تدوينات مختارة

برلمانية سابقة: مكتب مجلس النواب يدفن المبادرات الرقابية

في تونس يحاول قيس سعيد استصدار دستور يكرس الاستبداد وحكم الواحد، دستور يريد من خلاله منع البرلمان من ممارسة الرقابة على الحكومة، حتى أنه يعتزم تجريده من سمة “السلطة” ليستحيل إلى مجرد “وظيفة” برلمانية، رغم أن الفكرة المؤسسة للبرلمان تتضمن في جوهرها فكرة الرقابة باسم الإرادة العامة على السلطة التنفيذية.
عندنا في المغرب، حرصت كل الدساتير منذ 1962 على تمكين البرلمان من دوره الرقابي، ولم يتغير الأمر “دستوريا” حتى في أحلك الظروف السياسية المطبوعة بتنازع الشرعيات والصراع على السلطة بين الملكية وخصومها آنذاك.
مكتب مجلس النواب الحالي يريد أن يفرض قسرا منطقا جديدا في تدبير العلاقة بين السلط والمؤسسات، خارج الدستور والأعراف ومنطق الأشياء وكأننا في دويلة بالكاد تتعلم الديمقراطية وتتهجى قواعد الدستورانية.
مكتب المجلس ورئيسه صار في سابقة يقوم بدور الذرع الواقي ودور المصفاة التي تدفن المبادرات الرقابية حتى لا يصل أثرها للحكومة.
لم يسبق لنا أن عشنا مثل ما نعيشه اليوم، وقد مارست شخصيا مهمة نائب الرئيس وعضوية مكتب المجلس، ورغم أننا كنا جزء من الأغلبية الحكومية، إلا أننا لم نتجرأ يوما على تجريد زملائنا نواب المعارضة من حقوقهم الدستورية والقانونية في طلب مساعدة المؤسسات الدستورية وإحالة طلبات الدراسات وإصدار الرأي عليها، إيمانا منا أن في ذلك دعم للوظيفة الرقابية وتفعيل للدستور والمؤسسات والمجالس الدستورية، حيث لا يمكن إلا أن تكون آراؤها ودراساتها وتقاريرها مفيدة كيفما كان مضمونها.
ما المبرر الدستوري والسياسي والأخلاقي الذي يمكن أن يقدم لرفض مكتب مجلس النواب إحالة طلب نواب العدالة والتنمية على مجلس المنافسة لطلب رأيه حول الشكوك المثارة بخصوص بيع الأوكسجين والغازات الطبية؟ وكذا الشكوك حول إمكانية التواطؤ والاتفاق على رفع أسعار الحليب بين الشركات بما يخالف قوانين الأسعار والمنافسة؟
مكتب مجلس النواب هو هيئة عليا يفترض فيها الدفاع عن المجلس وسلطته وهيبته إزاء الحكومة وباقي المؤسسات كيفما كانت المواقع الحزبية والسياسية لرئيسه وباقي أعضائه.
ما يحدث اليوم في المؤسسات المنتخبة برلمانا وجماعات ترابية غير مسبوق. هناك من صار يتصرف وكأننا في ضيعة “فيرمة” ورثها عن أجداده يفعل بها ما يريد، متناسيا أن المغرب دولة عريقة بهوية وحضارة وتاريخ يستعصي على لعب الطارئين على السياسة والفكر السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى