فسحة تأمّل

تنوعت بين مظاهرات واعتصامات وإضرابات.. أساليب الاحتجاج في تاريخنا

محمد الصياد – الجزيرة نت

 

في سنة 398هـ/1009م وقع غلاء شديد في أسعار الحبوب بمصر “واشتد تكالب الناس على الخبز، فاجتمعوا وضجُّوا من قلّته وسواده، ورفعوا للحاكم قصة (= عريضة شكوى) مع رغيفةِ” خبز أرفقوها بها!!

 

كان ذلك أحد إبداعات الاحتجاج المدني السلمي التي عرفها المسلمون طوال تاريخهم، والتي تمتلئ بأمثالها مدونات التاريخ الإسلامي التي تحتشد بنماذج ومواقف عملية انخرط فيه المسلمون في الصدع بالحق أمام السلطات الجائرة في سياساتها وممارساتها.

والمتأمل لهذا النضال السلمي سيجده مدفوعا ومشفوعا بمسوغات شرعية تشجع المظلومين على إعلان مظلوميتهم، ودفع أصحاب الحق للكفاح من أجل حقوقهم، وأن أول هؤلاء المشجعين هو النبي ﷺ الذي كان ينصت لذوي المطالب والحاجات، ويمنع عنهم أي مانع قد يحول بينهم وبين الإفصاح، بل إنه حرّم احتجاب السلاطين عن الرعية فقال ﷺ: «من ولِيَ من أمر الناس شيئا فاحتجب عن أولي الضعفة والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة»؛ (رواه أحمد والطبراني).

ومن بعده جاء الخلفاء الراشدون فعززوا في نفوس الأمة وواقعها “فقه الاحتجاج” على السلطة، وعرَّفوها حقها في الاعتراض على ما ترفضه من سياساتهم، ومن بعدهم أئمة العلماء المصلحين (من المحدّثين والفقهاء وصلحاء الصوفية) الذين عرفوا أن دورهم الحقيقي هو أن يكونوا بين الناس ليعيشوا همومهم، وبذلك تأسست زعامتهم الشعبية للأمة وتأكدت حيوية المجتمع الإسلامي بإيجابية علمائه، فازدادت قوة تأثير الرأي العام المسلم -علماء وعامةً- في مكافحة المظالم وردع الجور.

وعلى المستوى الواقعي؛ تعددت الأفكار والأساليب الاحتجاجية المدنية التي مارسها المسلمون، تحشيدا وتظاهرا وإضرابا ومقاطعة، وتعطيلا لمصالح والحركة، وكتابة للعرائض المطلبية واستخداما للرمزيات الاحتجاجية، مثلما فعل المصريون في مظاهرة الخبز تلك وغيرها.

كما أن التجمع في المساجد للدعاء والقنوت في لحظات الشدة كان من السلوكيات الاحتجاجية المعروفة والمؤثرة، وشهدت تلك الأنشطة شيئا من التدافع والتصادم عندما كانت السجون تقتحم لإطلاق سجناء الرأي من المحتجين وغيرهم ممن يجهرون بالمطالبة بالحقوق.

ومن صور الاحتجاجات المهمة تلك التي كانت تتجلى فيها الوحدة الوطنية بين مختلف الانتماءات الدينية حينما تُمَسُّ أسباب العيش، والتي لم تكن تضيق بإشهار الرموز الدينية الإسلامية والمسيحية في مظاهرات عامة تخرج دفعا للظلم والعدوان. كما عرف المسلمون في تاريخهم الاحتجاج الفئوي لأصحاب المهن والحِرَف والإضرابات العمالية التي تؤدي إلى إغلاق الأسواق.

وتأخذ بعض أشكال الاحتجاجات ذروتها، حينما تتخذ من تعطيل المساجد والصلوات الجامعة تعبيرا احتجاجيا لتخاذل السلطات عن توفير الأمان وحماية الأوطان، أو تقوم بخلع الولاة والعمال والقضاة والوزراء، أو حتى تتصاعد من سلمية وادعة إلى ثورة عارمة تطيح برأس النظام وأركانه.

وتكشف الأحداث الواردة في هذا المقال عن قوة وفعالية “فقه الاحتجاج” ثقافةً وممارسةً داخل المجتمع المسلم، الذي بقي متشكلا في جماعات ونقابات وطوائف لا تترك الرعية أفرادا مشتتين تستأسد عليها السلطات، بل كان منظما ومشبعا بالفهم الشرعي الذي يقوي فيه حاسة رفض الظلم، ومن هنا لم يتوقف المسلمون طوال تاريخهم عن الاحتجاج كما يبرهن عليه هذا المقال الحافل، والذي إنما نُعْنَى فيه بالاحتجاج المدني السلمي دون التطرق إلى الثورات المسلحة التي تستهدف اقتلاع أنظمة الحكم.

 

تأصيل مبكر

جاء الخلفاء الراشدون فعززوا في نفوس الأمة وواقعها “فقه الاحتجاج”، وعرفوها حقها في الاعتراض على ما ترفضه من سياساتهم؛ إذْ كان كل منهم يفتتح عهده بخطبة عامة يعلن فيها أنه ليس فوق المساءلة الشعبية ولا سياساته منزهة عن النقد والتقويم.

فقد روى الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) -في ‘الموطّأ‘- أن الخليفة الأول أبا بكر الصدّيق (ت 13هـ/635م) خطب بعد مبايعته خليفة أمام الصحابة، فكان مما جاء في كلامه: “أما بعد؛ فإني وُليتُ أمركم ولستُ بخيركم..، أيها الناس! إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أنا أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني”!!

فهذا الخطاب يعني أن الأُمّة لها وصاية حصرية على نفسها، تختار من تشاء وتعزل من تشاء، وتعارض وتحتج وتراقب وتقوِّم؛ ولذلك علّق الإمام مالك على مقولة الصدّيق تلك بقوله: “لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط”!!

ويحدثنا الإمام الذهبي (ت 748هـ/1347م) -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأن الخليفة عمر الفاروق (ت 23هـ/645م) لقي يوما الصحابي الجليل “محمد بن مسلمة (ت 46هـ/667م) فقال له عمر: كيف تراني؟ قال: أراك كما أحب..، أراك قويا على جمع المال، عفيفا عنه، عدلا في قسمته، ولو ملتَ عدلناك كما يُعدل السهم في الثقاف! فقال (عمر): الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملتُ عدلوني”!!

ولم تكن تلك المبادئ حكرا على تعامل الخلفاء الشخصي مع مواطنيهم؛ بل كانت دستورا ثابتا يسير عليه -في أغلب الأوقات- كافة ولاة ومسؤولي دولة الخلافة الراشدة، ويلزم به الخلفاء موظفيهم العموميين؛ فقد روى الإمام البيهقي (ت 458هـ/1067م) -في السنن الكبرى‘- أن عمر خطب في المسلمين يوما فقال:

“ألا إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وليعلموكم سننكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا ليأخذوا أموالكم، ألا فمن رابه شيء من ذلك فليرفعه إليّ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنّ منه”!! ثم توجه بخطابه إلى ولاته على الأقاليم فقال مهددا إياهم: “ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم”.

ثمّ كان أول اختبار عمليّ لموقف المسلمين من الاحتجاج السلميّ في عهد الخليفة عثمان بن عفان (ت 35هـ/656م)، وذلك احتجّت طائفة من أقاليم مختلفة على بعض سياساته وسياسات ولاته. وبغض النظر عن مدى صدق مزاعم المحتجين؛ فإن عثمان نجح في إقرار حق الأمة في الاعتراض على ولاة أمورها بإقراره للمحتجين على مبدأ احتجاجهم رغم ما انطوى عليه من عنف وخشونة، بل ورفض تدخل الصحابة لفض ذلك الاحتجاج أو لمقاتلة أصحابه بالقوة دفاعا عن حياة الخليفة الشرعي.

وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير (ت 774هـ/1372م) في ‘البداية والنهاية‘: “قال عثمان للذين عنده في الدار من أبناء المهاجرين والأنصار -وكانوا قريبا من سبعمئة-… ولو تركهم لمنعوه…: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده، وأن ينطلق إلى منزله، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر”!!

 

مسار طويل

كانت واقعة الاحتجاج على الخليفة عثمان بن عفان -التي بدأت سلمية وانتهت باستشهاده مقتولا في داره- هي البداية التأسيسية لمسارٍ طويل ومطّرد من الاحتجاجات السياسية الجماعية والميدانية، والتي وثّقتها بدقة متناهية مدونات التاريخ الإسلامي طوال حقيه المختلفة.

ثم انتهت حقبة الخلافة الراشدة -إثر استشهاد الخليفة علي بن أبي طالب (ت 40هـ/661م)- بما أسسته للمسلمين من مبادئ تقر حقهم في الاعتراض والاحتجاج على سياسات حكامهم، باعتبارهم وكلاء عن الأمة في تحقيق وحفظ مصالحها العامة والخاصة، وبوصف الاحتجاج -إذا كان نابعا من أسباب موضوعية- نوعا من أنواع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صيغة “الحِسبة على السلطان”.

وانطلاقا من ذلك الإرث النظري والعملي الذي حكم نظرة الصحابة والتابعين إلى سياسات الخلفاء الراشدين؛ نجد أن المسلمين واجهوا سلطة الدولة الأموية في حالات كثيرة بكلٍّ من تلك الأوضاع الاحتجاجية، وذلك بدءا من مؤسس الدولة الأموية الخليفة معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) وحتى آخر الخلفاء الأمويين.

لقد كانت حادثة سابقة قرار معاوية توريث السلطة لابنه يزيد (ت 64هـ/685م) أولى محطات المسيرة الاحتجاجية على الأمويين؛ فحين أمر معاوية واليه على الحجاز مروان بن الحكم (ت 65هـ/686م) أن يأخذ له بيعة الصحابة بالمدينة النبوية بولاية العهد لابنه يزيد تصدت له كوكبة من أبناء الصحابة، معترضين على ذلك القرار الذي كان له لاحقا تأثير خطير في تاريخ المسلمين.

فقد ذكر الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) -في ‘الإصابة في تمييز الصحابة‘- أنه “كان مروان على الحجاز -استعمله (= جعله واليا) معاوية- فخطب فذكر يزيد بن معاوية لكي يبايَع له بعد أبيه…، فقال مروان: سنة أبي بكر وعمر! فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر”!!

وكان مروان يعني أن استخلاف معاوية لابنه إنما جاء اقتداءً باقتراح أبي بكر على الصحابة تولية عمر خليفة بعده، أما الصحابة فقد رأوا في الأمر تقليدا لعادة قياصرة الروم في توريث الملك لأبنائهم؛ وهو ما توضحه رواية لدى الإمام السيوطي (ت 911هـ/1506م) -في ‘تاريخ الخلفاء‘- بقوله: “فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (ت 53هـ/674م) فقال: بل سنة كسرى وقيصر! وإن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما”!!

وكان في قوله ذلك إشارة بليغة إلى تأثير بيئة الشام -الرومانية الحكم سابقا- على مزاج البيت الأموي، وخاصة معاوية الذي تولى -حتى ساعتها- ولاية الشام نحو ثلاثين سنة (واليا وخليفة).

ويورد ابن حجر ما يفيد بأن هذا الموقف الاحتجاجي تكرر مع معاوية نفسه حين قدم الحجاز حاجًّا سنة 51هـ/672م، وأراد أخذ البيعة لابنه من أهل المدينة؛ فقد “خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن علي (ت 61هـ/682م) وابن الزبير (عبد الله ت 73هـ/690م) وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهِرَقليةٌ؟! كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟! لا نفعل والله أبداً”!!

وينقل لنا السيوطي المرافعات القوية التي قدمها الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (ت 73هـ/690م) دفاعا عن موقف أهل المدينة المناهض لتوريث الخلافة عائليا؛ فيذكر أنه خاطب معاوية قائلا: “أما بعد؛ فإنه قد كان قَبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يَروا في أبنائهم ما رأيتَ في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار (= الأفضل)”!!

وقد عزز عبد الرحمن بن أبي بكر موقف ابن عمر حين رفض الاستماع إلى حجج الخليفة معاوية “فقطع عليه كلامه، وقال: إنَّك لوددتَ أنا وكَلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل! والله لتردنّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنّها عليك جذعة”!! وعبارة “لنعيدنّها عليك جذعة” فيها تهديد صريح بأنهم مستعدون لتصعيد الموقف من الاحتجاج السلمي إلى العصيان المسلح!!

 

أسباب متنوعة

من اللافت أن الاحتجاجات السياسية كانت دائما -مهما اختلفت العصور وتعاقبت الدول- متعددة الدوافع والأسباب، ومنوعة الأشكال والأساليب، كما أن خلفاء وسلاطين وأمراء المسلمين واجهوها -طوالَ قرون الإسلام وفي كافة أقاليمه أقطاره- بردود أفعال متباينة استجابةً ومناهضةً.

فقد كان كثير من قصص الاحتجاج في تاريخنا كانت دوافعها اقتصادية بحتة، من قبيل ارتفاع الأسعار أو نقص المؤن وانتشار الفقر، أو فرض الضرائب والجبايات الظالمة المجحفة بالشعب، أو مصادرات غاشمة لأموال الناس وممتلكاتها، أو تبذير للمال العام.

فمن نماذج الاحتجاج بسبب أزمات الغذاء وغلاء الأسعار وسوء أوضاع المعيشة ما سجله الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ/1201م) -في ‘المنتظم‘- من غلاء فاحش في بغداد سنة 373هـ/984م، إذْ “زادت الأسعار في هذه السنة زيادة مفرطة، ولحق الناسَ مجاعةٌ عظيمة…، وضج الناس وكسروا منابر الجوامع، ومنعوا الصلاة في عدة جُمَع، ومات خلق من الضعفاء جوعا على الطريق، ثم تناقصت الأسعار” في نهاية السنة.

ويحدثنا الإمام ابن حجر عن أنه وقعت في مصر خلال سنة 839هـ/1435م، فقد “غلا سعر القمح فتزايد وقَلّ الخبز من الحوانيت فضجت العامة، فأمر السلطان بفتح الشُّوَن (= مخازن الحبوب الحكومية) والبيع منها، فمشى الحال قليلاً… وسكن الحال بوجود ذلك”.

وفي واقعة احتجاج شعبي أخرى ذات دافع اقتصادي؛ يقول ابن حجر -في ‘إنباء الغُمر‘- إنه في سنة 775هـ/1373م “لازم شخص من العوام الصياح تحت القلعة (= مقرّ السلطان): اقتلوا سلطانَكم تَرْخُص أسعارُكم، فأُخِذ وضُرب بالمقارع وشهر”!!

وهذه الحادثة تدل أيضا على خشية القصر حينئذ من توسع وازدياد مثل تلك التحركات الفردية المناهضة، كما أنها مؤشر على شجاعة مكونات الرأي العام المسلم وإقدامهم وتحريكهم للمياه الراكدة، حتى ولو تعرضت حياتهم للخطر ورزقهم للزوال.

 

دوافع سياسية

ولا تقلُّ الأسباب سياسية الكامنة وراء أنشطة الاحتجاج أهمية وكثرة عن نظيرتها الاقتصادية؛ ومن ذلك أن الناس قد تحتج رفضا لتولية مسؤول معيَّن ترى في سيرته الذاتية فسادا إداريا أو فكريا أو أخلاقيا، فمسألة تولية الولاة وعزلهم لم تكن أمراً سلطانيا صِرفا كما قد يظن البعض، بل كان رضا العامة عنهم -وهو ما يُسمَّى اليوم في العلوم السياسية بـ”السيادة الشعبية” أو “المشروعية الشعبية”- عاملا مهما في ترتيباتها.

ولذلك كان الخلفاء الراشدون حريصين على استرضاء العامة عند تعيين المسؤولين عنهم من الولاة وغيرهم؛ فقد جاء -في ‘صحيح البخاري‘- أنه “شكا أهل الكوفة سعدا (= سعد بن أبي وقاص ت 55هـ/676م) إلى عمر، فعزله [عنهم] واستعمل عليهم عمارا (= عمار بن ياسر ت 37هـ/658م)”، وكان ذلك سنة 22هـ/644م؛ وفقا للذهبي (ت 748هـ/1347م) في كتابه ‘العِبَر‘.

وفي مثال مشابه حصل بعد قرون في مصر، مما يوحي بأن ظاهرة الاحتجاجات الشعبية الضاغطة تواصلت زمنيا وتمددت جغرافياً؛ يقول ابن حجر -في ‘إنباء الغُمْر‘- إنه في أحد أيام سنة 775هـ/1374م “اجتمع العوام بالمصاحف وسألوا [الأمراءَ] أن يعزلوا علاء الدين بن عرب (ت بعد 781هـ/1379م) عن [ولاية] الحسبة، فعُزِل”. ويقول إنه في سنة 791هـ/1389م “اجتمع العوام فشكوا من المحتسب، فأحضره.. [الأميرُ] وضربه مئتيْ عصا وعزله”.

وفي ترجمة عبد الرزاق الجركسي المؤيدي (ت 868هـ/1463م) يقول الإمام السخاوي (ت 902هـ/1496م) -في ‘الضوء اللامع‘- إنه تولّى ولاية حلب بالشام “فلم يُحمْدَ فيها ورُجِم من أهلها فصُرِف (= عُزل)..، واستقر به [الأمر] في نيابة الشام (= دمشق) فلم تحمد سيرته أيضا لطمعه وشُحِّه وشَرَهه وإسرافه على نفسه إلى أن مات بها..، وسُرَّ أهل دمشق بموته كثيرا، ومَنَع العامةُ من دفنه فلم يُدفَن إلا بعد يومين”!

فهنا نجد العامة يفرحون بموت الظالمين والمفسدين ويجهرون بذلك في مظاهرة خرجوا فيها احتجاجا على دفنه في مقابرهم، وهذا نوع من الضغط الاجتماعي الذي يُرهِب كل من يعمل بالسنن السيئة في الشأن العام.

فشلٌ مُدان

ومما يدخل في الأسباب السياسية للاحتجاج خروج الناس للتنديد بتهاون الدولة في ضبط الأمن وفشلها في توفير الاستقرار والأمان للناس، أو صد عدوان الغزاة لأرض الإسلام؛ فالإمام الذهبي يرسم لنا -في ‘العِبَر‘- صورة قاتمة للأوضاع الأمنية في العراق سنة 421هـ/1031م، وكيف واجه الناس -من كل الفرق المذهبية- تلك الأحوال المضطربة.

وفي ذلك يقول الذهبي: “وأما بغداد فكاد يستولي عليها الخراب، لضعف الهيبة وتتابع السنين الخداعة، فاجتمع الهاشميون.. بجامع المنصور ورفعوا المصاحف واستنفروا الناس، فاجتمع إليهم الفقهاء وخلق من الإمامية..، وضجُّوا” من شدة البلاء واستحكام الأزمة. ومن ذلك أيضا ما سيأتي بشأن اجتياح البيزنطيين لبلاد المسلمين في الشام والجزيرة الفراتية شمالي العراق.

وأحيانا يتظاهر الناس ويحتجون لأسباب دينية حين يرون ما يعتبرونه مَسًّا من ثوابتهم ومقدساتهم، ومن أقدم الأمثلة على ذلك ما ورد عند السيوطي -في ‘تاريخ الخلفاء‘- عن مسببات “ثورة الحَرَّة” سنة 63هـ/684م التي كان وقودها عامة الناس بقيادة جمْع من الصحابة -مهاجرين وأنصارا- بالمدينة المنورة على حكم الأمويين في عهد يزيد بن معاوية (ت 64هـ/685م)؛ فقال: “وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي”!

وما أن تبدّل نظام الحكم الأموي بوفاة الخليفة هشام بن عبد الملك (ت 125هـ/744م)، ونُصِّب مكانه وريث جديد هو ابن أخيه الوليد بن يزيد (ت 126هـ/745م) حتى أثار عليه احتجاجات الأمّة “لِمَا انتَهكَ من حرمات الله واستهتر بالدين”؛ حسب الإمام الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘.

ويخبرنا الإمام ابن كثير (ت 774هـ/1372م) -في ‘البداية والنهاية‘- أن الخليفة الجديد الوليد ما كان يردعه عن انتهاكاته تلك سوى الخوف من احتجاجات الناس. ومن ذلك أنه همّ مرة بأن ينصب قبة “فوق سطح الكعبة ويجلس هو وأصحابه هنالك، واستصحب معه الخمور وآلات الملاهي وغير ذلك من المنكرات، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ما كان قد عزم عليه.. خوفا من الناس ومن إنكارهم عليه ذلك”!! على أنه لم يزل على انحرافه حتى أطيح به من السلطة في انقلاب قضى عليه!

ونلاقي نماذج من انخراط عامة الشعب في مساعي ردع من يخرجون على المستقر لدى أغلبيتها من تعاليم الدين ومسائل العقيدة؛ فنجد مثلا الحافظ ابن حجر يترجم -في ‘لسان الميزان‘- للقاضي شعْبَوَيْه بن سهل الرازي (ت 246هـ/860م)، فيقول إنه “ولّاه المعتصمُ (الخليفة العباسي ت 227هـ/842م) القضاءَ والصلاة بجامع الرصافة [ببغداد]..، وكان مبغضا لأهل السنة مُتَنِّقِّصاً لهم.. وكتب على باب مسجده: القرآنُ مخلوق!.. فأحرق العامة بابه”.

طغيان مُستهجَن

ولذا كانت السلطة -مهما بلغت قوتها- تعمل حسابا للعامة وتخشى صنيعها؛ ومن ذلك أن الإمام الطبري (ت 310هـ/922م) يذكر -في تاريخه- أنه في سنة 284هـ/997م “عزم المعتضد بالله (العباسي ت 289هـ/902م) على لَعْن معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) -رضي الله عنه- على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب (= مرسوم) بذلك يُقرأ على الناس”!!

ولم يتخلّ المعتضد عن قراره ذلك حتى خوّفه خاصته من رجال دولته من “أنْ تضطرب العامة ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة” احتجاجية، وما سينجم عن ذلك من سخط شعبي سيستغله ضده خصومُه من العلويين الثائرين بنواحي الدولة.

وتلك الرواية تُظهر احتياج الخلفاء والسلاطين إلى كسب ولاء العامة لإحداث توازن مع جماعات مناهضة ومعارِضة، لا سيما إذا ثارت وهاجت تلك الجماعات، فيخشى السلطان ألا يجد نصيرا من جمهور العامّة، وربما تحالفوا مع خصومه ضده.

ويندرج في الأنشطة الاحتجاجية لأسباب دينية مقاومة العامة لمظاهر الفرعونية السياسية؛ ومن نماذج ذلك ما ذكره الإمام ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- من أنه في سنة 411هـ/1021م “استقرّ أن يُزاد في ألقاب جلال الدولة (= السلطان أبو طاهر البويهي ت 435هـ/1044م) شاهِنْشاه الأعظم: ملِك الملوك، فأمر الخليفةُ (القائم بأمر الله العباسي ت 467هـ/1074م) بذلك فخُطب له به [في الجوامع]، فنَفَر العامةُ ورمَوْا الخطباءَ بالآجُرّ ووقعت فتنة”!!

ومن أسباب الاحتجاج في تاريخنا ما يكون لعوامل اجتماعية حين يتذمّر الناس مما يكدر نمط عيشهم، أو يؤثر في عاداتهم أو يكون فيه تعدٍّ على حرماتهم وينتهك خصوصياتهم. ومن أشهر ذلك ما وقع في أيام الخليفة المعتصم بالله (ت 227هـ/842م) حين استكثر من شراء وتجنيد المماليك الأتراك ليكونوا جيشه الخاص الذي يشد به أركان ملكه.

فقد أدت سياسته تلك إلى تضخم أعداد هؤلاء الجنود على نحو أزعج سكان عاصمة الخلافة؛ إذْ كانوا “يطردون خيلهم في بغداد ويؤذون الناس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه (= المعتصم) أهل بغداد وقالوا: إن لم تُخرج عنا بجندك حاربناك! قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار (= الدعاء عليه وقت السَّحَر)! قال: لا طاقة لي بذلك!، فكان ذلك سبب بنائه (مدينة) سُرَّ مَنْ رأى (= سامَرّاء)، وتحول إليها” جاعلا منها عاصمة بديلة عن بغداد؛ وفقا للسيوطي.

ومن ذلك أيضا ما يحكيه ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- من أنه في سنة 329هـ/941م اضطربت الأوضاع السياسية والأمنية ببغداد، فـ”اجتمعت العامة في جامع دار السلطان، وتظلمت من الدَّيْلم (= عساكر البويهيين) ونزولهم في دورهم بغير أجرة، وتعديهم عليهم في معاملاتهم، فلم يقع إنكار لذلك [من السلطان]؛ فمنعت العامة الإمامَ من الصلاة وكسرت المنبرين..، ومنعهم الديلم من ذلك فقتلوا من الديلم جماعة”!!

وجاء عند المؤرخ المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في ‘اتّعاظ الحُنفا‘- أنه في سنة 387هـ/998م أطلق القائد الفاطمي أمين الدولة الحسن بن عمار الكُتامي (ت 390هـ/1001م) لجنوده العنان في المجتمع المصري “فكثر عتيُّهم، وامتدت أيديهم إلى الحُرُم في الطرقات، وشلحوا الناس ثيابهم، فضج الناس منهم واستغاثوا إليه بشكايتهم، فلم يَبدُ منه كبيرُ نكيرٍ”، ثم تفاقم حتى أدى إلى عزل ابن عمار عن وظيفته ثم اغتياله.

 

أساليب متعددة

تأخذ معارضة الناس لسياسات سلطانهم وممارساته أشكالا متعددة من أساليب إظهار الامتعاض والاعتراض؛ إذْ لا يقتصر الاحتجاج على التحشيد والتظاهر فقط، بل هو درجات متفاوتة في القوة والوضوح، فبعضها يكون بمجرد الدعاء والبكاء، وبعضها يكون بالنزول إلى الشوارع للتجمهر والصراخ بالمطالب.

وبعض الاحتجاجات يقصد فيها منظموها أماكن عامة كالمساجد ومرافق السلطة، وقد يغلقون هذه الأماكن ويعطلونها عن وظيفتها، أو يضربون عن العمل ويعطلون نشاط الحركة التجارية بإغلاق الأسواق والدكاكين، ومن أنماط الاحتجاج أيضا التعبير صراحة عن مطالب معينة أو كتابتها في عرائض ورفعها إلى من يهمهم الأمر.

فقد يلجأ الناس أحيانا إلى الإضراب العامّ بغلق المساجد والمحلات التجارية داخل الأسواق وخارجها، احتجاجا على موقف أو سياسي أو اقتصادي؛ فهذا الإمام الذهبي يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- قصة اجتياح البيزنطيين ديار الإسلام لمدينة حلب وتهديدهم بدخول شمالي العراق في سنة 352هـ/963م.

ويذكر أن ذلك العدوان أثار غضب الجماهير فخرجوا محتجين على تخاذل قادة الدولة في صد المعتدين، وكان من أنشطتهم الاحتجاجية السلمية أن “أغلق أهلُ الموصل الأسواقَ، واجتمعوا في المسجد الجامع لذلك، ومضوا إلى ناصر الدولة (ابن أبي الهيجاء الحَمْداني ت 358هـ/969م) فضَمِنَ لهم (مقاومة) العدو” حتى ينهي احتجاجهم ويوقفوا إضرابهم.

وقد تضامن سكان عاصمة الخلافة بغداد مع احتجاجات إخوانهم في الموصل وشمالي البلاد، فأعلنوا الدخول في إضراب و”أغلقت الأسواق، وذهبوا إلى باب الخِلافة ومعهم كتاب يشرح مُصيبة حلب وضَجُّوا”، وخاطبوا الخليفة “فقالوا: لا نقنع إلا بخروجك أنت، وأن تكتب إلى سائر الآفاق وتجمع الجيوش، وإلا أن تعتزل لنولي غيرك، فغاظه كلامُهم”!!

ثم تكرر الأمر ثانية سنة 362هـ/971م وفقا للطبري الذي يقول إنه عندما اقتحم البيزنطيون مجددا حدود المسلمين “أتى المستغيثون من أهل تلك البلاد إلى بغداد، وضجوا في الجامع وكسروا المنابر ومنعوا من الخطبه، وصاروا إلى دار المطيع لله (الخليفة العباسي ت 363هـ/974م) وقلعوا بعض شبابيكها”!!

ويضيف أن ذلك الاحتجاج أثار انتقادات العلماء للسلطان البويهي عز الدولة (ت 367هـ/978م) فجاءه “خلقٌ من أهل العلم والدين مستنفرين ووبخوه على… صرف زمانه إلى القبض على أرباب الدواوين (= مسؤولي الإدارات) وعدوله عن مصالح المسلمين” وحماية أوطانهم!!

كما يفيدنا الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه في سنة 513هـ/1119م عُيّن القائد السلجوقي مَنْكُبَرسْ (ت 513هـ/1119م) مديرا عاما للأمن في بغداد، فساءت سيرته مع الناس “وظَلَم وعَسَف، وعتَّر (= اضطهد) الرّعيّة، وضجَّ النّاس [منه] وأغلقت الأسواق إلى أن قَلَعَه الله وطلبه السّلطان وقتله”!!

وقد يكون الإضراب بالامتناع عن بيع سلعة معينة احتجاجا على قرارات اقتصادية يراها الناس ظالمة؛ فالرحالة ابن بطوطة (ت 779هـ/1377م) يذكر -في كتاب رحلته- أن سلطان الدولة الخلجية بالهند الإسلامية “كان إذا غلا ثمن الزرع فتح المخازن وباع الزرع حتى يرخص السعر، ويذكر أن السعر ارتفع ذات مرة فأمر ببيع الزرع بثمن عيَّنه، فامتنع الناس من بيعه بذلك الثمن فأمر ألا يبيع أحد زرعا غير زرع المخزن”.

 

إجراءات مبتكرة

ومن أغرب أنواع الإضراب في الاحتجاجات ما كان يقدم عليه المحتجون من إغلاق للمساجد وتعطيل لإقامة الصلوات فيها حتى تلبّي السلطات مطالبهم، وقد تكرر ذلك كثيرا -في مختلف العصور- حتى صار ظاهرة مرصودة بصورة لافتة في كتب التاريخ.

ومن صور ذلك ما وقع في بغداد سنة 312هـ/924م حين اعترض القرامطة بقيادة أبي طاهر الجنّابيّ القرمطيّ (ت 332هـ/944م) طريق قافلة الحجاج القادمة -بعد انقضاء موسم الحج– من الحجاز إلى العراق، وقتلوا منهم 2500 شخص منهم ثلاثمئة امرأة!!

فقد ذكر عفيف الدين ابن أسعد اليافعي (ت 768هـ/1366م) -في ‘مرآة الجنان‘- أن القرامطة هجموا على الحجاج “فوضعوا السيف [في رقابهم] واستباحوا الحجيج، وساقوا الجِمال بالأموال والحريم، وهلك الناس جوعا وعطشا، ونجا من نجا بأسوأ حال، ووقع النوح والبكاء ببغداد وغيرها، وامتنع الناس من الصلوات في المساجد”!!

ومن طريف أساليب الاحتجاج ما كان يُقْدم عليه المحتجون من كتابة العرائض المطلبية، واتخاذ الوسائل الإيضاحية الرمزية للتعبير عن مواقفهم ومطالبهم، وهو ما يذكرنا بما نراه اليوم من حمل المحتجين في مظاهرات الجياع وثورات الخبز للقدور والأواني!!

فالمؤرخ المقريزي (ت 845هـ/1441م) يخبرنا -في ‘اتّعاظ الحُنفا‘- أنه في سنة 398هـ/1009م وقع غلاء شديد في الحبوب “واشتد تكالب الناس على الخبز، فاجتمعوا وضجوا من قلَّته وسواده، ورفعوا للحاكم قصة (= عريضة شكوى) مع رغيفة” خبز أرفقوها بها!!

ويروي ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- أنه في سنة 410هـ/1020م تحرَّك العامة في مصر للاحتجاج على الأوضاع ووضعوا في الطريق الذي يسلكه عادة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله “تمثال امرأة من قراطيس بخُفٍّ وأزوار (= ملابس بالية) ونصبوها..، وتركوا في يدها رقعة مختومة تتضمن كل لعن وشتيمة، فلما اجتاز بها [الخليفة] لم يشكَّ أنها امرأة، وأن الرقعة رقعة ظُلامة (= شكوى)، فتقدم فأخذها من يدها ففتحها فرأى في أولها ما استعظمه، فقال: انظروا هذه المرأة من هي؟ فقيل: إنها تمثال معمول من قراطيس”!!

 

سجون مقتحمة

وحتى ظلمات زنازين السجون لم تمنع المظلومين من الاحتجاج لتغيير الأوضاع البائسة التي غالبا ما كانوا يعيشونها بين جدران السجون؛ ولذا كان هؤلاء السجناءُ في أوقاتٍ كثيرة يضجّون بآلامهم فيحتجون على سوء المعاملة، ثم تتطور الأمور إلى مقاومة السجّانين ومحاولة الهرب طلبا للحرية.

وكثيرا ما كانت تفشل تلك المحاولات؛ فابن الجوزي يروي -في ‘المنتظم‘- أنه في سنة 306هـ/918م “شغَب أهل السجن الجديد [ببغداد] وصعدوا السُّور، فركب.. صاحب الشرطة وحاربهم”. ولكنها كانت تنجح أيضا خاصة إذا استغلّ السجناء حالات الانهيار الأمني والاحتجاجات داخل المدن للفرار والهرب.

فحين حوصرت القاهرة سنة 791هـ/1389م من الأمراء المناوئين للسلطان المملوكي الظاهر بَرْقُوق (ت 801هـ/1399م)، وأيقن الجميع أنه مهزوم “خاف والي القاهرة حسام الدين بن الكوراني (ت بعد 791هـ/1389م) على نفسه.. واختفى وبقي الناس غوغاء، وقطعَ المسجونون قيودهم بـ‘خزانة شمائل‘ (= سجن بالقاهرة) وكسروا باب الحبس وخرجوا..، فلم يردُّهم أحد بشغل كلّ واحد بنفسه، وكذلك فعل أهل حبس الدّيلم، وأهل سجن الرّحبة”!!

بل كان من الأنشطة السياسية التي مارسها النّاس -وهي داخلة في أنماط الاحتجاج السلميّ- كَسْرُهم السجون وفتح أبوابها لإطلاق المظلومين من سجناء الرأي. ومن ذلك ما ذكره القاضي أبو علي التَّنُوخي (ت 384هـ/995م) -في كتابه ‘نشوار المحاضرة‘- من أنه في سنة 307هـ/919م “كسرت العامة الحبوس بمدينة المنصور فأفلت من كان فيها، وكانت الأبواب الحديد التي للمدينة باقية فغلقت، وتتبع أصحاب الشُّرَط (= الشرطة) من أفلت من الحبوس فأخذوا جميعهم حتى لم يفتهم منهم أحد”!!

وربما كان اقتحام السجون لإخراج معتقلين ألقي القبض عليهم خلال أنشطة الاحتجاج نفسها، فهم معتقلو رأي وليسوا من أصحاب جرائم تتعلق بالحق العام؛ ففي سنة 843هـ/1439م ثار الناس في دمشق على حاكمها نائب السلطان المملوكي، وهاجموا مقر إقامته المسمى “دار السعادة”.

وكان السبب في ذلك حسب ابن حجر -في ‘إنباء الغمر‘- أن أحد الموظفين كان مقربا من الحاكم “فاحتكر اللحم وصار هو الذي يتولى الذبيحة، فغلا اللحم وصار يَشتري الغنم بالسعر البخس ويبيع بالربح المفْرِط، فقلّ الجالب (= الغنم المستوردة) بسبب ذلك، فاشتدّ الخَطْبُ حتى كان اللحم يباع بدرهمين ونصف فبلغ ثمانية (= اليوم عشرة دولارات أميركية تقريبا)، فنادى النائب بالجند فأمسكوا منهم جماعة وسجنوهم، فهجم الباقون [على] السجن وكسروا بابه وأطلقوا أصحابهم”!!

 

دعاء والتجاء

كان لجوء المحتجين إلى الدعاء الجماعي والابتهال إلى الله تعالى لرفع الغمة عنهم نوعا من الاحتجاج السلمي لمحاولة ردع سلطانهم عن ظلمه وجوره، وكان ذلك أسلوبا مؤثرا -أحيانا كثيرة- خاصة في مجتمع تطبعه القيم الدينية المنذرة دائما بالخشية من عقوبة سماوية تصيب الظلمة والمعتدين.

والدعاء قد يكون غير مباشر حين يقدَّم مكتوبا في منشورات توصل بطريقة ما إلى السلطة، وقد يكون مباشر جماعيا إما معلَنا في المساجد أو في ميادين وطرقات المدن الإسلامية، وإمّا محصورا في بيوت الناس ومجالسهم الخاصة، أو بالجمع بين الأمرين.

ومن أوائل القصص في توظيف الدعاء في الاحتجاج والاستنكار لممارسات تحدث في المشهد السياسي العام، ما ورد عن أم المؤمنين عائشة (ت 58هـ/679م) أنها حين سمعت باستشهاد الخليفة عثمان بن عفان (ت 35هـ/656م) “رفعت يديْها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضجَّ الناس معها بالدعاء” عليهم!!

ومن النماذج التاريخية لذلك ما حكاه ابن مسكَوَيْه (ت 421هـ/1031م) -في ‘تجارب الأمم‘- من أنه حين اشتدت وطأة الوزير البويهي أبي الفضل الشِّيرازي (ت بُعيد 362هـ/973م) بالعراق “كثُـر الدعاء عليه في المساجد الجامعة وفي الكنائس والبِـيَع (= كُنُس اليهود)” في بغداد.

كما يروي ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (ت 411هـ/1021م) “كان المصريون موتورين منه، فكانوا يدسُّون إليه الرقاع (= المنشورات) المختومة بالدعاء والسب له ولأسلافه”!!

وأورد المقريزي -في كتبه ‘السلوك‘- أنه في سنة 680هـ/1281م هاجم التتار دمشق فـ”اجْتمع النَّاس بأسرهم فِي جَامع دمشق وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله وضجوا وَبكوا وحملوا الْمُصحف العثماني على الرُّءُوس وَخَرجُوا من الْجَامِع إِلَى الْمصلى خَارج الْبَلَد وهم يسْأَلُون الله النصر على الأعداء”.

ويخبرنا المؤرخ ابن إياس الحنفي (ت 928هـ/1522م) -في ‘بدائع الزهور‘- أنه في أحد شهور رمضان بمصر “قطع السلطان رواتب جماعة كثيرة..، فكثر الدعاء على السلطان بسبب ذلك، وكان -في أواخر دولته- كثُر ظُلمُه جدا”!!

تخطيط دقيق

وكان من شأن المحتجين على موقف رسمي ما توخي الظرف المناسب والأسلوب الأمثل لإنجاح احتجاجاتهم وبلوغها أهدافها المطلوبة؛ فكان من تخطيطهم أحيانا أنهم يتخيرون لها زمانا ومكانا يكون فيه صوت الاحتجاج أبلغ ما يكون، كأن يختاروا الجوامع وأيام الجُمُعات لتنظيم أنشطتهم الاحتجاجية، على نحو ما نراه اليوم في احتجاجات الجماهير حين تختار لها أيام الجمعة لسهولة احتشاد الناس لها.

ومن نماذج ذلك المبكرة ما يخبرنا به ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- من أنّه بويع في بغداد بالخلافة لإبراهيم بن المهدي العباسي (ت 224هـ/839م) في سنة 201هـ/816م، لأن المأمون (ت 218هـ/833م) لما فوَّض ولاية عهده إلى علي بن موسى الرضا العلوي (ت 203هـ/818م) رفض العباسيون ذلك خشية على مستقبل دولتهم، فـ”أظهروا أنهم خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم بن المهدي، ومن بعده [ابنُ أخيه] إسحق بن موسى بن المهدي (ت بعد 201هـ/816م)”.

ثم إنهم خططوا لإنجاح ضغطهم الاحتجاجي على المأمون بأن “ضمِنوا للجُنْد (= الجيش) أشياء يعطونهم [إياها]، وأمروا رجلا [بأن] يقول يوم الجمعة حين يؤذن المؤذن: إنا نريد أن ندعو للمأمون، ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة! ودسُّوا قوما فقالوا: إذا قام من يتكلم بهذا فقوموا وقولوا: لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم، ومن بعده لإسحق وتخلعوا المأمون! فلما قام من تكلم بهذا وأجيب بهذا، لم يُصَلُّوا في ذلك اليوم الجمعةَ، ولا خَطَب أحدٌ، وصلى الناس أربع ركعات”!!

ففي هذا الحدث نرى أنّ المعترضين على قرار المأمون بشأن ولاية العهد استعملوا أسلوب الاحتجاج الشعبيّ لتحقيق هدفهم عبر تهديد “الشارع” بخلع المأمون، وذلك حتى لا يُقال إنه خُلع بدون وجه حقّ أو من غير مطالبة جماهيرية توجب ذلك!

فالمحتجون كانوا بارعين في إظهار الأمر وكأنّ عامة الناس هم من يسعون لخلع الخليفة، وليس فقط الفاعلين في مراكز القرار بالدولة من أقاربه وعائلته الذين “فعلوا ذلك غضبا على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد علي”؛ وفقا لابن الجوزي. وبذلك ندرك أنّ الاحتجاج قد يكون حقيقياً وقد يكون مصطنعاً، حسب اختلاف طبيعة الفاعلين وأهدافهم.

ومن أمثلة ذلك أيضا تخيُّرُهم للأماكن العامة التي يسهل فيها الوصول إلى المسؤولين، كما حكاه ابن الجوزي (ت 597هـ/1201م) -في ‘المنتظم‘- من أنه في سنة 330هـ/942م “قام رجل من العامة في جامع الرصافة والإمام يخطب، فلما دعا للمتقي لله (الخليفة العباسي ت 357هـ/968م) قال له العامي: كذبت، ما هو بالمتقي! فأخِذ وحُمِل إلى دار السلطان”.

ظواهر لافتة

توثق لنا كتب التاريخ صورة مشرقة من انخراط العلماء المصلحين -من المحدّثين والفقهاء وصلحاء الصوفية– في الاحتجاجات المجتمعية السلمية على الظلم والعدوان أيا كان مصدره، انسجاما مع التوجه الشرعي الذي أتاح للرأي العام -من العلماء وعامة الناس- حق “الحِسبة” المجتمعية بالأخذ على أيدي الظالمين، ممارسة “الرقابة الشعبية” وتفعيل آليات الضبط الاجتماعي الإيجاب.

ففي تونس نجد الإمام القاضي سحنون بن سعيد (ت 240هـ/855م) لا يتردد في الاستعانة بالقوى المجتمعية -من وجهاء العشائر وغيرهم- لوقف عدوان أعوان السلطة على ضعفاء الناس وانتهاك حرماتهم، وقد ساعدته في ذلك إمامته العلمية وزعامته الجماهيرية العظيمة، حتى قال القاضي عياض (ت 544هـ/1149م) -في ‘ترتيب المدارك‘- إن أمير تونس محمد بن الأغلب التميمي (ت 242هـ/856م) “لم يمكنه عزل سحنون لمكانه من قلوب الناس”!! ولذلك ظل سحنون على رأس مؤسسة القضاء حتى وفاته.

وأورد عياض في الدلالة على تلك القوة الجماهيرية قصة حشد سحنون لألف شيخ مسلّح من وجهاء تونس، كلّفهم بتخليص نساء مسلمات سباهُنّ أحد قادة جيش الأغالبة خلال إحدى المعارك، فأحاط الوجهاء -وهم مسلحون- بقصر القائد بأمر من سحنون “حتى أخرجهن الشيوخ كما حدَّه سحنون لهم، وحملوهن إلى سحنون”!!

وظلت ظاهرة مشاركة العلماء في الاحتجاجات متواصلة حتى قرون الإسلام المتأخرة؛ ففي مصر مثلا يعرض المؤرخ الجَبَرْتي -بنحو متكرر- تفاصيل وقائع الاحتجاجات الشعبية في مصر خلال العهد الثنائي الحكم المملوكي/العثماني.

فقد كان علماء الأزهر يلتحمون في تلك الاحتجاجات مع مطالب الرأي العام، بل إنهم تولوا -بالتحالف مع التجار والأعيان ضد الأمراء حينئذ- قيادة تحركات الجماهير الاحتجاجية، التي كانت تؤدي غالبا إلى إعلان إضراب عام تغلق خلاله الأسواق وتوقف الدراسة في أروقة جامع الأزهر، حتى يتم تنفيذ مطالب جموع الشعب ويُردع المعتدون.

ويقول الجبرتي إنه في سنة 1199هـ/1785م “ورد الخبر بوصول باش (= باشا: الوالي) مصر الجديد إلى ثغر الإسكندرية وكذلك باش جدة، ووقع قبل ورودهما بأيام فتنة بالإسكندرية بين أهل البلد وآغَات (= حرّاس) القلعة والسِّرْدار (= قائد الجند) بسبب قتيل من أهل البلد قتله بعض أتباع السردار، فثار العامة وقبضوا على السردار وأهانوه وجرّسوه (= شهّروا به) على حمار وحلقوا نصف لحيته، وطافوا به البلد وهو مكشوف الرأس وهم يضربونه ويصفعونه بالنعالات”!!

 

جبهات وطنية

ومن ذلك أيضا ما يرويه في أحداث سنة 1209هـ/1794م قائلا إنه حضر إلى شيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي (ت 1227هـ/1812م) أهالي قرية تابعة لمدينة بلبيس، واشتكوا إليه من بعض متنفذي المماليك الذين “ظلموهم وطلبوا منهم ما لا قدرة لهم عليه، واستغاثوا بالشيخ فاغتاظ وحضر إلى الأزهر وجمع المشايخ.. وقفلوا الجامع وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت”!!

وبعد احتشاد هذه الجموع في نقطة الانطلاقة عند الأزهر “ركبوا.. واجتمع عليهم خلق كثير من العامة وتبعوهم” إلى مقرات المسؤولين عن البلاد، حيث خاطبوهم قائلين “نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع…، وانحطّ (= انتهى) الأمر على أنهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم، وانعقد الصلح على أن… يكفوا أتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس”.

ومن المواقف الاحتجاجية التي تآزرت فيها جهود كبار العلماء والعامّة لإزالة عدوان المحسوبين على رجال السلطة ما يخبرنا به الجبرتي من أنه بعدما قام بعض الجنود والأمراء بنهب بيوت الناس في أحد أحياء القاهرة سنة 1200هـ/1785م؛ تحركت جماهير العامة “وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول.. وبأيديهم نَبَابِيت (= جمع نَبُّوت: عصا)”، وذهبوا مجددا إلى الشيخ أحمد الدَّرْدِير “فوافقهم وساعدهم بالكلام”.

وقد احتوى الشيخ الدَّرْدِير بذلك الكلام غضب جماهير المحتجين، ثم خاطبهم قائلا: “في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة، وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم”! وعندما أحس المسؤولون بالخطر “ذهبوا إلى الشيخ الدَّرْدِير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال، وقالوا للشيخ: اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون”!!

وهكذا نجد أن الشيخ الدَّرْدِير كان شيخا ثوريا ولم يكن عالم فقه فقط، مما يؤكد أن الزعامة الشعبية للعلماء لم تكن فقط بسبب المكون العلمي في شخصياتهم، وإنما لإسهامهم في رفع المظالم عن عامة الشعب وتصدرهم أنشطة احتجاجاته المطلبية العادلة، ولذلك فهي زعامات يخلقها الرأي العام لسد فراغات السلطة حين تنسحب من الميدان وتتخلى عن مسؤوليتها.

 

أدوار نقابية

وعلى غرار مختلف الفئات الاجتماعية؛ ساهمت النقابات المهنية الحرفية في مقاومة الظلم وتعديات رجال السلطة، وخاصة نقابات الأناضول التركية التي يصف ابن بطوطة منتسبيها قائلا في رحلته: “لا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالا (= اعتناءً) بالغرباء من الناس، وأسرع إلى إطعامهم الطعام وقضاء الحوائج، والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشُّرَط (= الشرطة) ومن لحق بهم من أهل الشر”!!

واتخذ بعض أرباب الحِرَف من الإضراب المهني وسيلة لمقاومة المظالم التي قد تلحقهم، وهو ما يدل بوضوح على انتظامهم في نقابات توحّد مواقفهم حتى تتحقق مطالبهم؛ فالراغب الأصفهاني (ت 502هـ/1108م) يحدثنا -في ‘محاضرات الأدباء‘- عن أن “الحجّامين (= الحلّاقين) بِقُمْ (= في إيران) في بعض الأوقات غضبوا، فاجتمعوا وخرجوا من البلد حتى طالت شعور أهلها، واضطروا إلى أن خرجوا إليهم وقبّلوا الأرض بين أيديهم، وحلفوا لهم ألا يؤذوهم ولا يلقّبوهم [بألقاب مُهِينة]؛ فرجعوا” إلى محلات مهنتهم في المدينة!!

ورغم أن المشاركين في الاحتجاجات السلمية -بشتى دوافعها ومختلف أنواعها- ظلوا بمعظمهم ينتمون إلى الأغلبية المسلمة؛ فإن ذلك لا يعني أنها كانت مقتصرة عليهم، بل كثيرا ما ناصرهم إخوتهم في الوطن من مختلف الانتماءات الدينية الأخرى، لمواجهة عسف السلطات أو للمطالبة بتوفير الأمن والاستقرار عند انعدامهما، ضاربين بذلك المثل الصحيح في التعايش الديني الإيجابي، ومشكِّلين معا جبهة وطنية عريضة من جميع الأديان لدفع العدوان وردع الطغيان.

ولعل من أغرب تلك الوقائعِ الحادثةَ التي حصلت في دمشق سنة 363هـ/974م عندما دخلها القائد العسكري الفاطمي أبو محمود إبراهيم بن جعفر الكُتَامي (ت 370هـ/981م)، واضطرب الأمن في أحيائها فخرج سكانها محتجين على غياب الأمن، وحملت كل طائفة دينية كتابها المقدس واشترك جميع الطوائف في الدعاء داخل الجامع الأموي!!

فقد ذكر المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في ‘اتّعاظ الحُنفا‘- أنه عندما “تفاقم الأمر واشتد البلاء” سيّر أهلُ دمشق -بقيادة “مشايخ البلد”- مظاهرات تندد بالاضطراب وتطالب بتوفير الأمن، وفيها “فتح المسلمون المصاحف، والنصارى الإنجيل، ‏واليهود التوراة، واجتمعوا بالجامع وضجَّوا بالدعاء، وداروا المدينة ‏وهي منشورة على رؤوسهم”!!

ولمّا بالغ خليفة الفاطميين الحاكم بأمر الله في ظلمه لرعيته بمصر سنة 395هـ/1006م “اجتمع [حلفاؤه] الكُتَاميّون واستغاثوا إليه، وكذلك سائر الكتّاب والعمال والجند والتجار… والنصارى واليهود، ‏وسألوه العفو عنهم”. ويضيف المقريزي أنه صدر العفو في “سجل كُتب [منه] نسخة للمسلمين، ونسخة للنصارى، ونسخة لليهود”!!

 

نتائج متفاوتة

تُرينا قصص تلك الاحتجاجات -بتنوع خلفياتها وبيئاتها- أنها كثيرا ما كان أحدها ينطلق احتجاجاً سلميا، فينتهي سلمياً كذلك بتلبية مطالبه كليا أو جزئيا، أو يتحول إلى حراك عنيف ربما يتصاعد نشاطه فينقلب إلى اضطراب عامّ عارم؛ وأحيانا يبدأ سلميا ويواجَه بالعنف من قبل السلطة السياسية فتُخْمده، أو يتفاقم عليها أمره ويخرج عن طور السيطرة.

وكان الاحتجاج يؤتي ثمراته -أحايين كثيرة- حين تستجيب السلطات لمطالب المحتجين الشاكِين؛ فمثلا يفيدنا الإمام ابن كثير -في ‘البداية والنهاية‘- بأنه في سنة 194هـ/810م “خَلَع أهل حمص نائبهم فعزله عنهم الأمين” الخليفة العباسي (ت 198هـ/814م)، ثم ولّى عليهم واليا جديدا هو عبد الله بن سعيد الحَـرَشي (ت بعد 202هـ/817م) ففتك بهم، وقَتل كثيرا منهم ليُخمد تمردهم لكنهم لم يخضعوا، وبعبارة ابن كثير: “ثم هاجوا فضرب أعناق كثير منهم أيضا”!!

وفيما ورائيات تلك الحكاية ندرك أنّ أرض الشام كانت خصيبة بمجتمع مدني فاعل ومُتحرّك وضاغِطٍ، استطاع أن يعزل نائباً ويثور على آخر رغم ما تعرض له. ونجد في عبارة ابن كثير لفتة لطيفة، فقد نسب “خلع” الوالي إلى أهل حمص، ولم ينسبه إلى وجوهها وأعيانها وأهل الحل والعقد فيها!

وفي مصر المملوكية؛ يخبرنا الإمام ابن حجر في ‘إنباء الغُمْر‘- بأنه في سنة 797هـ/1395م “شكا بعض العامة من القاضي الشافعي شهاب الدين الباعوني (ت 816هـ/1413م)، فعزله السلطان وقرَّر [مكانَه] علاء الدين ابن أبي البقاء (ت 809هـ/1406م)”.

وفي حلب العثمانية؛ حدث أن تحرك العامة سنة 1184هـ/1772م لممارسة الضغط على السلطة بدوافع دينية بحتة، فاستجابت لمطالبهم؛ حيث “اجتمع جم غفير من العلماء والعوام ودخلوا المحكمة الشرعية وطلبوا رفع بعض بدع وأمور منحرفة عن الدين، فأجيبوا إلى ما طلبوا”؛ وفقا للمؤرخ كامل الغزي (ت 1351هـ/1933م) في ‘نهر الذهب في تاريخ حلب‘.

وقد يحدث أن تهمّ السلطة بالمراوغة في الاستجابة لكنها لا تجد مفرا منها تحت ضغط الاحتجاجات وتصاعدها، كما حصل في سنة 799هـ/1397م عندما “استقر ابن البرجي (بهاء الدين ت بعد 818هـ/1415م) في الحِسْبة فاتفق أن الأسعار غلت، فتشاءم الناس به، ولم يلبث إلا يسيراً حتى وقف العامة فيه للسلطان، فعاندهم وخَلَع عليه (= كرّمه)، فرجموه فعزله عنهم”؛ طبقا لابن حجر.

وأحيانا كانت تواجه السلطةُ احتجاجات الناس ببطش القوة الغاشمة، كما حصل في مصر الفاطمية حين غضب الحاكم بأمر الله من بعض الأساليب الاحتجاجية ضده، فقام “باستدعاء القواد والعُرَفاء فلما حضروا أمرهم بالمصير إلى مصر (= الفسطاط) وضربها بالنار ونهبها وقتل من ظفروا به من أهلها، فتوجهوا لذلك، وعرف المصريون ذلك فقاتلوا عن نفوسهم قتالا بلغوا فيه غاية وسعهم..، واستمرت الحرب بين العبيد والرعية ثلاثة أيام”.

 

وللتأييد نصيب

كما قد يواجه النظامُ المحتجين بالملاحقة والاعتقال في ظلام السجون؛ فعندما اعتمد السلطان المملوكي الناصر فَرَج بن بَرْقُوق (ت 815هـ/1412م) سياسة نقدية مجحفة بمصالح الناس “غُلّقت الحوانيت، فغضب السلطان وأمر مماليكه الجلبان بوضع السيف في العامة فشَفَع فيهم الأمراءُ، فقُبض على جماعة وضُربوا بالمقارع، وقَتل رجلاً وشنقه بسبب الفلوس”؛ وفقا لابن حجر في ‘إنباء الغمر‘.

ويحدثنا المؤرخ الجَبَرتيّ (ت 1240هـ/1824م) -في كتابه ‘عجائب الآثار‘- أنه في سنة 1191هـ/1777م “وقعت حادثة في طائفة المغاربة المجاورين بالجامع الأزهر… وتعرضوا للظلم، فأخبروا الشيخ أحمد الدَّرْدِير (شيخ المالكية ت 1201هـ/1786م) فكتب مراسلة إلى يوسف بك (الكبير ت 1191هـ/1777م) تتضمن عدم تعرضه لأهل العلم ومعاندة الحكم الشرعي…، فعندما وصلوا إليه وأعطوه التذكرة نَهَرَهُم وأمر بالقبض عليهم وسجنهم بالحبس”!!

وعندما وصل الخبر إلى الشيخ الدَّرْدِير رأى أن الأمر يتطلب تشكيل جبهة احتجاج واسعة من العلماء وغيرهم للضغط على السلطة، فدعا “أهل الجامع فاجتمعوا في صبحها وأبطلوا الدروس والآذان والصلوات، وقفلوا أبواب الجامع وجلس المشايخ بالقبلة القديمة، وطلع الصغار على المنارات يكثرون الصياح والدعاء على الأمراء، وأغلق أهل الأسواق القريبة الحوانيت”!! وأما هذا الشلل الكامل للحياة في قلب القاهرة أدرك أمراء المماليك خطورة الوضع “فأرسلوا إلى يوسف بك فأطلق المسجونين”.

لم تكن المظاهرات المدنية كلها تنديدا بالسلطة وممارساتها وسياساتها، بل كان الناس أيضا يتظاهرون تأييدا ومناصرة للحاكِم إذا كان عدلا مَرْضِيَ السيرة والسياسة، كما حصل أيام الخليفة المهتدي بالله العباسي (ت 256هـ/870م) الذي كان يوصف بأنه -في دولة بني العباس- نظير الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ/720م) في دولة بني أمية!

فعندما أراد قادة الجيش الأتراك خلع الخليفة المهتدي بالله ثارت الجماهير مؤازرة لموقفه في مواجهتهم، فحشدوا جموعهم “وكتبوا الرقاع (= منشورات) ورموها في الطرق والمساجد، مكتوب فيها: «يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا، المضاهي لعمر بن الخطاب، وأن ينصره الله على عدوه، ويكفيه مئونة ظالمه، وتتم النعمة عليه، وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه، وهو يعذَّب منذ أيام، وصلى الله على محمد»”؛ طبقا للمؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ/1233م) في تاريخه ‘الكامل‘.

وفي ترجمة الوزير العباسي المصلح ظهير الدين الرُّوذْرَاوَرِي (ت 488هـ/1095م)؛ يقول ابن خلِّكان (ت 681هـ/1282م) -في ‘وفيات الأعيان‘- إنه “وولِيَ الوزارةَ للإمام (= الخليفة) المقتدي بأمر الله (ت 487هـ/1094م) بعد عزل [الوزير] عميد الدولة أبي منصور ابن جهير (ت 493هـ/1100م)..، وخرج (= ظهير الدين) بعد عزله ماشياً يوم الجمعة من داره إلى الجامع، وانثالت (= تدفقت) عليه العامة تصافحه وتدعوا له، وكان ذلك سبباً لإلزامه بالقعود في داره”.

وعلى ما يبدو؛ فإن السلطة تخوفت من تأثير هذا الوزير المحبوب في العامة بما يؤدي إلى تذكيرهم بأيامه السعيدة معهم، ففرضوا عليه الإقامة الجبرية، وذلك لأن غضب رؤوس القوم -كالعلماء والأعيان- محدود ويمكن كبحه واحتواؤه، بيد أن غضب العامة بخلاف ذلك كما دلت عليه هذه المسيرة الطويلة من الاحتجاجات التي رصدناها في هذا المقال.

 

المصدر : الجزيرة

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium