مجتمعملفاتمنصّات

تقرير.. أبرز الاحتجاجات الاجتماعية في “العهد الجديد”

لم تكن العشرية الثانية لحكم محمد السادس كسابقاتها، فبينما مرت الأولى روتنيبة رغم الشعارات التي كانت مرفوعة واعدة بالتغيير الذي لم يتحقق، كانت الثانية متحركة ونشيطة ليس من الجانب الرسمي، لكن على المستوى الشعبي الذي انفجر غضبه ضد السياسات العمومية التي لم تحقق أي تقدم ملموس.

 شهد “العهد الجديد” حركات احتجاجية بارزة وغير مسبوقة ومتنوعة، طالبت من خلالها فئات مختلفة من المجتمع المغربي بحقوقها في العيش بكرامة، وبعدالة اجتماعية، وبالاستفادة من ثروات البلاد، ومناهضة الفساد والاستبداد، وبناء مغرب ديموقراطي يضمن الحرية لأبنائه.

في هذا التقرير نقف عند أبرز هذه الحركات الاحتجاجية التي أربكت حسابات الدولة.

حركة 20 فبراير

انطلقت هذه الحركة في التاريخ الذي سميت به، بعد انطلاق شرارة ثورات عربية في تونس ومصر وليبيا، عقب دعوات  من شباب على موقع الفايسبوك لقيت تجاوبا كبيرا من الشعب المغربي في عشرات المدن.

رفعت الحركة مطلب رئيسي منذ خروجها للشارع، وهو إسقاط الفساد والاستبداد، لتتفرع بعد ذلك المطالب وكان من بينها بناء مغرب جديد، الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية، رحيل مجموعة من الوجوه الفاسدة.

خلقت الحركة ارتباكا لدى الأجهزة الرسمية في مواجهتها، خاصة بعد نجاح ثورتي تونس ومصر في ظرف قياسي، بعدما استطاعتا إسقاط النظام الحاكم. بعد أسبوعين سيكون أول رد رسمي من أعلى سلطة في البلاد والمتمثلة في الملك الذي ألقى خطابا يوم 9 مارس أعلن فيه تغيير الدستور.

استمرت الحركة في احتاجاتها بعدما اعتبرت محتوى الخطاب بعيد عن مطالبها، حينها تلقت الأجهزة الأمنية الضوء الأخضر للتعنيف وقمع المظاهرات في جميع المدن، وكان من نتائج هذا التدخل وفاة كمال عماري أحد نشطاء الحركة بمدينة آسفي، متأثرا بإصاباته اثر تعنيفه من طرف بعض رجال الأمن.

بعد أشهر من الاحتجاجات الأسبوعية، ستتوقف الحركة، لكنها وإن لم تحقق مطالبها، فقد حقق مكاسب مهمة، تمثلت في تغلب المواطن على الخوف للمطالبة بحقه أينما كان وكيفما كان، كما كانت هذه الحركة التاريخية شرارة لحركات احتجاجية ستندلع فيما بعد.

حراك الريف

انطلق حراك الريف خلال الأشهر الأولى من سنة 2017، بعد مظاهرات هنا وهناك أعقبت مقتل فكري، واستطاعت الحركة الاحتجاجية بالمنطقة أن تربك جميع حسابات الدولة أمام هبة شعبية طالبت بإنهاء زمن الحكرة والتهميش وتغيير عقلية تعاملت مع ساكنة المنطقة كـ”أوباش”، هبة حملت شعار الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

بدأ الحراك باحتجاجات عرفت بسلميتها ثارت في وجه “الظلم” وطالبت برفع الحيف عن المنطقة، فردت الدولة بعد بضعة أشهر من الأنشطة الاحتجاجية المتوالية بتحريك أجهزتها لنسف هذا الحراك، وأطلقت حملة اعتقالات عشوائية وأخرى مدبرة، وجرّت في طريقها الصغير والكبير، لتزج بالمئات من أبناء الريف في السجون.

وتجاوزت الاعتقالات300 ناشطا بينهم عشرات القاصرين، وتمت إدانتهم بتهم ثقيلة، وتراوحت الأحكام الصادرة في حقهم بين 6 أشهر و20 سنة.

حراك جرادة

شهدت مدينة جرادة في شهر نونبر 2017 حراكا اجتماعيا منظما وسلميا بعد مقتل شقيقين في بئر لاستخراج الفحم الحجري، تتمثل مطالبه في توفير العيش الكريم ووضع حد لمقتل أبناء المدينة داخل آبار الفحم التي تعتبر مصدرا وحيدا للعيش. وأمام تنامي الاحتجاج وتنوع أشكاله النضالية أعطت الدولة لأجهزتها الأمنية الضوء الأخضر لوقف زحف هذه الاحتجاجات الاجتماعية السلمية بمدينة جرادة، ابتداء من يوم الأربعاء 14 مارس 2018، وذلك في بلاغ رسمي صادر عن وزارة الداخلية، كما شنت أجهزتها حملة اعتقالات استهدفت أبرز نشطاء الحراك، وهددت رواد الفايسبوك بالمتابعة القضائية في حال التفاعل مع الحراك.

لتنتهي حكاية هذا الحراك الذي استمر خمسة أشهر باعتقالات فاقت السبعين ومحاكمات تجاوزت 200 سنة.

احتجاج المقاطعة

“المقاطعة” حركة احتجاجية افتراضية غير مسبوقة انطلقت من الفايسبوك يوم 20 أبريل 2018 لتجد تجاوبا كبيرا على الواقع، وهي حملة قاطع الشعب لعدد من المنتوجات (محروقات أفريقيا – حليب سنترال – ماء سيدي علي) في تجاوب شعبي مع المطالب التي رُفعت في وجه الجشع المتصاعد وغير المبرر الذي يجهز على القدرة الشرائية للمغاربة.

وفي الوقت الذي كان عموم المغاربة ينتظرون تجاوبا فعليا مع همومهم التي مثلت المنتوجات الثلاثة المقاطَعة جزءا يسيرا منها، تجاهلت الحكومة المطالب التي أفرزتها معاناتهم، بل عمد مسؤولون رفيعون في الدولة إلى أسلوب السب والتجريح فأطلق وزير الاقتصاد والمالية على الشعب صفة “المداويخ” تحت قبة البرلمان، واتهم مدير شركة “سنطرال” المقاطعين بـ”خيانة الوطن”، في سابقة كشفت في رأي رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن مصلحة الشعب هي آخر ما تفكر فيه السلطة أو يفكر فيه المضاربون بأقوات الشعب، وأن ما يعانيه الشعب من تفقير إنما هو مولود طبيعي لزواج السلطة والثروة.

استمرت المقاطعة أشهرا وأعطت دروسا للشركات الجشعة كما خلقت ارتباكا واضحا داخل الحكومة لم تعرف كيف تجاريه، وكان من نتائجها خرجة بوسعيد غير المقبولة التي أدت إلى إقالته في التعديل الحكومي، فيما أفلت منها الحسين الداودي وزير الحكامة.

احتجاجات التلاميذ ضد الساعة

منذ سنوات قرر المغرب الدخول في نظام التوقيت الصيفي الذي تلجأ إليه بعض الدول خدمة لمصالحها الاقتصادية، ومع توالي السنوات مددت الحكومة من الفترات الزمنية لهذا التوقيت، حتى صار التوقيت الصيفي نصف سنوي، قبل أن تقرر على حين غرة وبعيد ساعات من إعلانها الرجوع إلى توقيت غرنتش المتوافق مع التوقيت المغربي، باعتماد الساعة المضافة على طول العام.

قرار لم يستصغه المغاربة وهم الذين طالبوا منذ إقرار الساعة المضافة بإلغائها نهائيا والعودة إلى الساعة الطبيعية، خاصة أنها خلقت مشاكل لا تحصى في يومياتهم وبرامجهم ومهنهم وعلاقاتهم الداخلية والخارجية، إضافة إلى المشاكل الصحية التي تخلفها، والمقررة في شهادات أطباء اختصاصيين أكدوا أضرارها بالدلائل العلمية.

كما خلقت ارتباكا واضحا في التوقيت الزمني المدرسي، وخرج التلاميذ في احتجاجات غير مسبوقة في أكثر من 130 مدينة، عبروا فيها عن شجبهم لهذا القرار، وطالبوا الحكومة بالتراجع عن الساعة، غير أن الأخيرة تراجعت عن نصفها، بعد أن غيرت الساعة المدرسية مضيفة 30 دقيقة لتوقيت الدخول والخروج.

احتجاجات التجار

مع بداية 2019 كانت مدينة  الدار البيضاء منطلق الشرارته الأولى لحركة احتجاجية للتجار رفضا للقانون الضريبي الجديد الذي أعلنته الحكومة، والذي رأوه غير عادل وسيساهم في كساد تجارتهم.

احتجاجات التجار التي لم يشهد المغرب مثيلا لها سابقا، توسعت بشكل منظم ومتسارع ولافت في عدة مدن، من الشمال والجنوب والوسط والساحل الغربي وصلت الإضراب إذ أقفلت المجلات أبوابها تعبيرا عن رفضها للتوجه الضريبي الجديد للدولة.

ومع انتشار الاحتجاجات سارعت الحكومة عبر مؤسساتها إلى عقد لقاءات مع ممثلين عن الإطارات المهنية للتجار، إذ اجتمع كل من وزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، والمدير العام للضرائب والمدير العام للجمارك والضرائب من جهة وإطارات جمعوية للتجار، وتم الاتفاق على رفع هذه الضرائب في هذه المرحلة ، كما نظمت الحكومة مناظرة جمعت متخصصين في مجال المال والأعمال في شهر ماي 2019 وانتهت بتوصيات رفعت إلى الحكومة.

وتفهم المواطنون غضب التجار رغم تضررهم من هذا الشكل الاحتجاجي الذي مس حاجياتهم اليومية للمواد الاستهلاكية، وشارك العديد منهم تضامنهم المحلات المغلقة على الشبكات الاجتماعية الافتراضية مرفقة بتعليقات تطالب الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة أمام هذه الموجة من الإضرابات، داعين إياها إلى التفكير في مصلحة المواطن قبل اتخاذ قرارات مرفوضة شعبيا.

احتجاجات الأساتذة المتعاقدين

بعد أسابيع على انطلاق الموسم الدراسي 2018/2019  خرج الأساتذة المتعاقدون تحت لواء تنسيقية جمعت ثلاثة أفواج، للاحتجاج مطالبين بإسقاط نظام التعاقد وإدماجهم في نظام الوظيفة العمومية.

كانت احتجاجات الأساتذة دورية روتينية في البداية، قبل أن تتحول إلى أزمة حركت أجهزة الدولة للتعامل مع هذه الحركة التي تضم أزيد من 70 ألف أستاذ، بعدما أضربت لأسابيع وقاطعت الفصول الدراسية، واعتصمت بالعاصمة

تعاملت وزارة أمزازي بمنطق متعنت مع هذا الملف وأصرت على عدم محاورة الأساتذة ووجدت إلى جانبها عصا وزارة الداخلية التي لم تتأخر في قمع وتعنيف رسل العلم في عدة محطات، تسببت إحداها في إصابة مميتة لأب أستاذة أصر على مرافقة نصرة لقضيتها.

بعد إصرار على رفض محاورتهم تراجعت وزارة التربية الوطنية عن قرارها بعد ضغط من بعض النقابات، وتدخل بعد ذلك وسطاء أقنعوا الأساتذة بالعدول عن إضرابهم والعودة إلى الأقسام إنقاذا للموسم الدراسي، ووعدتهم بحل الملف  قبل انطلاق الموسم الجديد.

احتجاجات طلبة الطب

منذ 25 مارس 2019 يخوض طلبة الطب  وطب الأسنان إضرابا مفتوحا عن الدروس النظرية والتطبيقية والتداريب الإستشفائية، وموازاة مع ذلك خاض التنظيم الطلابي أشكالا احتجاجية عدة من بينها إعتصامات إنذارية محلية لمدة 12 ساعة، من 9 إلى 12 أبريل 2019 بمدن وجدة وطنجة، مراكش، أكادير، الدار البيضاء، بفاس، والرباط، ووقفات محلية، ومسيرة وطنية يوم 15 أبريل 2019، بالإضافة إلى مقاطعتهم امتحانات نهاية الموسم الدراسي.

ويأتي هذا الاحتجاج التاريخي للطلبة المنضوون نحن لواء تنسيقية وطنية، دفاعا عن الجامعة العمومية والتكوين الصحي العمومي، ورفضا للقرارات التي تهدف إلى خوصصة قطاع التعليم العالي والتكوين الطبي العمومي، والعشوائية التي واكبت تنزيل مشروع كليات الطب الخاصة والشراكات المبرمة مع الجامعات العمومية التي تحيل على استغلال القطاع العمومي من طرف الخواص، وكذلك رفضا للإستغلال الممنهج لطلبة السنة السابعة في سد الخصاص والمطالبة بتسريع الخروج بنص قانوني واضح يهم السلك الثالث من نظام الدراسات الطبية الجديد مع اشراك التنسيقية الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان في مراحل اعدادها والرفض القاطع لبعض مواد دفتر الضوابط البيداغوجية الجديد الخاص بالدراسات الطبية، ورفضا لإضافة سنة سادسة لطلبة طب الأسنان.

الحكومة كعادتها جانبت الحكمة في التعامل مع مثل هذه الملفات الحساسات، واختارت المقاربة الأمنية، من خلال قمع بعض احتجاجات الطلبة، واستخدام أسلوب التهديد والتخويف، غير أن ذلك لم ينل من عزيمة الطلبة الذين قدموا درسا في الوحدة والانضباط وانسجام المواقف.

ومع إصرار الطلبة على الاستمرار في الإضراب حتى الاستجابة لمطالبهم، أصرت الحكومة على تعنتها لكسر شوكة الطلبة، مستخدمة آخر أساليبها في مواجهة هذه الحركة المنظمة، فاتهمت جماعة العدل والإحسان بتحريضهم، وأوقفت ثلاثة أساتذة متخصصين أعلنوا دعمهم للطلبة، كما أوقفت أب منسق الطلبة بوجدة وهو طبيب أعلن تضامنه أيضا.

ومع فشل الحكومة في الحل، تدخلت وزارة الداخلية وعرضت وساطتها عبر تأسيس لجنة بين وزارية للاجتهاد في البحث عن حلول ترضي الطرفين، غير أنه لحدود كتابة هذه الأسطر لم يظهر أفقا للخروج من هذه الأزمة.

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق