية أو “الحاجات العليا”. وقبل سبعة أشهر من اندلاع “ثورة الياسمين” في تونس وتدفق الموجة نحو مصر وليبيا واليمن وسوريا، رحل عنّا محمد عابد الجابري، ولم يسعفه العمرُ ليشهد جيلا ينفض عنه جثمة اللاّعقلانية ويسحب عنه رداء التّقليد، وهو القائل “الحداثة هي قبل كل شيء العقلانية والديمقراطية.”

من أهمّ ما استرعى انتباهي وقتها هو خطاب الحرية والكرامة ومركزيتهما في شعارات المتظاهرين. كان تجليا لإعمال العقل في رفض مرحلة سياسية وبنيات اقتصادية غير منصفة لا تتوافق مع قيم المرحلة في بداية قرن جديد. فخروج المتظاهرين الشباب إلى الشوارع، وأغلبهم من خريجي الجامعات، جسد لحظة عقلانية عربية بامتياز، وأنّ “من المفارقات المثيرة أن تتفوّق أصوات الشباب المحتجين على الأحزاب القديمة ومجموعات المعارضة التقليدية، إسلاموية أم اشتراكية أو غيرها، في المطالبة بالمساءلة السياسية والمسؤولية الأخلاقية لأي حكومة تأتي في المستقبل. لقد ابتعدوا عن الأطر الإيديولوجية لدى كل من الدولة ومجموعات المعارضة التقليدية، وأظهروا إمكانات تنويرهم الذاتي مما أكّد وجود جيل جديد ذي نضج سياسي وعملي أو براغماتي”، كما أوردت في مقدمة كتابي الصادر باللغة الإنجليزية “ما هو التنوير: قطيعة أم استمرارية في أعقاب الانتفاضات العربية”. انتشرت موجة الانتفاضات الشعبية وراج نموذجها عالميا في المطالبة بالتغيير إلى 982 مدينة في العالم من لوس أنجليس إلى هونغ كونغ، قبل أن تعود مجددا في السودان والجزائر ولبنان والعراق.

الجابري جليسُ المرحلة

تتباين المواقف بين سائر التّيارات المؤيّدة لفكر الجابري وأحلامه في تركيب عقل عربي يصنع الفعل الحضاري، أو المتحاملة عليه بشتى التأويلات بسبب خشيتها من النّقد والتغيير ورُهاب القطيعة ليس المعرفية فحسب، بل وأيضا القطيعة مع الوضع السياسي والاقتصادي القائم لتبقى دار لقمان على قدر تعثّر حفدة لقمان. لا زلنا عالقين في أكثر من عقدة منشار وحيارى أمام أكثر من متاهة، ولا زلنا “نفكّر في الحاضر والمستقبل بواسطة الماضي. فنحن نربط، صراحة أو ضمنا، بين الفلسفة والتاريخ. لكنّ أيّ تاريخ وأية فلسفة؟”، كما قال في كتابه “التراث والحداثة”.

يراودني سؤالٌ ملحٌّ منذ 2011 حول نقطة الدخول العربي إلى القرن الجديد ومدى انتمائنا إلى عصر الأمن الديمقراطي، قبل أن أوصلتنا جائحة كورونا إلى متاهة الأمن الإنساني. وكيف يمكن أن تتمّ المصالحة بين العقلانية والتقليدانية وترميم الطّريق أمام التغيير والابتكار العربي فكريا وسياسيا وتنمويا، وهو القائل “يشعر الواحد منّا نحن المثقّفون العرب أنّ التراثَ العربي بمضامينه ومشاكله الفكرية في وادٍ، والعصر الحاضر وحاجاته في وادٍ آخر”. وهذا الانفصام بين الذّات التي تحمل هموم المرحلة من ناحية وطبيعة البيئة الثقافية والسياسية التي انتهى إليها واقع الحال العربي من ناحية أخرى ليس من تأملات الجابري نفسه في مغزى تدرّج حياته بين قرن وآخر فحسب، بل وأيضا من حتمية التحوّل الاجتماعي المستمرّ ومن عمق الحِكَمِ المتأصّلة في التراث العربي الإسلامي. ومن ميزات الجابري دعوتُه لمراعاة السّياق، قبل التبيئة، في تفكيك أيّ قضية أو تحليل أي مفهوم، ومن عباراته الشهيرة قوله “لا معنى للحديث عن أي شيء لا يرتبط بمرجعية، لا يستند إلى أصل.”

العقلانية في قبضة اللاشعور السياسي

تشكّل الرّباعية الشهيرة للجابري “تكوين العقل العربي” (1982)، و”بنية العقل العربي” (1986)، و”العقل السياسي العربي” (1990)، و”العقل الأخلاقي العربي (2001)، أشهر مؤلفاته الأحد والثلاثين، ولم تحظ أغلبها بالتمحيص والفهم الدقيق بين الغربيين وحتى بين بني لغته في أغلب الحالات. وكما قال أحد النقاد إنها “المشروع الفكري الأكثر شمولية لتحليل العقل العربي ونقده”. وتمّت قراءة الجابري على نطاق واسع عربيا، وفرنكفونيا إلى حدّ معين، ولم تكتشفه الدراسات الأنجلوسكسونية إلا في أواخر حياته، إذ لم تظهر أوّل ترجمة إنجليزية لمؤلّفه “تكوين العقل العربي” إلاّ في نوفمبر 2009 أي بعد سبعة وعشرين عاما من صدور النسخة العربية.

بعد رحيل الجابري، نشرتُ مقالة قصيرة في بعنوان ‘Muslims’, ‘Islamists’, and ‘Islamics’: The Dilemma of ‘Sacred’ Interpretation  وقد تكون التّرجمة الأقرب إلى الدّقة: “المسلمون، والإسلامَويون، والإسلاميون: معضلة التأويل المقدس”، قدّم لها زميلي في جامعة جورج ميسن الدكتور سولن سيمينز بالقول “من خلال الطرح الدقيق لمحمد الشرقاوي، نرى الجابري مفكّرا مترّيثا ومتطلّعا إلى المستقبل بعد أن أدرك الأخطار الكامنة التي تأتي مع تحديث الإسلام. لكنّه حاول شقّ الطريق نحو مستقبل متماسك. هناك بالتأكيد الكثير مما يستدعي مناقشته في تحليل الشرقاوي واستخدامه عبارات مثيرة مثل “السلفيين ذوي الميول الليبرالية” و”نقد علمي للعقل العربي من خلال نبذ الفهم التقليداني للتراث”، ممّا يجعل القارئ يتوق لمعرفة تفاصيل هذه الشّخصية المثيرة للاهتمام التي يقدّمها لنا اليوم.”

أوردتُ في مقالتي أنّ رحيل الجابري كان بمثابة وداع للعقل وفلسفة الأديان بعد دعوته لتبنّي تفكير مجدِّد معاصر. وخلال مشروعه الفكري التي امتدّ أربعين عاما، ظلّ الجابري ناقدا يقظا أمام هيمنة التراث، ومناضلا من أجل إحلال العقلانية الممتدّة في مسار تاريخي يتدفّق بنَفَسِ الأرسطية قديما، والرّشدية في القرن الثاني عشر، مرورا بالكانطية في القرن الثامن عشر، والنّظرية النقدية التي ازدهرت بفعل انتشار مدرسة فرانكفورت منذ قرابة قرن. وعند بدء مشروع التّرجمة الإنجليزية لمؤلفيْه “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي” عام 2009 ونشرهما في الولايات المتحدة، أوضح الجابري أنّ دلالة “العقل” لديه تنبني على مفهوم reason  أو die Vernuft بالألمانية الذي بدأ يستخدمه كانط عام 1781، وأنّه المصطلح العربي المقصود للعقل. كما اعتمد الجابري أيضًا تمييز الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند  (1867-1964) بين وجود العقل المُكَوِّن أو “السبب التأسيسي” ووجود العقل المُكَوَّن السائد في تطوير مفهوم “العقل المستقيل”.

في عام 2021، يبدو أن “العقل العربي بحاجة إلى إعادة الابتكار”، كما هي المقولة الشهيرة للجابري. وقد استوعب مخاطر الماضوية والتقوقع داخل الحقب المتألقة في المخيال العربي. والمقصود بالمخيال هنا مرجعية الصّور والتمثلات والرموز والروايات التي تحفظها وتخزنها الذاكرة الجماعية، مما يرسي قاعدة توافق تشجع على عملية تأويل تسعى لإسقاط تمثلات الماضي “المُزهر” في اعتقاد كثيرين على الحاضر المكفهرّ. وهنا يتقارب المخيال مع الواقع، أو كما يقول عالم النفس الاجتماعي جاك لاكان، “يبدأ المرء مع المخيال، ثم يضطرّ لمضغ قصّة رمزية … وينتهي بوضع ذلك الواقعي الشّهير أمامك.”

كتب الجابري في “بنية العقل العربي” عن تمييز البيانيين بين “العقل الموهوب” و”العقل المكسوب”، حسب عبارة ابن وهب. وأوضح أن “العقل عندهم ليس جوهرا، ولا جزءا من النفس ولا قوّة من قواها، بل هو عبارة عن غريزة تغتذي بما يكتسبه الإنسان من تجارب وخبرات وما تنقله إليه الأخبار من معارف ومعلومات وما يدرس من آداب وما يقوم به من نظر وتدبر واعتبار. وإذا نحن نظرنا إلى هذا النوع من التصوّر للعقل من منظور معاصر، وجدنا أنفسنا أمام تصور يقترب إلى التصوّر العلمي أكثر من أيّ تصوّر قديم آخر. ومع ذلك، فإن المظهر “اللاميتافيزيقي” الذي نجده في التصوّر البياني للعقل يجب أن لا يخفي عن حقيقة أساسية وهي أنّ هذا التصوّر قائم على التّقليل من أهمّية العقل كقوّة وسلطة.”

في المقابل، كان الجابري واعيا بمدى تخندق العرب ذهنيا ونفسيا في المخيال المركّب والمفروض على واقعية الماضي تحت طائل ما يصطلح عليه ب”اللاشعور السياسي”. فهو يقول إنّ “العرب يعيشون ماضيهم قبل حاضرهم، ويعيشون في ذاكرة الماضي أكثر من غرسهم لتطلّعات بناء مستقبلهم وتقدّم أجيالهم، لقد تصارعت الأفكار العربية في مرحلة تاريخية صعبة، تبلورت في خضمها تناقضات خلفتها أحداث تاريخية مهمة ومصيرية، ساهم في صنعها التاريخ العربي الاسلامي، والعامل الاوروبي (الاستعمار والتحديث)، واللذين شكلا الدور الحقيقي في خلق التأثيرات الفكرية والسياسية المحتدمة لدى العرب منذ مطلع القرن العشرين.” وعلى غرار الكرم العربي، أغدق هذا المخيال العربي في تبجيل شخصيات وبطولات وأحداث وأصناف معاناة وقصص مجد منتقاة. وزاد في التقديس القومي والهُوِيَاتِي، والدّيني أحيانا، للصّرح الذي “يسكنه عدد كبير من رموز الماضي مثل امرئ القيس، وحاتم الطائي، وعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وهارون الرشيد، وألف ليلة وليلة، وصلاح الدين، والأولياء الصالحين، وأبي زيد الهلالي، وجمال عبد الناصر، إضافة إلى رموز الحاضر مثل المارد العربي والغد المنشود”، كما يقول أحد النقاد.

بين المغرب وبقية المجتمعات العربية والإسلامية، تعثّرٌ مماثلٌ في السير على طريق العقلانية. فتتأجج الصراعات بشتّى أحجامها وحدّة تصعيدها من صراعات بين الدول وصراعات وحروب أهلية داخل الدول تمتدّ من المغرب إلى إندونيسيا، في دائرة صراع ضخم مفتوح منذ نهايات القرن العشرين بين أقليات إسلاموية وأغلبيات مسلمة حول أفضل مسار للحكم والفصل بين خياريْ النقل والعقل. من منظور مواز، تتذبذب المجتمعات الغربية في تحديد الفوارق بين الملايين من المسلمين الأوروبيين والأمريكيين المسلمين عبر تسميات متعددة منها “معتدلون”، أو “متشدّدون”، أو “متطرّفون”، أو “متطرّفون”، أو “إرهابيون”.

جادل الجابري بأن جمود الاختلاف بين الجانبين قد صاغ موقفاً ثالثاً من دعاة الحلول الوسط أو التوفيقيين. فظهر موقف انتقائي للموافقة بينهما، “ولكن حتى الانتقائيون اختلفوا فيما بينهم فمنهم السلفي ذو الميول الليبرالي، والليبرالي ذو الميول السلفية، ومنهم الماركسي الأممي، والماركسي العربي، والقومي الليبرالي، والاشتراكي القومي، والسلفي العروبي، والعروبي العلماني ذو الميول السلفية، والعلماني العروبي ذو الميول الليبرالية، او الماركسية الى غير ذلك من التركيبات “المزجية” المعقدة.” باختصار، يشمل هذا الصّراع الضخم فشل التنوير في العالم الإسلامي، فضلاً عن تعثر مساعي التحديث للمؤسسات الإسلامية.

غير أنّ هناك من يعتقد أنّ “كل المشاريع العقلية الكبرى التي عُرف بها المغرب والعالم العربي باءت بالفشل: ابتداء من العقلانية الإيمانية لمحمد عزيز الحبابي، إلى العقلانية التراثية لمحمد الجابري، والعقلانية الكونية لعبد الله العروي، فإلى العقلانية المركبة من العقلانية الإسلامية والعقلانية الحداثية والعقلانية ما بعد الحداثية لمحمد أركون إلخ،” كما يقول محمد المصباحي في محاضرة ألقاها في الدّار البيضاء حول موضوع “مطلب العقلانية في الفكر المغربي” في أواخر مارس 2013.

لا أتوافق في الرأي مع الأستاذ المصباحي عند قوله إنّ مطلب العقلانية في المغرب “ارتبط بمطلب إصلاح العقل توطئة لإصلاح السياسة. إذ لم يكن يهمّ الفلاسفة والمفكرين المغاربة البحث عن “ماهية” العقل، عن “العقل في ذاته”، وإنّما عن “أيّ” العقول أصلح للقيام بالتغيير المنشود في الدولة. بعبارة أخرى، ما كان يعنيهم هو كيف يمكن القيام بالإصلاح الأصغر، إصلاح العقل، حتى يغدو مؤهّلا للقيام بالإصلاح الأكبر، إصلاح الدولة، المدخل الرسمي للانخراط في فضاءات الحداثة.” أقول باختصار لن يمكن إصلاح العقل ولا ترميمه، فإمّا أن يكون هناك عقل جماعي أو لا يكون. والعقل ليس غاية في حدّ ذاته بل هو أداة للتفكير في المشاكل والتحديات ونسق تصحيحي في تدبير شؤون الحياة العامة وتقويم لشتى المسلّمات والمعتقدات والأعراف من أجل توجيه التحول الاجتماعي. وإذا كان من الممكن أن “تكون الكائنات العقلانية غاية في حدّ ذاتها، فهذا ليس لأنّ لديهم عقلا بل لأنّ لديهم حرية. العقل هو مجرّد وسيلة”، كما كتب كانط عام 1784.

مما يستدعي فهم العقل على أنّه حركية للتغيير وقوم للتقريض والتقويم حاجةُ المجتمعات العربية لما يولّد رؤى جديدة ومنطلقات مغايرة في هذه الحقبة المتقلّبة بعد أن طال تحكمّ القبيلة والغنيمة والعقيدة كمحدّدات للعقل السياسي التقليدي العربي. هي حركية تتوالد ذهنيا وتنعكس في الواقع من خلال المسعى لتجاوز بقايا القبيلة وبناء مؤسسات المجتمع المدني كبعد أوّل، وضرورة دخول باب الحداثة الاقتصادية من أجل اقتصاد عربي عصري كبعد ثان، وتحويل العقيدة إلى مجرد رأي يقبل مبدأ الاختلاف كبعد ثالث.

 

* أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى