وجهات نظر

سعد المعطاوي : الفضول كأسلوب حياة..

 

سعد المعطاوي

لعلك عشت هذا من قبل عزيزي القارئ؛ أن حملت طفلا صغيرا مازال ينظر لعالمه بعين الدهشة والعجب، وأنت معجب بلطافته وترى فيه أنك ذات يوم كنت في ذاك الحجم الصغير الضئيل، وما إن تبدأ تحدثه وتلاطفه حتى يأخذ ذاك المشاغب الصغير أذنيك أو أنفك فيلهو كما يشاء، أو قد يضرب حتى عينك فجأة، أو يفاجئك بصفعة فولاذية من يد تبدو ضعيفة!

تضعه سريعا فتجلس منهكا متسائلا :ماذا دهاه ولماذا يقوم بتلك الأفعال؟

الجواب بسيط صديقي القارئ، إنه الفضول، إنه تلك الرغبة الشديدة في معرفة شيء ما، وقد تتعدد ماهية هذا الشيء لتكون معلومة، حدثا أو شخصا، وهي كذلك عملية طبيعية تحركنا نحو البحث والتعلم، بل يمكن تجاوز هذه التعاريف فنقول: أن الفضول هو الدافع الأول والأخير لتطورنا الثقافي والعلمي والاجتماعي .

إن الفضول، ولإدراك أهمية قيمته، هو أول مهارة يتملكها الإنسان ويمكن القول كذلك أنها ملكة فطرية، وهنا، فلنقف قليلا، ولنعد لقصتنا مع ذلك الطفل المشاكس، فوراء تصرفات الطفل المشاغبة رغبة عارمة ودافع عميق لاكتشاف ما يحيطه، فهو كائن جديد على عالمنا، لقد حضر عالمنا ووجد نفسه واحدا منه.

وهو بالتالي سيسعى بدون أناة إلى أن يستخدم أفكاره الفطرية وأجهزته الحسية لمعرفة كل تفصيلة عن عالمه، وبالتالي، الوصول بالتدريج، ومع توالي السنين والخبرات، إلى الحالة الساكنة بعض الشيء والأكثر اتزانا التي يشهدها البالغون، وهذه من مظاهر رحمة الله وفضله علينا فلولا هذه المهارة التي جعلها ترافقنا منذ سقوطنا في هذا العالم لما اكتسب كل طفل مر وسيمر بكوننا هذا تلك المعرفة التي ستخوله الاستمرار والنمو والحياة .

ومن هنا ننطلق لنتعمق في جوهر الفضول، فهذا الأخير ليس دائما ما يكون سلبيا داعيا إلى التدخل في حيوات الناس أو الاهتمام بتفاصيل الأشياء البسيطة التافهة التي تقتل الوقت المتاح الغالي، لا وألف لا، تلك صور نمطية تؤذي القيمة الحقيقية للفضول رغم وجودها، إن في هذه المهارة يكمن الاختلاف الجذري بين الإنسان وباقي المخلوقات ولنحدد فيها الحيوانات، الحيوان يسعى بكل بساطة إلى الوصول إلى تحقيق لذاته فيعمل بما أتاه الله من إمكانيات لضمان مأكله ومشربه بغريزته، فهو يقبل بما يراه أمامه من معطيات، أما بالنسبة للإنسان فهو يتجاوز بعده الحيواني الغرائزي ليصل إلى بعده الفريد الذي ميزه به الله والذي يضمن له القدرة على التسيد في الأرض وعمرانها، ألا وهو التساؤل وحب الاستكشاف والاستطلاع، فلا يقف عند تحقيق حاجاته ورغباته، بل يجد نفسه يريد بشدة معرفة كيف تدار القوانين الكونية وكيف تترابط فيما بينها حتى أنه يزيد من مقدار عمق أسئلته فيبدأ حتى في البحث عن ماهيته والغاية من وجوده .

بعبارة أخرى، الفضول هو أهم العوامل التي ساهمت في تطور الإنسان على مختلف أصعدته التقنية والعلمية والفكرية والنفسية، هو الضامن لاستقلاليته بطبيعته الإنسانية عن باقي الطبائع الحيوانية و النباتية و الجامدة .

إن الجهل دائما ما يرافقه الفساد و الشر، وبجهلنا بجمال قيمة الفضول نسقط في فخ البداهة والوضوح والاكتفاء بما تم تحصيله من المدارك السطحية، وهذه مشكلة الفضول في عصرنا الحالي، لقد دمرت عقلية الاستهلاك الشائعة والمبالغ فيها روح التساؤل والبحث، فصار فضولنا الذي سخره أجدادنا في معالجة كبريات المشاكل الفكرية والعلمية، لا يتجاوز حدود الأحداث اليومية الروتينية، لقد فقدنا حسنا الطفولي الجميل البريء المتسائل وشغفنا العميق بسؤال “لماذا” هذا السؤال الخيالي العظيم و الأوحد كما قال أحدهم، وكما يقول ألبرتو مانغويل: “إن سؤال “لماذا” حين يحدس فيه الأطفال، هو سؤال يضع هدفنا، دائما وأبدا، فيما وراء الأفق”. وإنها حقا معضلة و كارثة إنسانية تهدد نمو الإنسان وتطلعه للمزيد بفقدانه الاتصال الروحي بسؤال ‘لماذا'”.

إن الفضول طريقة عيش و أسلوب حياة، فبقبولنا به تتغير رؤيتنا للوجود من حولنا، لأن تفعيل تلك الرغبة الشديدة في المعرفة وإدراك أنفسنا وعالمنا يحيلنا إلى جمال الكون والحياة ونستشعر مدى ضعفنا وصغرنا، فتتفكك المخاوف والمصاعب داخلنا وحولنا.

إذا كان الشغف المتكامل هو أن نشغف بالحياة، وكنتيجة فهو موجه إلى عالمنا الخارجي ومحيطنا المادي والمعنوي، فإن أفضل الفضول هو الفضول بالذات وبأنفسنا، علينا أن نفهم جيدا حاجياتنا وتطلعاتنا، نواقصنا وقوانا، ولما لا أن نتوغل في عمق نفوسنا وأرواحنا حتى نجد التوازن والانسجام بين مختلف مكونات كوننا البشري، نحصل محبة خالصة لأنفسنا ككائنات متقنة، فتعترينا بالتالي محبة وامتنان أكبر لله الفاطر المبدع، ولا يكون الفضول الحق بالذات إلا بإدراكنا أننا حقا ولو سعينا كل السعي لن ندرك حتى ربع معارف عالمنا، قال أول الفلاسفة سقراط: أعرف أني لا أعرف شيئا .

قد تبدو جملة الإغريقي مولد الأفكار كما كان يلقب نفسه مثبطة ويائسة، إلا أنها تحمل في ذاتها رسالة قوية من فيلسوف قوي، إن الوجود من حولنا عظيم وكبير ونحن ذوات صغيرة كحبة رمل في صحراء، ولنثبت وجودنا ونعلن رغبتنا في الانسجام مع كوننا يجب أن نعيش في سبيل فهمه واستيعابه بكل تواضع ومحبة، ولا يكون ذلك إلا بالفضول.

أخيرا، فلنكن كما قال وكان العالم الألماني الشهير ألبرت اينشتاين :”أنا لست موهوبا أنا فضولي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى