وجهات نظر

ومضة اقتصادية للتاريخ من محراب الاقتصاد المغربي

 

الدكتور هشام عطوش

1) بين يدي المقال

غايتنا من المقال، تبيان واقع الاقتصاد المغربي خلال سنة ونيف من صدور تقرير النموذج التنموي الجديد في ابريل 2021. الحديث عن واقع مدة قصيرة، لا يعني البتة البحث عن سرد حصيلة منجزات وأرقام من، كما لا نروم هنا انتقاد محصلة عقود من التجريب الإصلاحي ما بين إحلال للواردات تحت مسمى “صنع بالمغرب” أو تشجيع صادرات غالبا ما تكون على حساب المقدرات المشتركة.
إن المعول عليه -في هذه الومضة الاقتصادية التي نكتبها للتاريخ- هو بسط موجز للمقومات وكذا الكوابح التي تمكننا من فهم الواقع المذكور بحثا ولو من طرف خفي عن مداخل للتغيير أو على الأقل إنقاذ عجلة الاقتصاد من التكسير.
ذكرنا “الاقتصاد” بالتعريف لأن جوهره الرئيس، والمتمثل في ثنائية السلطة والثروة من جهة والفقر من جهة أخرى، بقي هو الثابت الأساس، على الرغم من تعاقب التخطيط تارة وتراجع الدولة تارة أخرى. أما إضافة “الياء” للمغرب فمن باب نعث الاستثناء الذي يجعلنا نقتصر على المغرب دون مقارنة حالته ببلدان كانت إلى وقت قريب أقل منه أو في مصافه.
وبما أن المناسبة شرط، فإن مقالنا لم يغفل الظرفية الاقتصادية العالمية الحالية المأزومة والمترتبة عن فراشات أربع: العولمة الرقمية والجائحة الصحية والحرب الأوكرانية-الروسية وتداعيات التغيرات المناخية. فراشات أنتجت وستنتج تداعيات مستمرة لردح من الزمن أجبرت كل بلدان العالم على اتخاذ إجراءات استثنائية ومنها صناديق التضامن الوطنية والدولية. والاستثناء لا يقاس عليه، ومن تم فالمعول عليه في مثل هذه الأحوال هو النظر العميق في الجزء المغمور تحت الماء من جبل الجليد الاقتصادي الذي يغدق ثروة وفقرا في آن واحد.
ننهج في مقالنا هذا درب علوم التدبير، لنأثث الفضاء بداية بحديث عن الحكامة من خلال تحديد الفاعلين وتفاعلاتهم، لننتقل بعد ذلك لتمحيص الرؤية التنموية الاستراتيجية الحالية ونقف مع مدارسة بعض الأبعاد الإجرائية المعتمدة مررا في تسيير الأمور الاقتصادية على الصعيد الكلي، لنصل في الختام لاقتراح بعض المداخل اللازمة لكل تغيير منشود نحو مغرب أفضل.

2) الحكامة الاقتصادية المغربية

لو كان “تقي الدين المقرزي” رحمه الله بيننا لأعاد كتابة نفس ما خطته يمينه في كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” مع تحيين المكان والزمان.
ما يميز الحكامة الاقتصادية المغربية هو زواج الثروة بالسلطة في ما قد نسميه ليبرالية ريعية، ظاهر الأمر فيها تحرير جل القطاعات الاقتصادية وباطن العرض فيها تحكم قلة مهيمنة من خلال مجموعات اقتصادية عائلية أو شبه عائلية مع وجود مستثمرين أجانب. نكتفي هنا بسَوْق رقم واحد للاستدلال على التركيز الاقتصادي، 60% (155,6 مليار درهم) من رقم معاملات التصدير لسنة 2020 حققته 88 شركة كبيرة الحجم فقط، بلغة أخرى هذه المقاولات تحدد مصير 60% من صادرات المغرب وبالتالي من توازناته الخارجية.
حكامة تلعب فيها السياسة الاقتصادية للدولة قطب الرحى، ما يجعل التصرف الاقتصادي لجل باقي الفاعلين يتسم بالانتظارية. ولا نغفل أن الفساد مكون مؤثر في سير وصيرورة العملية الاقتصادية. فالمغرب مصنف في المرتبة 88/187 دولة سنة 2020 في المؤشر العالمي لمدركات الفساد.
حكامة اقتصادية فوقية موجهة مركزيا وترابيا، لا تتغير بتداول أغلبيات وحكومات فسيفسائية تجعل مرجعياتها الاقتصادية بدون مذهب اقتصادي واحد فلا هي ليبرالية، ولا هي اشتراكية، ولا هي اجتماعية، ولا هي تضامنية. وغالبا ما تكون المبادرة الملكية منطلق العمل الاقتصادي، من خلال طلب تقارير من لجان خاصة أو اتخاذ مبادرات مباشرة من قبيل دولة الحماية الاجتماعية أو صندوق التضامن لمواجهة أثار جائحة كوفيد 19 أو إحداث صندوق التدبير الاستراتيجي للاستثمارات العمومية.
حكامة اقتصادية تلعب فيها المؤسسات الدولية، كالبنك العالمي أو صندوق النقد الدولي، دور اللاعب الأساسي وذلك منذ أول المخططات بمغرب ما بعد الاستقلال. فدعمها وقروضها وخط وقايتها مشروطة بانتهاج إصلاحات قد تكون موجعة اجتماعيا (التقويم الهيكلي وكبح نفقات صندوق الموازنة…).
حكامة اقتصادية تتأثر بالتقاطبات الجيو اقتصادية، مع محاولة في السنة الأخيرة للانعتاق من ربقة التبعية الاقتصادية الأحادية لبعض دول القارة العجوز خاصة فرنسا واسبانيا.

3) النمذجة التنموية الحالية بالمغرب

القصد هنا أن نساءل مجهودا جماعيا موجها تمخض في ابريل 2021 عن تقرير النموذج التنموي الجديد، بعد تأخر ناجم عن ضرورة التحيين عقب ما نتج عن جائحة كوفيد. تقرير وضع سقف 2035 كأفق لإحداث الفارق التنموي، لكن الظاهر هو أنه ما يزال حبيس الرف الالكتروني الذي نشر فيه. وكأن التاريخ يعيد نفس حكاية التقرير الخمسيني الذي طوي في ذاكرة النسيان.
لا شك أن تقرير النموذج المذكور وضع توصيفا لبعض الأدواء، لكنه وقف عند باب التفعيل عندما ختم بضرورة وضع ميثاق وآلية كان من المفروض أن يتضمنهما. بطبيعة الحال، هل كانت المنهجية التي اعتمدت في اعداد التقرير هي الأنسب والأسلم؟ هل أجاب التقرير حقيقة على التساؤلات والانتظارات الحقيقية للمواطنين والمواطنات؟ هل…؟ ذاك فصل آخر نتجاوزه مؤقتا لكي لا نحاكم النيات؛ ولكي نتمكن من تثمين المنجزات.
مضمون التقرير وملحقاته يحيل على تحول اقتصادي بخزائن لمشاريع في أزيد من خمسين قطاعا، فهل سطر برنامج الحكومة، المتمخضة عن الانتخابات التشريعية لشتنبر 2021، المعالم الأولى لهذا التحول؟ أعتقد أن ذلك لم يتم وأحيل القارئ لمقارنة الأهداف العشر للبرنامج الحكومي 2021-2026 وجدول الأهداف الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد.
هناك بون شاسع بين التوجيه الاستراتيجي بالمغرب، والبرمجة الحكومية الخماسية، والترجمة العملية من خلال قوانين المالية مثلا. هناك لا شك حلقات مفقودة لن تمكن من تفعيل الكلمات المفاتيح للعنوان الفرعي للنموذج التنموي الجديد وهي: التحرير والثقة والتسريع والتقدم والرفاه للجميع. كلمات مفتاح لا يختلف حولها عاقلان يبحث أحدهما عن تنمية جديدة والآخر يروم تنمية متمحورة حول الإنسان.

4) الأبعاد الإجرائية في الاقتصاد المغربي

لننتقل من علياء الحكامة والنمذجة لأرض الواقع الاقتصادي ونحن على مشارف إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2023. ونذكر هنا أننا لسنا بصدد سرد أحداث اقتصادية بارزة أو تقديم مؤشرات متحولة فصليا وسنويا تعج بها التقارير الوطنية والدولية.
ما يميز الست أشهر الأخيرة من كل سنة ميلادية بالمغرب هو مسلسل إعداد مشروع قانون المالية والذي ينطلق بوضع فرضيات تشمل أساسا توقعات الأسعار الدولية للمحروقات والحصيلة الفلاحية من الحبوب ومؤشري معدل النمو الاقتصادي المرتقب وعجز الميزانية المنتظر على ضوء الجبايات المتوقع تحصيلها والديون الممكن الحصول عليها لسد النفقات.
ينطلق بعد ذلك مسلسل تقسيم الكعكة الميزنية مع مراعاة تجاذبات النفقات غير القابلة للمفاوضة ومنها مخصصات المشاريع والاستراتيجيات الكبرى؛ والنفقات التي تمول بما فضل عن نفقات التسيير الرئيسة، ومن ذلك ما يوجه لدعم الطلب أو لبعض الفئات المجتمعية الهشة. وما إن تتوسط السنة المالية حتى تظهر تحويلات وحسابات خاصة وصناديق استثنائية لمواجهة أزمات طارئة من قبيل الجفاف والغلاء.
هكذا يعيد التاريخ نفسه في كل سنة مالية وفي كل ولاية تشريعية، وكأن الاستفادة من التجارب المعاشة ليس ضمن أولويات المغرب التدبيرية. إن لب الإجرائية هو القدرة على الإبداع والابتكار، وفي هذا الباب يحتاج المغرب لاجتهاد أكثر ليحسن جل مرتكزات الابتكار؛ ونذكر هنا أن تصنيفه في المؤشر العالمي للابتكار لسنة 2021 لم يراوح المرتبة 77/132.

5) بين يدي مداخل التغيير

حتى وإن سبق لنا في مقالات سالفة أن أوردنا بعض مداخل التغيير، فلا بأس أن نعيد صياغة أهمها في نسق إصلاحي-تغييري وهي على ثلاث أنواع:
أولا، الكفايات القيادية بداية وبعدها القدرات الاستثمارية. كفايات تقنية وقبلها كفايات تربوية تنبثق عنها المسئولية المؤدية لواجب الرعاية. والتربية هنا لا تقتصر على الأجيال الصاعدة بل تتعداها لكل فئة عمرية وجب أن يترسخ في ذهنها أن الرفاه الجماعي إنما هم ثمرة نكران الذات.
ثانيا، العمل القاصد الموجه. قاصد لحاجيات البلد بدءا بالأساسي منها من قبيل الأمن الغذائي والمائي. موجه لأن الدولة بكل مؤسساتها هي القاطرة مع اعتبار المبادرة الحرة محركا لها. لا مناص من توجيه الاقتصاد بما يخدم حاجيات الغالبية العظمى للسكان مع احترام مبدأ ربحية الرأسمال دون أن يصبح هذا الأخير مصاص دماء. يحتاج المغرب أيضا في هذا الباب لترسانة قانونية مفعلة تحدد علاقة السلطة بالثروة، ترسانة تتجاوز مجرد التصريح بالممتلكات وتشجع الاستثمار المواطن المسئول. ولا معنى لما سلف إلا إذا احترمت حقوق العامل، وربح التاجر، وضمنت التنمية الدامجة والمستدامة.
ثالثا، كل النتائج يجب أن تحكمها غاية التنمية المتمحورة حول الإنسان، إذ لا معنى لأموال مكدسة ولثروات متراكمة في اقتصاد يغدق تهميشا ولا مساواة وفقرا. النتائج يجب أن تكون ثلاثية الأبعاد: اقتصادية بما هي ترجمة للقوة؛ واجتماعية بما هي عنوان التماسك والتلاحم الاجتماعيين والتوزيع المنصف والعادل؛ وبيئية بما هي تثمين وحماية للمقدرات المشتركة.
هكذا يكون رأس الأمر حكامة راشدة، وعموده نمذجة تنموية محورها الإنسان، وثماره نتائج شمولية مترتبة عن إجراءات مضبوطة ومقومة.

النهاية لكل فائدة ترجى.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى